ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه شيءٌ واحدٌ، كالأنفِ واللِّسان والذَّكَرِ، ففِيه دِيَةُ النَّفسِ؛ لحديث عمرِو بنِ حَزمٍ مرفوعًا: «وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيَةُ». أخرجَه النَّسائيُّ.
مسألة: لسانُ الأَخرسِ.
ذهبَ الجُمهورُ: إلى أنَّ فيه حُكومةٌ؛ لأنه لا تقديرَ فيه، والمقصودُ فيه المنفعةُ، وقد ذهبَ مُعظمُهما.
وذهبَ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه: إلى أنَّ فيه ثُلثَ الدِّيَةِ؛ لِما روَى عمرُو بنُ شعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه قال: "قضَى النبيُّ ﷺ في العينِ القائمةِ السادَّةِ لِمكانِها بثُلثِ الدِّيَةِ، وفي اليدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطعَت بثُلثِ دِيَتِها، وفي السِّنِّ السوداءِ إذا قُلعَت بثُلثِ دِيَتِها". رَواه النَّسائيُّ، وأبو داودَ.
مسألة: قَطعُ بعضِ اللِّسانِ.
إذا لم يَذهبْ مِنْ الكلامِ شيءٌ ففِيه بقَدْرِ ما ذهبَ منه؛ لأنَّ ما وَجبَت الدِّيَةُ فيه كاملةً وجَبَ منها بقَدْرِ الذَّاهبِ، فإذا قُطعَ رُبعُ اللِّسانِ ففِيه رُبعُ الدِّيَةِ، وهكذا.
وإذا ذهبَ مع القَطعِ بعضُ الكلامِ: ففِيه الأكثرُ مِمَّا قُطعَ منه، أو ما ذهبَ مِنْ كَلامِه؛ لوجوبِ الدِّيَةِ بتَفويتِ أَحدِهما، فوجَبَ فيه الأكثرُ مِمَّا ذهبَ منهما.
[ ٣٣ ]
مسألة: قَطعُ الحَشَفَةِ.
الحَشَفَةُ هي: رأسُ الذَّكَرِ، التي تكونُ عليه الجِلْدةُ التي تُقطَع عند الخِتانِ.
تَجِبُ الدِّيَةُ كاملةً بقَطعِ الحَشَفةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الذَّكَرِ تَكمُل بالحَشَفةِ، كَما تَكمُل مَنفعةُ الكَفِّ بالأصابعِ. قال ابنُ قُدامةَ: "ولا نَعلمُ فيه مُخالفًا".
وإذا قَطَع جُزءًا مِنْ الحَشَفةِ وَجَب مِنْ الدِّيَةِ بقَدْرِ الذاهبِ.
وإذا كانَت الجِنايةُ على ذَكَرٍ قد ذَهبَت حشَفَتُه ففِيه حُكومةٌ.
مسألة: إذا قُطِع مِنْ الإنسانِ عُضوٌ ففِيه دِيَةُ ذلك العُضوِ دونَ المَنفعةِ، إلا الأُذُنَ والأَنفَ فإنَّهما إذا قُطِعَا وذهبَت مَنفعتُهما ففِيهِما دِيَةُ العُضوِ والَمنفعةِ؛ لأنَّ المنفعةَ خارجَ العُضوِ، فلا تَدخُل دِيَةُ أَحدِهما في الآخَرِ.
مسألة: إذا قُطِع عُضوٌ مَشلولٌ ففِيه حُكومةٌ، إلا الأنفَ والأُذنَ ففِيهِما دِيَةُ ذلك العُضوِ؛ لأنَّ المقصودَ الجمالُ، والمنفعةُ خارجٌ عنهما.
ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه شَيئانِ، كالعَينَين، والأُذنَين، والشَّفتَين، واللَّحْيَين، وثَدْيَي المرأةِ، وثَنْدُوَتَيِ الرَّجُلِ، واليَدَين مِنْ الكُوعِ، والرِّجلَين مِنْ الكَعبِ، والأَلْيَتَين، والأُنثَيَين، وإِسْكَتَي المرأةِ -بكَسرِ الهمزةِ وفَتحِها وهُما اللَّحمَتان المُحيطَتان بالفَرْجِ مِنْ جانِبَيه إحاطةَ الشَّفَتَين- وهُما شَفْرَاها، ونحوِ ذلك، ففِيهِما الدِّيَةُ كاملةً، وفي أَحدِهما نِصفُها.
قال في الُمغنِي (٩/ ٥٨٦): "أَجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ في العَينَين إذا أُصيبتَا خطأً الدِّيَةَ، وفي العينِ الواحدةِ نِصفَها؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وفي العَينَينِ الدِّيَةُ». رَواه النَّسائيُّ. لِما جاء في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الأُذُنِ خَمسونَ مِنْ الإِبِلِ». لِما جاء في
[ ٣٤ ]
كتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ الذي كتبَه له النبيُّ ﷺ: «وفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ». تقدَّم قريبًا.
مسألة: اتَّفق أهلُ العلمِ على وجوبِ الدِّيَةِ في اسْتِئصالِ الثَّديَين؛ لأنَّ فيهما جَمالًا ومنفعةً، فوَجبَت فيهما الدِّيَةُ كاليَدَين والرِّجلَين.
