الشِّركُ الأكبرُ: أَعظمُ ذَنبٍ عُصِي اللهُ به، فهُو أكبرُ الكبائِرِ، وأعظمُ الظُّلمِ؛ لأنَّ الشِّركَ صَرفُ خالِصِ حقِّ اللهِ تعالى -وهُو العبادةُ- لغَيرِه، أو وَصفُ أَحدِ خَلقِه بشيءٍ مِنْ صِفاتِه الَّتي اختَصَّ بها ﷿، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمَان: ١٣]، ولِذلك رَتَّب الشرعُ عليه عُقوباتٍ عظيمةً، أَهمُّها:
• أنَّ اللهَ لا يَغفِره إذا ماتَ صاحبُه ولم يَتُب منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨].
• أنَّ صاحبَه خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلامِ، حَلالُ الدَّمِ والمالِ، قال ﷿: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥]. ويُعادَى ويُبغَضُ ولا يُحَبُّ.
• أنَّ اللهَ تعالى لا يَقبَلُ مِنْ الُمشرِكِ عملًا، وما عَمِلَه مِنْ أعمالٍ سابِقةٍ تكونُ هباءً مَنثُورًا، كمَا قال تعالى عن المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا *﴾ [الفُرقان: ٢٣]، وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
• يَحرُم أنْ يَتزوَّج المُشرِكُ بمُسلِمةٍ، كمَا يَحرُم أنْ يَتزوجَ المسلمُ مُشركةً، كمَا قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١].
• إذا ماتَ المُشرِكُ فلا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مَقابرِ المسلِمينَ، وإنَّما يُحفَر له حُفرةٌ بعيدةٌ عن الناسِ، ويُدفَنُ فيها؛ لِئلاَّ
[ ١٠٩ ]
يُؤذِيَ الناسَ برائحتِه الكريهةِ.
ومِن الأحكامِ الآخرُويَّةِ:
أنَّ دخولَ الجنَّةِ عليه حرامٌ، وهو مُخلَّدٌ في نارِ الجحيمِ، نَسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ، كمَا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائدة: ٧٢].
مسألة: اتَّفق العلماءُ على أنَّ المشرِكينَ الأَصلِيِّين يُسمَّون مُشرِكين؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التّوبَة: ٦]، وقولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التّغَابُن: ٢].
ومَجانِينُهم وأَطفالُهم يُسمَّون كفَّارًا وإنْ لم تَقُم عليهم الحُجَّةُ، لكنْ مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعوةُ حُكمُه في الدُّنيا كمَا سَبَق، وفي الآخرةِ يُمتَحن يومَ القيامةِ، ومَن بَلغَتْه الدَّعوةُ أَخَذ أَحكامَ المشرِكينَ السَّابقةَ في الدُّنيا والآخرةِ.
مسألة: حُكمُ المُسلِم الذي طَرأَ عليه الشِّركُ.
المسلمِ الذي طَرأَ عليه الشِّركُ مِنْ حيثُ الاسمُ هُو مُشرِكٌ، ومِن حيثُ الحكمُ: لا تَحِلُّ ذَبِيحتُه، ولا الزَّواجُ منه، ولا يُغسَّلُ، ولا يُكفَّنُ، ولا يُصلَّى عليه إذا ماتَ.
وأمَّا مِنْ حيثُ العذابُ بالقتالِ والقتلِ وعذابِ الآخرةِ فهذا يَكون بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ عليه.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسرَاء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّسَاء: ١٦٥].
[ ١١٠ ]
مسألة: هل يُعذَر المُشرِكُ بجَهلِه؟
يُفرَّق بين المسائِلِ الظَّاهرةِ والمسائلِ الخَفيَّةِ، فيُعذَر بالمسائلِ الخفيَّةِ دونَ المسائلِ الظَّاهرةِ.
وضابطُ الظَّاهرةِ: ما يُعلَم مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ مِمَّا يَعرِفه الخاصُّ والعامُّ مِنْ المسلِمين، كالشِّركِ الذي يُناقِض أَصلَ التوحيدِ، والكُفرِ الذي يُناقِض أَصلَ الإيمانِ، والاستِهزاءِ باللهِ ﷿، أو رسولِه ﷺ أو كتابِه، أو وجوبِ الصلاةِ، أو تَحريمِ الزِّنَى، ونحوِ ذلك.
أمَّا المسائلُ الخفيَّةُ: فهِي ما يَخفَى على مِثلِه، كمسائلِ القَدَرِ والإرْجاءِ، ونحوِ ذلك.
ومِن ذلك أنْ يَكون التَّأويلُ له مَساغٌ في اللُّغةِ، كتأويلِ اليَدِ بالنِّعمةِ عندَ قولِ اللهِ ﷿: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائدة: ٦٤]، والمسائلُ الخفيَّةُ تَختلِف مِنْ حيثُ الزَّمانُ والمكانُ، بحَسَبِ قِيامِ الحُجَّةِ وانتِشارِها، فيُعذَر مَنْ كانَ في باديةٍ بَعيدةٍ عن بلادِ الإسلامِ، أو نَشَأ في بلادِ الكفارِ، ونحوُ ذلك.
فالشِّركُ الأكبرُ لا يَخفَى على مُوحِّدٍ؛ لأنَّ الشِّركَ والتوحيدَ مُتَناقِضَان لا يَجتمِعان ولا يَرتَفِعان.
تَعريفُ الشِّركِ الأصغرِ: كلُّ ما كان ذَريعةً للشِّركِ الأكبرِ، وجاءَ في النُّصوصِ تَسميتُه شِركًا.
وأمَّا حُكمُه فيَتلخَّص فيما يَلي:
الأولُ: أنه يُخالِف الشِّركَ الأكبرَ في جَميع ما مَضَى مِنْ الأحكامِ.
الثَّاني: أنه كبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ، بل هو مِنْ أكبرِ الذُّنوبِ بعدَ نَوَاقضِ التوحيدِ.
[ ١١١ ]
الثالثُ: أنَّ هذا الشِّركَ قد يَعظُم حتَّى يَؤُولَ بصاحبِه إلى الشِّركِ الأكبرِ المُخرِجِ مِنْ مِلَّةِ الإسلامِ، فصاحبُه على خطرٍ عظيمٍ.
الرابعُ: أنَّ مَنْ ماتَ على الشِّركِ الأصغرِ، فمَوضِعُ خلافٍ هل يَكون داخلًا تحتَ المَشِيئةِ، أو لا؟ فذهبَ بعضُ العلماءِ كعبدِ الرحمنِ بنِ حسنٍ، وصِدِّيقِ حسنٍ خان، وعبدِ الرحمنِ بنِ قاسمٍ إلى أنه لا يُغفَر، بل قد يُؤخَذ مِنْ حسناتِه، أو يُعذَّب في قَبرِه، ونحوُ ذلك، وذهبَ غيرُهم إلى أنه تحتَ المَشِيئةِ.
الخامسُ: أنه إذا صاحبَ العملَ الصالحَ أَبطَل ثَوابَه كمَا في الرِّياءِ، وإرادةُ المسلمِ بعَملِه الصالحِ الدُّنيا وَحْدَها، والدَّليلُ قولُه ﷺ فيما يَروِيه عن رَبِّه جلَّ وعَلَا فيمَا رَواه مسلمٌ عن أَبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: قال اللهُ ﵎: «أَنا أَغنَى الشُّرَكاءِ عن الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيه مَعِيَ غَيرِي تَرَكتُه وشِرْكَه».
قاعدةٌ: ما ثَبَت أنه عِبادةٌ فصَرْفُه لغَيرِ اللهِ شِركٌ أكبرُ، ولا يَكون شِركًا أَصغرَ؛ إذْ العبادةُ خاصَّةٌ باللهِ تعالى، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]. وما رَواه الشَّيخانِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ: «مَنْ ماتَ وهُو يَدعُو مِنْ دونِ اللهِ نِدًّا دَخَل النَّارَ».
