١ - البُلوغُ، فلا يَصِحُّ إقرارِ الصَّبيِّ، إلاّ إنْ أُذِن له بالبَيعِ والشِّراءِ ونحوِه فيَصِحُّ إقرارُه في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه، وكذا إقرارُه بالجنِايةِ؛ لِما تقدَّم مِنْ صِحَّةِ شَهادَتِهم في الجِنايةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ في حديثِ عليٍّ ﵁: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثَةٍ: عن النَّائمِ حتَّى يَستَيْقِظَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ، وعن المَجنُونِ حتَّى يَعْقِلَ». رَواه البخاريُّ موقوفًا معلَّقًا بصِيغةِ الجَزمِ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ.
[ ١٦٩ ]
٢ - أنْ يَكون المُقِرُّ عاقلًا، فلا يَصِحُّ إقرارُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ، والمجنونِ، والمَعتُوهِ، والنائمِ بالاتِّفاقِ، والسَّكرانِ على الصَّحيحِ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣] والسَّكرانُ لا يَعلم ما يقول؛ لِما جاءَ في حديثِ بُرَيدةَ ﵁ في قِصَّةِ ماعزٍ لَمَّا أَقرَّ بالزِّنَى، فقال النبيُّ ﷺ له: «أَشَرِبْتَ خَمْرًا؟» قال: لا، فقامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فلَم يَجِدْ فيهِ رِيحَ خَمْرٍ". رَواه مسلمٌ.
٣ - الاختيارُ، ويَأتي حُكمُ إقرارِ المُكرَه.
لقولِه تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦].
مسألة: ذَهَب الحسنُ بنُ زِيادٍ، وأَشهَبُ مِنْ المالكيَّةِ، وابنُ تَيمِيَّةَ، وابنُ القيِّمِ: إلى صِحَّةِ إقرارِ المُتَّهَمِ، إذا صَدَر بعدَ الإكراهِ بشَرطِ وُجودِ القَرينةِ على صِحَّةِ إقرارِه؛ لِما رَوَى ابنُ عمرَ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قاتَلَ أهلَ خَيبَر … فصَالَحُوه على أنْ يُجلَوا منها ولهُم ما حَمَلَت رِكابُهم ولرسولِ اللهِ ﷺ الصَّفراءُ والبَيضاءُ فغَيَّبُوا مَسْكًا فيه مالٌ وحُليًّا لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ: «ما فَعَل مَسْكُ حُيَيٍّ؟»، فقال أَذْهَبَتْه النَّفقاتُ والحُروبُ، فقال: «العَهدُ قَريبٌ والمالُ أَكثرُ مِنْ ذلكَ»، فدَفَعَه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الزُّبَيرِ فمَسَّهُ بعذابٍ فقال: رَأيتُ حُيَيًّا يَطوفُ في خَرِبَةٍ هَهُنا فوَجَدُوا المَسْكَ في الخَرِبَةِ". رَواه البيهقيُّ وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ.
وعن أنسٍ قال: "فانْطَلَقوا حتَّى نَزَلُوا بَدرًا، ووَرَدَت عليهم رَوَايَا قُرَيشٍ، وفيهم غلامٌ أسودُ لِبَنِي الحَجَّاجِ، فأَخذُوه، فكان أَصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَسألُونه عن أَبي سُفيانَ وأصحابِه، فيَقولُ: ما لِي عِلمٌ بأَبي سُفيانَ، ولكنْ هذا أبو جَهلٍ، وعُتبَةُ، وشَيبَةُ، وأُميَّةُ بنُ خَلفٍ، فإذا قال ذلكَ ضَربُوه، فقال: نَعَم، أنا أُخبِرْكم، هذا أبو سُفيانَ … ". رَواه مسلمٌ.
[ ١٧٠ ]
قال ابنُ حزمٍ في الُمحلَّى ١٣/ ٤٢: "فإنْ استَضافَ إلى الإقرارِ أمرٌ يَتحقَّقُ به يَقِينًا صِحَّةَ ما أَقرَّ به -ولا يُشكُّ في أنه صاحبُ ذلكَ- فالواجبُ إقامةُ الحَدِّ عليه … ".