مسألة: قَطعُ الحَلَمَتَين: تَجِبُ الدِّيَةُ فيهما كاملةً؛ لأنه أَذهبَ منهما ما تَذهبُ المنفعةُ بذَهابِه، فوَجبَت دِيَتُهما، كالأصابعِ مع الكَفِّ.
لِما وَرَد في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي اليَدِ خمَسُونَ مِنْ الإِبِلِ». تقدِّم قريبًا.
مسألة: إذا قُلِع اللَّحْيان مع الأَسنانِ فلا تَدخُل دِيَةُ أَحدِهما في الآخَرِ؛ لأنَّهما جِنسانِ مُختلِفان.
ضابطٌ: مَنْ أَتلَف ما في الإنسان منه ثلاثةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها ثُلثُ الدِّيَةِ، ففِي المَنْخِرَين ثُلثَا الدِّيَةِ، وفي الحاجزِ بينَهما ثُلثُها؛ لأنَّ المارِنَ يَشمَل ثلاثةَ أشياءَ: مَنْخِرَين وحاجزًا، فوجَبَ تَوزيع الدِّيَةِ على عَددِها.
ضابطٌ: مَنْ أَتلفَ ما في الإنسانِ منه أَربعةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها رُبعُ الدِّيَةِ، ففِي الأَجفانِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وفي كلِّ جَفنٍ رُبعُها.
مسألة: يَجِبُ في كلِّ واحدٍ مِنْ الشُّعورِ الأربعةِ الدِّيَةُ، وهي شعرُ الرأسِ، وشعرُ اللِّحيةِ، وشعرُ الحاجِبَين، وأَهدابُ العَينَين، ولأنه كلُّ واحدٍ مِنْ الشُّعورِ في البَدنِ منه شيءٌ واحدٌ، وفي حاجِبٍ نِصفُ الدِّيَةِ، وفي هُدْبٍ رُبعُها، وفي شاربٍ حُكومةٌ.
فإنْ عادَ الذَّاهبُ مِنْ تلك الشُّعورِ فنَبَت؛ سَقَط مُوجِبُه، فإنْ كان أَخذَ شَيئًا رَدَّه.
[ ٣٥ ]
وإنْ ترك من لِحْيةٍ أو غيرِها ما لا جَمالَ فيه، فدِيَةٌ كاملةٌ.
وفي بعضِ ما تقدَّم بعضُه مِنْ الدِّيَةِ.
ضابطٌ: مَنْ أَتلَف ما في الإنسانِ منه عَشرةُ أَشياءَ ففِيه الدِّيَةُ، وفي أَحدِها عُشرُ الدِّيَةِ، ففِي أَصابعِ اليَدَين الدِّيَةُ، وفي أَصابعِ الرِّجلَين الدِّيَةُ، وفي كلِّ إِصبَعٍ مِنْ أَصابعِ اليَدَين أو الرِّجلَين عُشرُ الدِّيَةِ؛ لِما وَرَد في كتابِ النبيِّ ﷺ لعمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي كُلِّ إِصبَعٍ مِنْ أَصابِعِ اليَدِ والرِّجْلِ عَشرٌ مِنْ الإِبِلِ». وتقدَّم قريبًا؛ لِحديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: «دِيَةُ أَصابِعِ اليَدَينِ والرِّجلَينِ عَشرٌ مِنْ الإبِلِ لكلِّ إِصبَعٍ». أخرجَه التِّرمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، الدارَقطنيُّ، وصحَّحه الترمذيُّ. وعن ابنِ عباسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: «هَذِه وهَذِه سَواءٌ» يعني الخِنْصِرَ والإبهامَ. صحيحُ البخاريِّ.
وفي كلِّ أُنمُلَةٍ مِنْ أَصابعِ اليَدَين أو الرِّجلَين ثُلثُ عُشرِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ في كلِّ إِصبَعٍ ثلاثةُ مَفَاصِلَ والإبهامُ فيه مَفصِلان، وفي كلِّ مَفصِلٍ نِصفُ عُشرِ الدِّيَةِ، كَدِيَةِ السِّنِّ.
وفي كلِّ سِنٍّ، أو نابٍ، أو ضِرسٍ، ولو مِنْ صغيرٍ ولم يَعُدْ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ؛ قال ابنُ قُدامةَ في الُمغنِي ٩/ ٦١٢: "لا نَعلمُ بين أهلِ العلمِ خلافًا في أنَّ دِيَةَ الأسنانِ خَمسٌ في كلِّ سِنٍّ؛ لخبرِ عمرِو بنِ حَزمٍ مرفوعًا: «في السِّنِّ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ». رَواه النَّسائيُّ، ولقولِه ﷺ في حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄: «الأصابعُ سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرسُ سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ» رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه.
وإذا جنَى على السِّنِّ فاضطرَبَت أو تغيَّرَ لونُها، فإنْ ذهبَت مَنفعتُها ففِيه دِيَةُ السِّنِّ، وإنْ بقيَت المَنفعةُ ففِيها حُكومةٌ.
[ ٣٦ ]