ومن أمثلته:
١ - الدعاءُ عبادةٌ مِنْ أَجلِّ العباداتِ، قال اللهُ ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا *﴾ [الجنّ: ١٨]، وقال ﷺ في حديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁: «الدعاءُ هو العبادةُ». رَواه أحمدُ والبخاريُّ.
[ ١١٢ ]
فصرفها لغير الله شرك؛ ومن ذلك: أن يدعو غير الله في أمر لا يَقدِر عليه إلاّ اللهُ ﷿، مِثلُ أنْ يَطلب مِنْ أَحدٍ إنزالَ الغَيثِ، وغُفرانَ الذُّنوبِ، وغيرَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
أو في طريقةِ الطَّلبِ، بأنْ يَكون بكَمالِ الذُّلِّ، وبكِمالِ المحبَّةِ، أو برَغبةٍ ورَهبةٍ لا تُصرَف إلاّ للهِ فهذا شركٌ أكبرُ، لصَرفِه شيئًا مِنْ خَصائصِ الأُلوهيَّةِ لغَيرِ اللهِ ﷿.
أو يَكون المدعوُّ بعيدًا عن الداعِي، فإنَّ دعاءَ مِثلَ هذا شِركٌ؛ لأنَّ اتِّساعَ السَّمعِ لِسَماعِ البعيدِ خاصٌّ باللهِ سبحانَه، ولأنه يَعتقِد في مِثلِ هذا أنه يَعلَم الغَيبَ، وأنه له تَصرُّفٌ في الكَونِ.
أو يَدعوَ الغَيرَ مع اعتقادِ أنه يَستقِلُّ في إيجادِ المطلوبِ مِنْ دونِ اللهِ، فشِركٌ أكبرُ، فإنَّ إيجادَ الشيءِ استقلالًا خاصٌّ باللهِ ﷿.
أو يَطلب مِنْ الميِّتِ شِفاءَ مَريضِه، وكَشفَ السُّوءِ عنه، ونحوَ ذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ.
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ هذه الأفعالَ مِنْ كَشفِ السُّوءِ، وشفاءِ المريضِ لَيسَت خاصَّةً باللهِ، بل يَقوم بها بَعضُ المخلُوقِين كالطِّبيبِ مثلًا.
فجوابُ ذلك أنْ يُقال: إنَّ إيجادَ المُسبِّباتِ دونَ مُباشرةِ السَّببِ لا يَكون إلاّ للهِ سبحانَه، فهُو خاصٌّ به؛ إذْ هو يُوجِد المسبِّباتِ بالأمرِ الكَونيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *﴾ [يس: ٨٢].
فطلبُ الأفعالِ مِنْ الميِّتِ شِركٌ أكبرُ؛ لأنه يَلزمُ مِنْ هذا أنه يُوجِد المسبِّباتِ بدونِ مُباشَرةِ السبَبِ، ففيه صَرفٌ لشيءٍ اختَصَّ به الخالقُ دونَ المخلوقِ.
[ ١١٣ ]
٢ - طلبُ الحيِّ مِنْ الميِّتِ أنْ يَشفَع له عندَ اللهِ ﷿.
فهذا شِركٌ أكبرُ؛ لأنَّ الأصلَ في الأمواتِ أنَّهم لا يَسمعونَ نِداءَ مَنْ ناداهُم، ولا يَستجيبونَ دعاءَ مَنْ دعاهُم.
قال تعالى: ﴿… وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ *﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢].
٣ - الاستعانةُ، والاستغاثة، والاستعاذة عبادات وحُكمُها حُكمُ الدعاءِ، كمَا تقدَّم تَفصيلُه.
٤ - المحبَّةُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك: عبادةَ المحبوبِ مع اللهِ، كمحبَّةِ الخُرافِيِّين لِمَنْ يَدعُونَهم أولياءَ، أو أنْ يُسوِّيَ غيرَ اللهِ باللهِ في المحبَّةِ الخاصَّةِ باللهِ، بأنْ يُحِبَّ مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُدخِلَه الجنَّةَ، أو أنْ يَجعَل لغَيرِ اللهِ كمَالَ المحبَّةِ، أو يُحِبَّ المخلوقَ كمحبَّةِ اللهِ، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥].
وقد تَكون شِركًا أصغرَ: وذلك أنْ يَتعلَّق القلبُ بمَحبُوبِه رِضًا وسَخَطًا، لا يَرضَى إلاّ للمالِ ولا يَسخَط إلاّ له، فسمَّاه النبيُّ ﷺ: «عَبْدَ الدِّرهَمِ، وعَبْدَ الدِّينارِ، وعَبْدَ القَطِيفَةِ، وعَبْدَ الخَمِيصَةِ». إلى أنْ قال وقد وَصَف ذلك بأنه: «إذا أُعطِيَ رَضِيَ، وإذا مُنِعَ سَخِطَ». رَواه البخاريُّ مِنْ حديثِ أَبي هريرةَ ﵁.
[ ١١٤ ]
ومَن صُوَرِ الشِّركِ الأصغرِ: الغُلوُّ في المحبَّةِ الَّتي أَصلُها شرعيٌّ، أو طبيعيٌّ إذا لم تَصِل إلى حدِّ العبادةِ. ومِن أَمثِلةِ ذلك:
المثالُ الأولُ: الغُلوُّ في محبَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ غُلوًّا لم يَصِل إلى درجةِ محبَّةِ اللهِ ﷾؛ لِما رَواه البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أنه سَمِع عُمرَ ﵃ يقولُ على المِنبَرِ: سَمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: «لا تُطرُونِي كمَا أَطرَت النَّصارَى ابنَ مَريمَ، فإنَّما أنا عَبدُه، فقُولُوا عبدُ اللهِ ورَسُولُه».
المثالُ الثَّاني: الغُلوُّ في محبَّةِ المؤمنين بأنْ تَتجاوَزَ هذه المحبَّةُ حُدودَها الشرعيَّةَ، فتَتعدَّى كَونَها محبَّةً للهِ إلى كَونِها محبَّةً مع اللهِ، كالاعتمادِ على المحبوبِ، ورَجائِه في حُصولِ مَرغوبٍ أو دَفعِ مَرهوبٍ.
ومِثلُ ذلك: لو تَرتَّب على هذه المحبَّةِ طاعةٌ للمحبوبِ في مَعصِيةِ اللهِ بجَعلِ الحرامِ حَلالًا، أو الحلالِ حرامًا.
المثالُ الثالثُ: الغُلوُّ في المحبَّةِ الطَّبيعيَّةِ.
ومِن أَمثِلَتِه: العِشقُ، وهو أَعلَى درجاتِ المحبَّةِ؛ لأنَّ الحبَّ الذي استَحكَم بصاحبِه لا بُدَّ أنْ يَستَحكِم فيه الذُّلُّ، وهذه هي العبوديَّةُ.
٥ - الخوفُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك:
أنْ يَخاف مِنْ غيرِ اللهِ أنْ يُصِيبَه المَخُوفُ منه بمَشِيئتِه وإرادتِه دونَ اللهِ ﷿، أيْ: يَستقلُّ بذلك، فهذا شِركٌ أكبرُ، قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزُّمَر: ٣٦]، ولأنه لا أَحدَ يُوجِد المسبِّباتِ دونَ مُباشرةِ الأسبابِ إلاّ اللهُ ﷿، فهُو الذي يَقول للشَّيءِ كُنْ فيَكونُ.