وقال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفتاوَى ٣٤/ ١٥٤: "وأمَّا ضَربُه لِيُقِرَّ فلا يَجوز إلاّ مع القرائِنِ الَّتي تدلُّ على أنه قَتَله، فإنَّ بَعضَ العلماءِ جَوَّز تَقريرَه بالضَّربِ في هذه الحالِ، وبعضُهم مَنَع مِنْ ذلك مُطلقًا".
وقال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكميَّةِ ص ١٣: "وفي ذلك دَليلٌ على صِحَّةِ إقرارِ المُكرَهِ إذا ظَهَر معه المالُ، وأنه إذا عُوقِبَ على أنْ يُقِرَّ بالمالِ المَسروقِ، فأَقرَّ به وظَهَر عنده: قُطِعَت يَدُه، وهذا هو الصَّوابُ بلا رَيبٍ، وليس هذا إقامةً للحَدِّ بالإقرارِ الذي أُكرِهَ عليه، ولكنْ بوُجودِ المالِ المسروقِ معه الذي تُوصِّلَ إليه بالإقرارِ".
وقال أيضًا: "قال شيخُنا ابنُ تَيميَّةَ -رحمه الله تعالى-: وما عَلِمتُ أَحدًا مِنْ أئمةِ المسلِمينَ يقول: إنَّ المدَّعَى عليه في جَميعِ هذه الدَّعاوَى يَحلِف، ويُرسَل بلا حَبسٍ ولا غيرِه، فلَيس هذا -على إطلاقِه- مَذهبًا لأَحدٍ مِنْ الأئمةِ الأربعةِ ولا غيرِهم مِنْ الأئمةِ، ومَن زَعَم أنَّ هذا -على إطلاقِه وعُمومِه- هو الشَّرعُ: فقد غَلِط غَلطًا فاحِشًا مُخالِفًا لنُصوصِ رسولِ اللهِ ﷺ ولإجماعِ الأُمَّةِ".
٤ - أنْ يَكون غيرَ مُتَّهمٍ في إقرارِه؛ لأنَّ إقرارَ الإنسانِ على نَفسِه شَهادةٌ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٣٥]، والشَّهادةُ على نَفسِه إقرارٌ، والشَّهادةُ تُرَدُّ بالتُّهَمةِ.
[ ١٧١ ]
٥ - العِلمُ بالمُقَرِّ له، باتِّفاقِ الأئمةِ على أنَّ الجَهالةَ الفاحِشَةَ بالمُقَرِّ له لا يَصِحُّ معها الإقرارُ، لأنَّ المَجهولَ لا يَصلُح مُستَحِقًّا؛ إذْ لا يُجبَر المُقِرُّ على البيانِ مِنْ غيرِ تَعيِينِ المُستَحَقِّ، فلا يُفِيد الإقرارُ شيئًا.
وأمَّا إذا كانَت الجَهالةُ غيرَ فاحشةٍ بأنْ قال: عليَّ ألفٌ لأَحدِ هذَين، أو لأَحدِ هَؤلاءِ العَشرةِ، أو لأَحدِ أَهلِ البلدِ وكانُوا مَحصُورِين، فالإقرارُ صَحيحٌ؛ لأنه قَدْ يُفِيد وُصولَ الحقِّ إلى المستَحِقِّ بتَحليفِ المُقِرِّ لكلِّ مَنْ حَصَرَهم، أو بِتَذكُّرِه.
مسألة: يَصِحُّ إقرارُ المريضِ للوارِثِ إذا لم يَكُنْ هناك تُهَمةٌ، وعدمُ قَبولِه مع التُّهَمةِ؛ لأنه في حالةِ عَدمِ وُجودِ التُّهَمةِ يَكون الإقرارُ صادرًا مِنْ مُكلَّفٍ، فيُقبَل كمَا يُقبَل إقرارُه للأَجنبيِّ الذي لا تُهَمةَ فيه؛ ولأنَّ العِلَّةَ مِنْ مَنعِ قَبولِ الإقرارِ للوارِثِ هي التُّهَمةُ فيَختَصُّ المنعُ بمَوضِعِها؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وهذا عامٌّ.
ضابط: يَصِحُّ الإقرارُ بِكُلِّ ما أَدَّى مَعنَاه، ك: صَدَقتَ، أو: نَعَم، أو: أنا مُقِرٌّ بدَعوَاكَ، أو: أنا مُقِرٌّ. فقَطْ، أو: خُذْها، أو: اقْبِضْها، ونحوِه، قال اللهُ تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعرَاف: ٤٤].