[ ١١٥ ]
أو أنْ يُسوِّي غيرَ اللهِ باللهِ في الخوفِ الخاصِّ باللهِ؛ كأنْ يَخاف مِنْ أَحدٍ أنْ يُدخِله النَّارَ، أو أنْ يَخاف مِنْ غيرِ اللهِ خَوفَ تَعبُّدٍ بكَمالِ ذُلٍّ ومحبَّةٍ.
وقد يكون شِّركُا أصغر: كأنْ يَترك واجبًا، أو يَفعلَ مُحرَّمًا خوفًا مِنْ غيرِ اللهِ ﷿، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العَنكبوت: ١٠].
وقد يكون بِدعِيًّا: وهو الخوفُ الذي يُؤدِّي بالمسلِمِ إلى اليَأسِ والقُنوطِ مِنْ رحمةِ اللهِ.
٦ - الخَشيةُ، والرَّهْبةُ، والرغبة، والرجاء: عبادات لا يجوز صرفها إلا لله ﷿ وحُكمُها حُكمُ الخوفِ على ما تقدَّم تَفصيلُه.
٧ - التَّوكُّلُ: عبادة من أجل العبادات فصرفها لغير الله شرك أكبر؛ ومن ذلك:
التوكُّلُ على غيرِ اللهِ في الأمورِ الَّتي لا يَقدِر عليها إلاّ اللهُ، كمَغفِرَةِ الذُّنوبِ أو شِفاءِ المَرضَى بدونِ فِعلِ الأسبابِ، أو الحصولِ على وَلدٍ، والشَّفاعةِ، فهذا شِركٌ أكبرُ، ومِن ذلك التوكُّلُ على الأمواتِ.
وقد يكون شركًا أصغر: وهو التوكُّلُ على غيرِ الله فيما يَقدِر عليه، كمَن يتوكَّلُ على أميرٍ أو سلطانٍ فيما جَعلَه اللهُ بيَدِه مِنْ الرِّزقِ، أو دَفعِ الأذَى ونحوِ ذلك، فهذا شركٌ أصغرُ.
٨ - التَّوبةُ: وهي عبادةٌ أَمَر اللهُ بها في الكتابِ والسُّنةِ، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّور: ٣١] وحُكمُها حُكمُ الخوفِ على ما تقدَّم تَفصيلُه.
[ ١١٦ ]
٩ - الذَّبحُ: وهو عبادةٌ مِنْ أجلِّ العباداتِ، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الأنعَام: ١٦٢]، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *﴾ [الكَوثَر: ٢]. ويَكون شِركًا أكبرَ:
وهو أنْ يَصرِف عبادةَ الذبحِ لغَيرِ اللهِ مُتقرِّبًا له، كأنْ يَذبَح للجِنِّ، أو للأمواتِ، أو للأحياءِ، وغيرِهم.
ويكون بدعيًّا: بأنْ يَتقرَّب إلى اللهِ بإزهاقِ الرُّوحِ بإراقةِ الدَّمِ، ويَصحبُ فِعلَه أمرٌ مُحدَثٌ كأنْ يَتقرَّب بجِنسٍ لم تَرِدْ به الشريعةُ، مِثلُ: الدَّجاجِ، أو أنْ يُلازِم مَكانًا مُعيَّنًا لاعتقادِ البركةِ، كأنْ يَذبَح للهِ عندَ قَبرِ رجلٍ صالحٍ أو غيرِه، وهكذا.
المسألةُ الثانيةُ: الكُفرُ باللهِ ﷿.
الكُفرُ في اللُّغةِ: السَّترُ والتَّغطيةُ.
وفي الاصطلاحِ: الكُفرُ: عدمُ الإيمانِ.
والكُفرُ الأكبرُ هو: تَكذيبٌ، أو استِحلالٌ، أو استكبارٌ، أو إعراضٌ، أو شكٌّ في شيءٍ مِمَّا جاءَ به الشَّرعُ المطهَّرُ، فالكفرُ الأكبرُ يَكون بالاعتقادِ، ويَكون أيضًا بالقولِ، ويَكون كذلك بالفِعلِ، ولو لم يَكُنْ مع أيٍّ منهما اعتقادٌ.
وحُكمُه هو حُكمُ الشركِ الأكبرِ كمَا سَبَق بَيانُه.
وله أنواعٌ كثيرةٌ أهمُّها:
كُفرُ الإنكارِ والتكذيبِ، وهو أنْ يُنكِر المكلَّفُ شيئًا مِنْ أصولِ الدِّينِ، أو أَحكامِه أو أَخبارِه الثابتةِ ثُبوتًا قَطعيًّا.
[ ١١٧ ]
ومِن أمثلةِ هذا النوعِ مِنْ الكفرِ الأكبرِ:
أنْ يُنكِر شيئًا مِنْ أركانِ الإيمانِ أو غيرِها مِنْ أصولِ الدِّينِ، أو يُنكِر شيئًا مِمَّا أَخبَر اللهُ عنه في كتابِه، أو وَرَد في شأنِه أحاديثُ مُتَواترةٌ، وأَجمَع أهلُ العِلمِ عليه إجماعًا قَطعيًّا.
كأنْ يُنكِر أُلوهيَّةَ أو رُبوبيَّةَ اللهِ تعالى، أو يُنكِر اسمًا، أو صفةً للهِ تعالى مِمَّا أُجمَع عليه إجماعًا قَطعيَّا؛ كأنْ يُنكِر صفةَ العِلمِ.
أو يُنكِر وُجودَ أحدٍ مِنْ الملائكةِ المُجمَعِ عليه كجِبريلَ ومِيكائيلَ ﵉.
أو يُنكِر كتابًا مِنْ كُتبِ اللهِ المُجمَعِ عليها، كأنْ يُنكِر الزَّبُورَ أو التَّوراةَ أو القرآنَ.
أو يُنكِر نَبيًّا مِنْ الأنبياءِ المُجمَعِ عليهم، كأنْ يُنكِر رسالةَ نوحٍ، أو إبراهيمَ، أو هودٍ ﵈.
أو يُنكِر البَعثَ للأجسادِ والأرواحِ، أو يُنكِر الحسابَ أو الجنَّةَ أو النارَ، أو يُنكِر نَعيمَ القبرِ أو عذابَه.
أو يُنكِر أنَّ اللهَ سبحانَه قَدَّر جميعَ الأشياءِ قَبلَ حُدوثِها.
ومنه أنْ يُصحِّح أَديانَ الكُفَّارِ، كاليهودِ أو النَّصارَى أو غيرِهم، أو لا يُكفِّرَهم.
ومنه أنْ يَنسُب نَفسَه إلى غيرِ دِينِ الإسلامِ.
ومنه أنْ يُنكِر صُحبةَ أَبي بكرٍ، أو يَقولَ برِدَّةِ الصحابةِ أو أَكثرِهم، أو يَقولَ بفِسقِهم كلِّهم، أو يُنكِر وُجودَ الجِنِّ، أو يُنكِر إغراقَ قَومِ نوحٍ.
[ ١١٨ ]
ومنه أنْ يُنكِر تَحريمَ المحرَّماتِ الظاهرةَ المُجمَع على تَحريمِها، كالسَّرِقةِ، وشُربِ الخَمرِ، والزِّنَى والتبرُّجِ، والاختلاطِ بين الرجالِ والنِّساءِ، ونحوِ ذلك.
أو يَعتقدَ أنَّ أحدًا يَجوز له الخروجُ عن شريعةِ محمدٍ ﷺ فلا يَجِب عليه الالتزامُ بأَحكامِها فيَجوزُ له تَركُ الواجباتِ وفِعلُ المحرَّماتِ.
أو يَعتقدَ أنَّ أَحدًا يَجوز له أنْ يَحكُم أو يَتحاكمَ إلى غيرِ شَرعِ اللهِ تعالى.
ومنه أنْ يُنكِر حِلَّ المباحاتِ الظاهرةِ المُجمَعِ على حِلِّها، كأنْ يَجحَد حِلَّ أكلِ لُحومِ بَهيمةِ الأنعامِ، أو يُنكِر حِلَّ تَعدُّدِ الزوجاتِ، أو حِلَّ أَكلِ الخُبزِ، ونحوِ ذلك.
ومنه: أنْ يُنكِر وُجوبَ واجبٍ مِنْ الواجباتِ المُجمَعِ عليها إجماعًا قَطعيًّا، كأنْ يُنكِر وجوبَ رُكنٍ مِنْ أركانِ الإسلامِ، أو يُنكِر أصلَ وجوبِ الجهادِ، أو أصلَ وُجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ.
ومنه أنْ يُنكِر سُنِّيةَ سُنَّةٍ مِنْ السُّننِ، أو النوافلِ المُجمَعِ عليها إجماعًا قَطعيًّا، كأنْ يُنكِر السُّننَ الرواتبَ، أو يُنكِر استحبابَ صِيامِ التطوُّعِ، أو حجِّ التطوُّعِ أو صدقةِ التطوُّعِ ونحوِ ذلك.
النوعُ الثَّاني: كفرُ الشكِّ:
وهو أنْ يَتردَّد المسلمُ في إيمانِه بشيءٍ مِنْ أصولِ الدِّينِ المُجمَعِ عليها، أو لا يَجزِمَ في تَصديقِه في خبرٍ أو حُكمٍ ثابتٍ معلومٍ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ.
ومِن الأمثلةِ لهذا النوعِ:
أنْ يَشكَّ في صِحَّةِ القرآنِ، أو يشكَّ في ثُبوتِ عذابِ القبرِ، أو يَتردَّد في أنَّ جِبريلَ ﵇ مِنْ ملائكةِ اللهِ، أو يشكَّ في تحريمِ الخمرِ، أو يشكَّ
[ ١١٩ ]
في وجوبِ الزكاةِ، أو يشكَّ في كفرِ اليهودِ أو النَّصارَى، أو يشكَّ في سُنيَّةِ السُّننِ الراتبةِ، أو يشكَّ في أنَّ اللهَ تعالى أَهلَك فرعونَ بالغَرقِ، أو يشكَّ في أنَّ قارونَ كان مِنْ قومِ موسَى، وغيرِ ذلك مِنْ الأصولِ والأحكامِ والأخبارِ الثَّابتةِ المعلومةِ مِنْ الدَّينِ بالضَّرورةِ، والَّتي سَبَق ذِكرُ أمثلةٍ كثيرةٍ لها في النوعِ الأولِ.
النوع الثالثُ: كفرُ الامتناعِ والاستكبارِ:
وهو أنْ يُصدِّق بأصولِ الإسلامِ وأحكامِه بقلبِه ولسانِه، ولكنْ يَرفُض الانقيادَ بجَوارِحِه لحُكمٍ مِنْ أحكامِه استكبارًا وترفُّعًا.
ومِن أمثلةِ هذا الكفرِ:
أنْ يَرفُض شخصٌ أنْ يصلَّيَ صلاةَ الجماعةِ ويترفَّعَ عنها لأنَّها تُسوِّي بينَه وبينَ الآخَرِينَ.
ومِن أَمثِلتِه أيضًا: أنْ يَمتنعَ شخصٌ عن لُبسِ لِباسِ الإحرامِ؛ لأنه في زَعمِه لِباسُ الفقراءِ ولا يليقُ به، ونحوِ ذلك.
النوعُ الرابعُ: كفرُ السَّبِّ والاستهزاءِ:
وهو أنْ يَستهزئَ المسلمُ، أو يَسُبَّ شيئًا مِنْ دينِ الله تعالى مِمَّا هو معلومٌ مِنْ الدِّينِ بالضَّرورةِ، أو مِمَّا يَعلَم هو أنه مِنْ دِينِ اللهِ تعالى، وذلك بأنْ يَستهزئَ بالقولِ أو الفعلِ باللهِ تعالى، أو باسمٍ مِنْ أسمائِه، أو صِفَةٍ مِنْ صفاتِه، أو يَصِفَ اللهَ تعالى بصِفَةِ نَقصٍ، أو يَسُبَّ اللهَ تعالى، أو يَسُبَّ دِينَ اللهِ تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ *﴾ [التّوبَة: ٦٥ - ٦٦].
[ ١٢٠ ]
مسألة: سابُّ النبيِّ ﷺ يَكفُر بالاتِّفاقِ، وأيضًا الاتِّفاقُ مُنعقِدٌ على كفرِ مَنْ لم يُكفِّرْه.
النوعُ الخامسُ: كفرُ البُغضِ:
وهو أنْ يَكرَه دِينَ الإسلامِ، فقد أَجمَع أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أَبغَض دِينَ اللهِ تعالى كَفَر؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *﴾ [محَمَّد: ٩].
ولأنه حينئذٍ يَكون غيرَ معظِّمٍ لهذا الدِّينِ، بل إنَّ في قلبِه عداوةً له، وهذا كلُّه كفرٌ.
النوعُ السادسُ: كفرُ الإعراضِ:
والإعراضُ عن دِينِ اللهِ تعالى قِسمان:
الأولُ: الإعراضُ المكفِّرُ:
وهو أنْ يَتركَ المرءُ دِينَ اللهِ ويَتولَّى عنه بقلبِه، ولسانِه، وجَوارِحِه، أو أنْ يَترُكَه بجَوارِحِه مع تَصديقِه بقلبِه ونُطقِه بالشَّهادتَين.
وهذا القِسمُ له ثلاثُ صُوَرٍ:
الأُولَى: الإعراضُ عن الاستماعِ لأوامرِ اللهِ ﷿، كحالِ الكفارِ الذين هُمْ باقُونَ على أديانِهم المحرَّفةِ، أو الذين لا دِينَ لهُم، ولم يَبحثُوا عن الدِّينِ مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم.
الثانيةُ: الإعراضُ عن الانقيادِ لدِينِ اللهِ الحقِّ، وعن أوامرِ اللهِ تعالى بعد استماعِها ومعرفتِها، وذلك بعَدمِ قَبولِها، فيتركُ ما هو شَرطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ، وهذا كحالِ الكفارِ الذين دَعاهُم الأنبياءُ وغيرُهم مِنْ الدُّعاةِ إلى
[ ١٢١ ]
الدِّينِ الحقِّ أو عَرفوا الحقَّ بأنفُسهِم، فلَم يُسلِموا وبَقُوا على كُفرِهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣].
الثالثةُ: الإعراضُ عن العملِ بجَميعِ أحكامِ الإسلامِ وفَرائِضِه بعدَ إقرارِه بقَلبِه بأركانِ الإيمانِ، ونُطقِه بالشَّهادتَين، فمَن تَرَك جِنسَ العملِ بأحكامِ الإسلامِ فلَم يَفعل شيئًا مِنْ الواجباتِ لا صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا زكاةٌ، ولا حجٌّ، ولا غيرُها فهو كافرٌ كفرًا أكبرَ بإجماعِ السَّلفِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ *﴾ [آل عِمرَان: ٣٢].
القِسمُ الثَّاني: الإعراضُ غيرُ المكفِّرِ:
وهو أنْ يَترك المسلمُ بعضَ الواجباتِ الشرعيَّةَ غيرَ الصلاةِ، ويُؤدِّي بعضَها؛ كأنْ يَترك إخراجَ الزكاةِ، أو صومَ رمضانَ، ونحوِ ذلك.
النوعُ السابعُ: كفرُ النِّفاقِ:
النِّفاقُ لُغةً: إخفاءُ الشيءِ وإغماضُه.