ضابطٌ: لا يُقبَل رُجوعُ المُقِرِّ عن إقرارِه إلاّ ما كان حَدًّا للِه تعالى، وتقدَّم في بابِ الحُدودِ حُكمُ الرُّجوعِ عن الحَدِّ.
مسألة: إنْ قال: كان له عليَّ كذا وقَضَيتُه، أو: بَرِئتُ منه، فقَولُ المُقِرِّ بيَمِينِه، ولا يَكون مُقِرًّا، فإذا حَلَف خُلِّيَ سَبيلُه؛ لأنه رَفَع ما أَثْبَتَه بدَعوَى القضاءِ مُتَّصِلًا، فكان القولُ قولَه، ما لم تَكُنْ عليه بَيِّنةٌ فيُعمَلُ بها.
[ ١٧٢ ]
مسألة: إذا أَقرَّ بشيءٍ واستَثنَى بَعضَه فلا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
الحالُ الأُولى: أنْ يَكون المستَثنَى أَقلَّ مِنْ المستَثنَى منه، كمَا لو أَقرَّ بعَشَرةٍ إلاّ ثلاثةً: فجائزٌ باتِّفاقِ الأئمةِ.
وله هذه الدَّارُ ولِي هذا البيتُ، يَصِحُّ ويُقبَل ولو كان أَكثرَها.
الحالُ الثانيةُ: أنْ يَكون المستَثنَى مُساويًا للمستَثنَى منه فباطلٌ باتِّفاقِ الأئمةِ، كمَا لو أَقرَّ بخَمسةٍ إلاّ خَمسةً؛ لأنًّ مُقتَضاه الرُّجوعُ عن الإقرارِ، والأصلُ إعمالُ كلامِ المُكلَّفِ لا إهمالُه.
الحالُ الثالثةُ: أنْ يَكون المستَثنَى أكثر مِنْ المستَثنَى منه؛ كما لو أَقرَّ له بعَشَرةٍ إلاّ ثمانيةً، فالمَذهَبُ عند الحنابلة عَدمُ صِحَّةِ الاستِثناءِ؛ لِمُخالَفَتِه مُقتَضَى اللُّغةِ، وعندَ الحنفيَّةِ، والمالكيَّةِ، والشافعيَّةِ صِحَّةُ الاستثناءِ؛ لأنَّ استِثناءَ الأكثرِ يَصِحُّ في الكَيفِ فيَصِحُّ في الكَمِّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحِجر: ٤٢]، والغاوُوُنَ أَكثرُ مِنْ المُهتَدِين.
وتقدَّم بَقيَّةُ شُروطِ الاستِثناءِ في كتابِ الطَّلاقِ والأَيمانِ.
ضابطٌ: يَصِحُّ الاستِثناءُ مِنْ غيرِ جِنسٍ على الإطلاقِ، كمَا لو قال له مائةُ دِرهَمٍ إلا دِينارًا.
ضابطٌ: إنْ أَقرَّ بمُجمَلٍ كقولِه: له عليَّ شيءٌ، أو حَقٌّ، ونحوِ ذلك، طُلِب منه تَفسيرُه؛ لوُجوبِ تَفسيرِه عليه، فإنْ أَبَى حُبِس حتَّى يُفسِّرَه.
ويُقبَل تَفسيرُه بِما يُوافِق الظَّاهرَ وعُرْفَ المُقِرِّ؛ لِقاعدةِ العُرفِ، والعادةُ محكَّمةٌ.
[ ١٧٣ ]
ضابطٌ: إنْ أَقرَّ بشيءٍ كان إقرارًا به وبِما هو تابعٌ له عُرفًا.
مسألة: إنْ قال المُقِرُّ عن إنسانٍ: له عليَّ ما بينَ دِرهمٍ وعَشرةٍ، لَزِمه ثمانيةٌ؛ لأنَّ ذلك هو مُقتَضَى لَفظِه، وإنْ قال: له عليَّ ما بينَ دِرهمٍ إلى عَشرةٍ، أو قال: له عليَّ مِنْ دِرهمٍ إلى عَشرةٍ، لَزِمه تِسعةٌ؛ لعَدمِ دُخولِ الغايةِ.
والحمد لله رب العالمين.
[ ١٧٤ ]