واصطلاحًا: هو أنْ يُظهِر الإيمانَ ويُبطِن الكُفرَ.
والنفاقُ يَنقسم إلى قِسمَين:
القِسمُ الأولُ: النفاقُ الأكبرُ الاعتقاديُّ:
أنْ يُظهِر الإنسانُ الإيمانَ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، ويُبطِنَ ما يُناقِضُ ذلك كلَّه أو بعضَه، وذلك بأنْ يَكون في الظاهرِ أمامَ الناسِ يَدِّعِي الإسلامَ ويُظهِرُ لهُم أنه مسلمٌ، وربَّما يَعمل أمامَهم بعضَ العباداتِ كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ وغيرِها، ولكنَّ قَلبَه -والعياذُ بالله- لا يُؤمِن بتَفرُّدِ اللهِ تعالى بالأُلوهيَّةِ، أو الرُّبوبيَّةِ، أو لا يُؤمِن برسالةِ النبيِّ ﷺ، أو يُبغِضه أو لا يُؤمِن بكُتبِ اللهِ المُنزلةِ، أو لا يُؤمِن بعذابِ القبرِ، أو أنْ لا
[ ١٢٢ ]
يُؤمِنَ بالبعثِ، أو يَعتقدَ أنَّ دِينَ النَّصارَى، أو دِينَ اليهودِ صحيحٌ.
أمَّا حُكمُ المنافقِ فهُو الكفرُ؛ لأنَّ المنافِقينَ أسوأُ حالًا مِنْ سائرِ الكفارِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا *﴾ [النِّسَاء: ١٤٥].
النوعُ الثَّاني: النفاقُ الأصغرُ:
وهو أنْ يُظهِرَ الإنسانُ أمرًا مشروعًا، ويُبطِنَ أمرًا محرَّمًا يُخالفُ ما أَظهَره، ويُسمِّيه بعضُ أهلِ العلمِ: النفاقَ العمليَّ.
ومِن صُوَرِه:
أنْ يَكذِب في حَديثِه متعمِّدًا، أو أنْ يُبغِضَ الأنصارَ، أو يُبغِضَ الخليفةَ الراشدَ عليًّا ﵁.
تَعريفُ الكفرِ الأصغرِ: كلُّ ما أَطلَق عليه الكتابُ والسنَّةُ كفرًا، ولم يَصِل إلى حَدِّ الكفرِ الأكبرِ.
وهذا النوعُ مِنْ الكفرِ يَجتمع مع أصلِ الإيمانِ، فيقال مسلمٌ وعندَه كفرٌ أصغرُ، وحُكمُه كحُكمِ الشِّركِ الأصغرِ.
وله صُورٌ كثيرةٌ منها:
قتالُ المسلمِ لأِخِيه المسلمِ، ففِي الصَّحيحَين مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا: (سبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ).
ومنه الطَّعنُ في أنسابِ الآخَرِين، والنِّياحةً على الميِّتِ، والاستسقاءُ بالنجومِ، كمَا جاءَ في صحيحِ مسلمٍ عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ،
[ ١٢٣ ]
وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ».
المسألة الثَّالثةُ: نَفيُ صِفَةٍ مِنْ الصفاتِ الثابتةِ بالكتابِ والسُّنةِ:
جحد الصفات ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جحد تأويل وهو أن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، فإن كان له مساغ في اللغة فليس كفرًا؛ لأن التأويل من موانع التكفير إلا إذا تضمن التأويل نقصا لله ﷿ فإنه يكفر، لأن النقص سب لله ﷿، وإن لم يكن له مساغ في اللغة فهو كفر. فمثلًا اليد: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المَائدة: ٦٤]، قال: المقصود باليد هنا النعمة، هذا له مساغ في اللغة، لكن لو قال: إن المقصود باليد: السماء، ليس له مساغ في اللغة، هذا هو جحد التأويل فيكون تكذيبا.
القسم الثاني: جحد إنكار، وهذا كفر؛ كمن أنكر اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة بالكتاب والسنة كأن يقول ليس لله يد أو لم يستو على عرشه فهو كفر بالإجماع؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر.
ولا يَخلُو مِنْ أحدِ ثلاثِ أحوالٍ:
أحدُها: أنْ يَكونَ النَّافِي عالمًا بالنصِّ الذي ثَبتَت به الصفةُ المنفيَّةُ كتابًا كان أو سنَّةً، ولا تُوجَد لديه شُبهاتٌ قد تًغيِّر مفهومَه للنصِّ، وإنَّما نَفَى لعِنادِه وفسادِ قَصدِه ومَرضِ قلبِه ومُشاقَّتِه للرسولِ مِنْ بعدِ ما تبيَّنَ له الحقُّ، فهذا كافرٌ؛ لتَكذيبِه كلامَ اللهِ أو كلامَ رسولِه ﷺ.
الثَّاني: أنْ يَكون النَّافِي مُجتهدًا في طلبِ الحقِّ معروفًا بالنَّصيحةِ والصِّدقِ، ولكنَّه أخطأَ وتأوَّلَ لجهلِه بالنصِّ، أو لعدمِ عِلمِه بالمفهومِ
[ ١٢٤ ]
الصَّحيحِ، فحُكمُه أنه مَعذورٌ، وخطؤُه مغفورٌ؛ لأنَّ نَفيَه ناتجٌ عن تأويلٍ لا عن عنادٍ وفسادِ قَصدٍ.
الثَّالثُ: أنْ يَكون النَّافِي متبِّعًا لهواهُ، مقصِّرًا في طلبِ الحقِّ، متكلِّمًا بلا علمٍ، لكنَّه لا يَقصِد مُشاقَّةَ الرسولِ، ولم يَتبيَّن له الحقُّ تمامًا، فحُكمُه أنه عاصٍ مُذنِبٌ، وقد يَكون فاسقًا.
المسألة الرابعةُ: الولاءُ الكفريُّ للكفارِ:
الولاءُ منه ما هو كفرٌ، ومنه ما ليس كفرًا كمَا سَبَق، والذي يَظهَر في ضابطِ الولاءِ الكفريِّ هو: محبَّةُ الكفارِ لأجلِ دِينِهم، أو نُصرتُهم على المسلِمينَ بالقتالِ معهم، أو بإعانَتِهم بالمالِ والسِّلاحِ، أو بالتجسُّسِ لهُم على المسلِمينَ محبَّةً لهُم ورَغبةً في ظُهورِهم على المسلِمينَ، فهذه الإعانةُ كفرٌ مُخرِجٌ من المِلَّةِ، وقد حكَى غيرُ واحدٍ مِنْ أهلِ العلمِ إجماعَ العلماءِ على ذلك.
وإنْ كان الحاملُ له على ذلك مَصلحةٌ شخصيَّةٌ، أو خوفٌ، أو عداوةٌ دُنيويَّةٌ بينَه وبينَ مَنْ يُقاتِلُه مِنْ الكفارِ على المسلِمينَ، فهذه الإعانةُ محرَّمةٌ وكبيرةٌ مِنْ كبائرِ الذُّنوبِ، ولكنَّها لَيسَت مِنْ الكفرِ المُخرِجِ مِنْ المِلَّةِ.
ودليلُ ذلك: ما حكَاه الإمامُ الطَّحاويُّ مِنْ إجماعِ أهلِ العلمِ على أنَّ الجاسوسَ المسلمَ لا يَجوز قَتلُه، ومُقتضَى ما حكَاه الطَّحاويُّ أنه غيرُ مُرتدٍّ، ويدلُّ لهذا ما رَواه أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ والنَّسائيُّ مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁ في قصَّةِ حاطبِ بنِ أِبي بَلْتَعَةَ إذْ أَرسَل الرسالةَ إلى قريشٍ يُخبِرهم بقُدومِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «يا حَاطِبُ ما هَذا؟» قال: لا تَعجَلْ عليَّ يا رسولَ اللهِ، إنِّي كنتُ امرأً مُلصَقًا في قريشٍ ولم أَكُنْ
[ ١٢٥ ]
مِنْ أَنفُسِها، وكان مَنْ معَك مِنْ المهاجِرينَ لهُم قَراباتٌ يَحمُون بها أَهلِيهم وأَموالَهم بمكَّةَ، فأَحبَبتُ إذْ فاتَني ذلك مِنْ نَسبٍ فيهم أنْ أَتَّخِذ فيهم يَدًا يَحمُون بها قَرابَتي، وما فَعلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن دِيني ولا رِضًا بالكفرِ بعدَ الإسلامِ، فقال النبيُّ ﷺ: «صَدَقَكُم». فكلامُ حاطبٍ مع إقرارِ رسولِ اللهِ ﷺ صريحٌ في أنَّ مُجرَّدَ فِعلِ حاطبٍ ليس كفرًا؛ لذا قال لم أَفعَلْه كفرًا ولا رِدَّةً عن الدِّينِ.
فرعٌ: الرِّضَا بكفرِ الكافرينَ، أو عدمُ تَكفيرِهم، أو الشكُّ في كُفرِهم أو تَصحيحُ أيِّ مَذهبٍ مِنْ مَذاهِبِهم الكافرةِ، فهذا كفرٌ، ومِن ذلك الدعوةُ إلى وَحدَةِ الأديانِ، أو التَّقريبِ بين الأديانِ، أو ما يُسمَّى بالمِلَّةِ الإبراهيميَّةِ؛ إذْ مِنْ اعتقدَ أنَّ دِينًا غيرَ دِينِ الإسلامِ صحيحٌ، فإنه كافرٌ، لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ *﴾ [آل عِمرَان: ٨٥]، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عِمرَان: ١٩].
المسألة الخامسةُ: الحُكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ ﷿.
الحُكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ ﷿ يَنقسِم إلى أقسامٍ:
١) أنْ يَجحَد الحاكمُ حُكمَ اللهِ ﷾، ومعنَى الجُحودِ: أنْ يَكذِب ويُنكِر أنَّ هذا حُكمُ اللهِ ﷿، وهذا كفرٌ بالاتِّفاقِ، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمل: ١٤].
٢) أنْ يُجوِّز الحاكمُ الحُكمَ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ، فهذا هو الاسْتِحلالُ وهو كُفرٌ بالاتِّفاقِ، ومِمَّا يدلُّ على أنَّ الاسْتِحلالَ كفرٌ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
[ ١٢٦ ]
الْكَافِرِينَ *﴾ [التّوبَة: ٣٧].
٣) أنْ يُسوِّي الحاكمُ حُكمَ غيرِ ما أَنزَل اللهُ بحُكمِ اللهِ ﷻ، وهذا كفرٌ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ، قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ *﴾ [النّحل: ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: ١١].
٤) أنْ يُفضِّل حُكمَ غيرِ اللهِ على حُكمِ اللهِ سبحانَه، وهذا كفرٌ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ مِنْ باب أَولَى، فهو تَكذيبٌ لكتابِ اللهِ، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ *﴾ [المَائدة: ٥٠].
٥) إذا حَكَم الحاكمُ بغيرِ ما أَنزَل اللهُ هَوًى وشَهوَةً فإنْ كان ذلك في أَفرادِ المسائِلِ فهذا فِسقٌ، وإنْ كان ذلك في عُمومِ المسائِلِ بأنْ يَضَع قَوانينَ مِنْ نَفسِه، أو يَتبَنَّى قَوانينَ وُضِعَت قَبلَه مع اعترافِه بالعِصيانِ ومُخالَفةِ أمرِ الرحمنِ؛ فهَل مِثلُ هذا الحاكمِ يكونُ كافرًا مُرتدًّا عن الدِّينِ؟ وهو مَوضعُ خلافٍ بين أَهلِ العلمِ.
المسألة السَّادسةُ: السِّحرُ:
السِّحرُ في اللُّغةِ: ما خَفِي ولَطُفَ سَبَبُه.
وفي الاصطلاحِ يَشمَل أَمرَين:
الأولُ: عُقَدٌ ورُقَى، أيْ: قِراآتٌ ورُقَى وطَلَاسِمُ يَتوصَّلُ بها السَّاحرُ إلى استِخدامِ الشَّياطينِ فيما يُريدُ به مِنْ ضَررِ المسحورِ.
الثَّاني: أدويةٌ وعَقاقيرُ تُؤثِّر في بَدنِ المسحورِ وعَقلِه وإرادَتِه، فتَجِدُه يَنصرِفُ ويَميلُ، وهو ما يُسمَّى بالصَّرفِ والعَطفِ.
[ ١٢٧ ]
كفرُ السَّاحرِ:
يُقال للساحرِ: صِف لنا سِحرَك؟ فإنْ وَصَف ما يُوجِب الكفرَ؛ كَفَر، وإلاّ فلا، لِما وَرَد عن عائشةَ ﵂: " أنَّها لم تَقتُلْ جاريةً لها سَحَرَتها ". رَواه عبدُ الرزاق، والبَيهقيُّ، وابنُ حزمٍ بسندٍ صحيحٍ، فعَدمُ قَتلِها يدلُّ على عدمِ كفرِها، ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلامِ.
وعلى هذا فالسِّحرُ يَنقسِم إلى قِسمَين:
الأولُ: ما هو كفرٌ: وهو ما كان بواسطةِ الشَّياطينِ، لأنَّ الساحرَ يَتقرَّب للشَّياطينِ بما يُريدون مِنْ الكفرِ غالبًا. والدليلُ قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]، فهذا يدلُّ على أنَّ الساحرَ يَكفُر.
الثَّاني: ما هو مِنْ كَبائرِ الذُّنوبِ: وهو ما كان بواسطةِ العَقاقيرِ والأَدويةِ.
قتلُ الساحرِ:
عند مالكٍ وأحمدَ: أنه يُقتَل وهو الراجح، سواءٌ قُلنا إنَّ سِحرَه كفرٌ أو إنه مِنْ كَبائرِ الذُّنوبِ، لما ورَد عن جُندُبٍ ﵁ عند الترمذيِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَدُّ السَّاحرِ ضَرْبُه بالسَّيفِ». أخرجَه الترمذيُّ، لكنَّه ضعيفٌ، وكذلك حديثُ بَجَالَةَ قال: "أَتانَا كتابُ عُمرَ قَبلَ مَوتِه بِسَنَةٍ أنْ اقْتُلُوا كلَّ ساحرٍ، فقَتَلْنَا ثَلاثَ سَوَاحِرٍ". رَواه البخاريُّ، لكنَّ لَفظةَ: "أنْ اقْتُلُوا كلَّ ساحرٍ" في مُسنَدِ الإمامِ أحمدَ ولَيسَت في البخاريِّ.
ووَرَد عن حَفْصةَ ﵂ أنَّها قَتلَت جاريةً لها سَحرَتها. أخرجَه مالكٌ في الُموطَّأِ.
[ ١٢٨ ]
حَلُّ السِّحرِ:
حلُّ السِّحرِ عن المسحورِ قَسَّمه العلماءُ إلى قِسمَين:
الأولُ: أنْ يَكون ذلك بالقرآنِ والأدعيةِ والقِراءاتِ المباحةِ، فهذا جائزٌ ولا بأسَ به؛ لعُموماتِ الأدلَّةِ الدالَّةِ على الرُّقْيةِ، كقوله ﷺ: «لا بَأسَ بالرُّقَى ما لم تَكُنْ شِرْكًا». رَواه مسلمٌ.
وقولِه ﷺ: «لا رُقْيَةَ إلاّ مِنْ عَينٍ أو حُمَةٍ». أخرجَه أبو داودَ.
وقولِه ﷺ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ اللَّيلَةَ سُورَتانِ لم يُتعوَّذْ بِمِثلِهِما: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ». أخرجَه النَّسائيُّ.
وكالمأثُورِ عنه ﷺ في رُقْيةِ المريضِ: «رَبَّنا الَّذي في السَّماءِ تَقدَّسَ اسْمُكَ …». أخرجَه أبو داودَ.
الثَّاني: حلُّ السِّحرِ عن المسحورِ بسِحرٍ مِثلِه، لا يَجوزُ مُطلقًا؛ للعُموماتِ: مِثلِ حديثِ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فصَدَّقَه بِما يَقولُ لم تُقبَلْ صَلاتُه أَربعينَ ليلةً».
وكذلك: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أو كاهِنًا فصَدَّقَه بِما يَقولُ فقَد كَفَر بِما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ».
ولحديثِ جابرٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيطانِ». رَواه أحمدُ وغيرُه، واختُلِف في وَقفِه ورَفعِه، ووَرَد عن ابنِ مسعودٍ ﵁ مَوقوفًا نحوُه. رَواه الطبرانيُّ في المُعجَمِ الكبيرِ، والبَيهقيُّ.
وكذلك استدلُّوا بالعُموماتِ الدالَّةِ على النَّهيِ عن التَّداوِي بالمحرَّماتِ.
[ ١٢٩ ]
إتيانُ السَّحَرةِ على أقسامٍ:
١ - الإتيانُ مع التَّصديقِ لهُم في أمرٍ غَيبِيٍّ مُطلَقٍ، أو في أَمرٍ غَيبِيٍّ غيرِ مُطلَقٍ، كالعلمِ بمكانِ السِّحرِ والضالَّةِ ونحوِ ذلك، لكنْ بدونِ اعتقادِ أنَّ الشياطينَ تُخبِرُهم، فهذا كفرٌ أكبرُ مُخرِجٌ مِنْ المِلَّةِ؛ لأنَّ عِلمَ الغَيبِ خاصٌّ بالله، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعَام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النَّمل: ٦٥]. وقال المنَاوِي: "إنَّ مُصدِّقَ الكاهِنِ إنْ اعتَقدَ أنه يَعلم الغَيبَ كَفَر، وإنْ اعتَقدَ أنَّ الجِنَّ تُلقِي إليه ما سَمِعَته مِنْ الملائكةِ وأنه بإلهامٍ فصَدَّقَه مِنْ هذه الجِهَةِ لا يَكفرُ".
٢ - الإتيانُ مع التَّصديقِ لهُم في أمرٍ غَيبيٍّ نِسبيٍّ، كمَكانِ السِّحرِ والضالَّةِ، ونحوِ ذلك، مع اعتقادِ أنَّ الشياطينَ تُخبِرُهم، فهذا له عُقوبَتان:
أ) لم تُقبَلْ له صلاةٌ أربعينَ يومًا.
ب) كَفَر بمَا أُنزِل على محمدٍ ﷺ: الكفرَ الأصغرَ.
٣ - الإتيانُ المجرَّدُ بدونِ تَصديقٍ، فهذا محرَّمٌ مِنْ بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، والدليلُ على ذلك ما رَواه الإمام مسلمٌ عن مُعاويةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قال: قلتُ: "يا رسولَ اللهِ: إنَّ مِنَّا رجالًا يأتونَ الكُهَّانَ. قال: رسولُ الله ﷺ: «فَلَا تَأْتِهِم».
٤ - الإتيانُ إليهم مِنْ أَجلِ سُؤالهِم امتحانًا لهُم، واختبارًا لِباطنِ أَمرِهم، وعندَه ما يُميِّز به صِدقَه مِنْ كَذِبِه، فهذا جائزٌ كمَا ثَبَت في الصَّحيحينِ أنَّ النبيَّ ﷺ: سأَلَ ابنَ صَيَّادٍ فقال: «ما يَأتيكَ؟» فقال: يَأتِيني صادقٌ وكاذبٌ، قال: «مَا تَرَى؟» قال: أَرَى عَرشًا على الماءِ، قال: «فإِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لكَ خَبْأً»،
[ ١٣٠ ]
قال: الدُّخُّ الدُّخُّ قال ﷺ: «اخْسَأْ فلَن تَعدُوَ قَدْرَكَ، فإِنَّما أَنْتَ مِنْ إخوانِ الكُهَّانِ».
مسألة: المُنَجِّمُ، وهو: مَنْ يَنظُر في النُّجومِ يَستدلُّ بها على الَحوادِثِ.
والعرَّافُ وهو: الذي يَحدِس ويَخرُص، وضاربُ بحَصًى، ونحوِه.
فإنْ ادَّعَى أنه يَعلم به الأمورَ المُغيَّبةَ فكُفرٌ أكبرُ، وإلاّ فكُفرٌ أصغرُ؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجنّ: ٢٦ - ٢٧].
قواعدُ مُهمَّةٌ في مَعرفةِ أنواعِ الكفرِ:
١ - الكُفرُ اصطلاحٌ وحُكمٌ شرعيٌّ مَحْضٌ مَردُّه إلى اللهِ في كتابِه، وإلى رسولِه ﷺ في سُنَّتِه الصَّحيحةِ الثابتةِ عنه، وليس مَبْنَاه على الهَوَى والتَّشهِّي وسوءِ الظَّنِّ أو فاسدِ الفهمِ.
٢ - أنَّ الكفرَ كالإيمانِ له شُعَبٌ كثيرةٌ، فكمَا صحَّ في الصَّحيحَين مِنْ حديثِ أِبي هريرةَ ﵁ يَرفعُه إلى النبيِّ ﷺ أنه قال: «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعونَ شُعْبةً، أَعْلاها قَولُ لا إلهَ إلاّ اللهُ، وأَدْناها إمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّريقِ، والحيَاءُ شُعبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ».
٣ - أنه هناك علاقةٌ بين الكفرِ الأكبرِ والشِّركِ الأكبرِ، وهي علاقةُ عُمومٍ وخُصوصٍ، فكلُّ شِركٍ كُفرٌ، وليس كلُّ كُفرٍ شِركًا، وتقدَّم.
٤ - أنَّ الكفرَ وَرَد في مَوَارِدِه المُعتبَرَةِ في نُصوصِ الوَحيَين الشَّريفَين: كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِه ﷺ يَرِدُ على صُورتَين:
أ- مُعرَّفًا بالألِفِ واللامِ، فالمرادُ به الكفرُ المعهودُ أو المستَغرِقُ في الكفرِ، وهو المُخرِجُ مِنْ المِلَّةِ.
[ ١٣١ ]
ب- ويأتي مُنكَّرًا غيرَ مُعرَّفٍ لا بالألِفِ واللامِ، ولا بالإضافةِ والتَّخصيصِ، فلا يُعَدُّ بالصورةِ الثانيةِ كُفرًا أكبرَ؛ بل الأصلُ فيه أنه كُفرٌ أصغرُ لا يُخرِجُ مِنْ المِلَّةِ.
٥ - أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ يُعظِّمون لفظَ التكفيرِ جدًّا، ويَجعلونَه حقًّا للهِ ولرسولِه ﷺ فقَطْ، فلا يَجوزُ ولا يَسوغُ عندهم تَكفيُر أَحدٍ إلاّ مَنْ كفَّرَه اللهُ أو كفَّرهُ رسولُه.
ولِذَا يَقول الطَّحاويُّ في عَقيدتِه المشهورةِ المُتداوَلَةِ: "ولا نُكفِّرُ أَحدًا مِنْ أهلِ القِبلةِ بذَنبٍ ما لم يَستَحِلَّه، ولا نَقول لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لِمَنْ عَمِلَه".
٦ - أنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ يُفرِّقون بين الكفرِ المُطلَقِ والكفرِ المُعيَّنِ، ولهُم شروطٌ وضوابطُ وتَورُّعٌ ودِيانةٌ في إيقاعِه على المُعيَّنِين، فإنَّهم يَرَون كُفرَ المُعيَّنِ يَقَع عليه بنَفسِه، وأهمُّ هذه الشُّروطِ في إيقاعِ الكفرِ الأكبرِ عليه: بُلوغُ الحُجَّةِ عليه، واندفاعُ الشُّبهةِ عنه، ومِمَّن اعتَنَى بهذه المسألةِ تَفصيلًا أئمةُ الدَّعوةِ النَّجديَّةِ مِنْ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ، فأبنائِه وتَلامِيذِهم، فإنَّهم أَجْلَوها وحقَّقُوها تحقيقًا لا تكادُ تَجِده عند غَيرِهم، ويَضيقُ المَقامُ -في الواقع- عن تَتبُّع كَلامِهم وجَمعِه هنا، فالحمدُ لله.
جماهيرُ السَّلفِ على عَدمِ تَكفيرِ أعيانِ طَوائفِ الأُمَّةِ الثلاثِ والسَّبعين فِرقةً حتَّى تُقام عليهم الحُجَّةُ، وإنْ كان في اعتِقاداتِهم وأقوالِهِم ما هو كفرٌ بالاتِّفاقِ، فالإمامُ أحمدُ لم يُكفِّر أعيانَ المُعتَزِلةِ.
وههُنا أمرٌ مهمٌّ لا بُدَّ مِنْ التَّفطُّنِ له، وهو أنَّ ثَمَّةَ فَرْقًا بين مَراحلَ ثلاثٍ في الكفرِ المُخرِجِ عن المِلَّةِ والمُوجِبِ للرِّدَّةِ، وهي:
[ ١٣٢ ]
أ- تَعيينُ أنَّ هذا الجُرمَ مِنْ الكفرِ الأكبرِ بالدَّلائلِ الشرعيَّةِ.
ب- ثُم مَرحلةُ تَكفيرِ المُعيَّنِ المُواقِعِ لهذا الجُرمِ؛ باجتماعِ الشُّروطِ فيه وانتفاءِ المَوانعِ عنه، وهو مُنَاطٌ بالقُضاةِ الشَّرعِيِّين أَصالةً.
ج- ثُم مَرحلةٌ ثالثةٌ بعَدمِ القَطعِ له بعدَ الموتِ بالخُلودِ في النارِ، مع إجراءِ أحكامِ الكفرِ عليه في أحكامِ الدُّنيا، واللهُ أعلمُ.
التَّفريقُ بين التَّكفيرِ المُطلَقِ وتَكفيرِ المُعيَّن:
مِنْ أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: التفريقُ بينَ التكفيرِ المُطلَقِ وتَكفيرِ المُعيَّنِ؛ لأنَّ مِنْ المُمكِن أنْ يَقولَ المسلمُ قَولًا أو يَفعلَ فِعلًا قد دلَّ الكتابُ والسُّنةُ وإجماعُ الأُمَّةِ على أنه كُفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلامِ، ولكنْ لا تَلازُمَ عندهم بينَ القولِ بأنَّ هذا كفرٌ، وبين تكفيرِ الشَّخصِ بعَينِه؛ فليسَ كلُّ مَنْ فَعَل مُكفِّرًا يُحكَم بكُفرِه؛ لأنَّ هناكَ شُروطًا ومَوانعَ يَجِب مُراعاتُها واعتبارُها، فأهلُ السُّنةِ يَقولون: مَنْ قال هذا فهو كافرٌ، ومَن فَعَل كذا فهو كافرٌ، وعندما يَتعلَّق الأمرُ بالشَّخصِ المُعيَّنِ الذي قالَه أو فَعلَه، لا يَحكمون بكفرِه حتَّى تَجتمِعَ فيه الشُّروطُ وتَنتفِيَ عنه المَوانعُ، فعِندئذٍ تَقوم عليه الحُجَّةُ الَّتي يَكفُر تاركُها.
وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ يَتميَّزون بها عن غيِرهم؛ لأنَّ التكفيرَ ليس حقًّا لأَحدٍ، يَحكُم به على مَنْ يشاءُ على وَفقِ هواهُ؛ بل التكفيرُ حُكمٌ شرعيٌّ يَجِب الرُّجوعُ في ذلك إلى ضوابطِ الشَّرعِ؛ فمَن كفَّرَه اللهُ تعالى أو رسولُه ﷺ وقامَت عليه الحُجَّةُ؛ فهو الكافرُ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمهُ اللهُ تعالى: "إنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِهِ، وَيُقَالُ: مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ الَّذِي قَالَهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا،
[ ١٣٣ ]
وَهَذَا كَمَا فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ، فَإِنَّ اللهَ ﷾ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *﴾ [النِّسَاء: ١٠] فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ حَقٌّ لَكِنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ لَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْوَعِيدِ، فَلَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّنِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِالنَّارِ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ الْوَعِيدُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ ثُبُوتِ مَانِعٍ".
وقال أيضًا: "وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلاَّ بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".
موانعُ التَّكفيرِ:
التكفيرُ عند أهلِ السُّنةِ والجماعةِ له مَوانعُ تَمنع مِنْ تَنزيلِ الحُكمِ على الشَّخصِ بعَينِه إلاّ بعدَ تَوفُّرِ الشُّروطِ، وانتِفاءِ المَوانعِ الَّتي تَمنع تَكفيرَ المُعيَّنِ، ومِن هذه المَوانعِ وأَهمِّها:
• الجَهلُ: مِنْ شرطِ الإيمانِ عندَ أهلِ السُّنةِ، وُجودُ العِلمِ والمعرفةِ عندَ الشَّخصِ المؤمِنِ به؛ لِذَا فمَن أَنكَر أمرًا مِنْ أمورِ الشَّرعِ جاهلًا به، ولم يَبلُغْه ما يُوجِب العلمَ بِما جَهِلَه؛ فإنه لا يُكفَّر؛ حتَّى لو وَقَع في مَظهَرٍ مِنْ مَظاهِرِ الشَّركِ أو الكفرِ، فمِثلُ هذا لا يَستحِقُّ العُقوبةَ حتَّى تُقام عليه الحُجَّةُ.
• الخَطأُ: الخطأُ مِنْ مَوانعِ التَّكفيرِ في المسائلِ العلميَّةِ والعمليَّةِ إذا كان اجتهادًا لِطلَبِ الحقِّ ومُتابعةِ النبيِّ ﷺ، وغيرَ مقصودٍ لِمُخالَفةِ الشرعِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥].
• الإِكْراهُ: الإكراهُ على الكفرِ بضوابِطهِ الشرعيَّةِ يُعتبَر مِنْ مَوانعِ التكفيرِ
[ ١٣٤ ]
في حقِّ المُعيَّنِ.
وذلك بالضَّربِ والقَتلِ والتَّعذيبِ، أو قَطعِ عُضوٍ مِنْ أَعضائِه، بالفِعلِ لا بُمجرَّدِ التهديدِ اللَّفظيِّ، ويَغلِب على ظَنِّه أنه إذا امتَنَع أُوقِع به ذلك فَورًا لا مُحالًا، فيُباح إظهارُ ما يُخالِف الدِّينَ ولا يَأثمُ إنْ نَطَق بالكفرِ أو فَعَل؛ لانتفاءِ الرِّضا والإرادةِ، لقولِه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النّحل: ١٠٦].
[ ١٣٥ ]