فصلٌ
شروطُ مَنْ تُقبَل شَهادتُهم: سِتَّةٌ:
أَحدُها: البُلوغُ، فلا تُقبَل شهادةُ الصِّبيانِ، إلاّ شهادةَ الصِّبيانِ بَعضِهم على بَعضٍ إذا دَعَت الحاجةُ إليها، وذلكَ في القَتلِ، والجِراحِ فقَط بحَيثُ يَتِّفق اثنانِ فصاعدًا في الشَّهادةِ قَبلَ أنْ يَتفرَّقُوا، وألاّ يَكون معهم كبيرٌ؛ لِما ورَد عن الشَّعبيِّ عن مَسروقٍ أنَّ سِتَّةَ غِلمانٍ ذَهبُوا يَسبَحون فغَرِقَ أَحدُهم، فشَهِد ثلاثةٌ على اثنَينِ أنَّهما غَرَّقاه، وشَهِد اثنانِ على ثلاثةٍ أنَّهم غَرَّقُوه، فقَضَى عليُّ بنُ أَبي طالبٍ ﵁ على الثلاثةِ خُمسَي الدِّيَةِ، وعلى الاثنَينِ ثلاثةُ أخماسِ الدِّيَةِ. رَواه ابنُ أبي شَيبةَ، وابنُ حزمٍ في المحلَّى، واحتَجَّ به.
ولِما صَحَّ عن ابنِ الزُّبيرِ ﵄ أنه قال عن شَهادةِ الصِّبيانِ: "إذا جِيءَ بهم عندَ المُصيبةِ جازَت شَهادتُهم". قال ابنُ أَبي مُلَيكَةَ: فأَخَذ القُضاةُ بقولِ ابنِ الزُّبَير. رواه البيهقي في الكبرَى.
وقد دلَّ على قَبولِ شَهادةِ الصِّبيانِ: أنَّ الشارعَ نَدَب إلى تَعليمِهم الرَّميَ والصِّراعَ، وسائرَ ما يُدرِّبُهم، ويُعلِّمُهم البَطْشَ، ومَعلومٌ أنَّهم في غالبِ أَحوالِهم يَجنِي بَعضُهم على بعضٍ، ولو لم يُقبَل قَولُ بَعضِهم على بعضٍ لأُهدِرَت دِماؤُهم مُطلقًا ولو شَهِد بَعضُهم على بعضٍ.
الثَّاني: العَقلُ، فلا تُقبَل شهادةُ مَجنونٍ، ولا مَعتوهٍ، وتُقبَل الشَّهادةُ مِمَّن يُخنَق أحيانًا إذا تَحمَّل وأَدَّى في حالِ إفاقتِه؛ لأنَّها شهادةٌ مِنْ عاقلٍ.
الثالثُ: الإسلامُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، فلا تُقبَل مِنْ كافرٍ إلاّ في مَوضعِ ضَرورةٍ، لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ
[ ١٥٨ ]
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ … *﴾ [المَائدة: ١٠٦].
ولِما روَى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: "خَرَج رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهمٍ مع تَميمٍ الداريِّ وعَديِّ بنِ بَدَّاءٍ، فماتَ السَّهميُّ بأرضٍ ليسَ بها مسلمٌ، فلمَّا قَدِمَا بتَرِكَتِه فَقَدُوا جامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فأَحلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ، ثم وُجِدَ الجامُ بمكةَ، فقالوا: ابْتَعْناهُ مِنْ تميمٍ وعَديٍّ، فقامَ رَجُلان مِنْ أَولِيائِه فحَلَفَا لَشَهادَتُنا أَحقُّ مِنْ شَهادَتِهما، وأنَّ الجامَ لِصاحِبِهم، قال: وفيهِم نَزلَت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ … *﴾ [المَائدة: ١٠٦].
وتُقبَل شهادةُ الكفارِ بَعضِهم على بعضٍ.
الرابعُ: الحِفظُ، فلا تُقبَل مِنْ مُغفَّلٍ، ومَعروفٍ بكَثرةِ سَهوٍ وغَلطٍ؛ لأنه لا تَحصُل الثِّقةُ بقَولِه، وتُقبَل مِمَّن يَقِلُّ منه السَّهوُ والغَلطُ، والنِّسيانُ؛ لأنه لا يَسلَم منه أَحدٌ.
الخامسُ: العَدَالةُ، وهي لُغةً: الاستقامةُ، مِنْ العَدلِ ضِدِّ الجَورِ.
وشرعًا: هيئةٌ راسخةٌ في النَّفسِ تَحُثُّ على مُلازَمةِ التَّقوَى باجتِنابِ الكبائِرِ، وتَوقِّي الصَّغائِرِ، والتَّحاشِي عن الرَّذائِلِ المُباحةِ.
وعرَّف ابنُ حزمٍ العَدلَ بأنه: مَنْ لم تُعرَف له كَبيرةٌ، ولا مُجاهرةٌ بصغيرةٍ.
العدالةُ هنا في بابِ الشَّهادةِ تَرجِع إلى رِضَى الناسِ عن الشَّاهدِ، ومَعرفتِه بالصِّدقِ في الأقوالِ والأخبارِ، وعدمِ مَعرفتِه بالغَفلةِ والنِّسيانِ، قال عمرُ ﵁: "المسلِمونَ عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ، إلا مَجلودًا في حَدٍّ، أو مُجرَّبًا في شَهادةِ زُورٍ، أو ظَنِينًا -أي: مُتَّهمًا- في وَلاءٍ أو قَرابةٍ". رَواه البيهقيُّ، وفي الإرواءِ ٨/ ٢٩٣: ثَبَت في كتابِ عمرَ إلى أَبي موسَى.
[ ١٥٩ ]
ولأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمُرْ برَدِّ خبرِ الفاسِقِ، بل أَمَر بالتَّثبُّتِ منه هل هو صادقٌ أو كاذبٌ؟ فإنْ كان صادقًا قُبِل قَولُه وعُمِل به، وفِسقُه عليه، وإنْ كان كاذبًا رُدَّ خَبرُه ولم يُلتَفَت إليه.
فرعٌ: تُقبَل شهادةُ الأخرسِ، إذا فُهِمَت إشارتُه؛ لأنَّ الشَّهادةَ يُعتَبر فيها اليَقينُ، أو أَدَّاها الأخرسُ بخَطِّه فتُقبَل؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عِمرَان: ٤١]، والرَّمزُ في هذه الآيةِ مُستَثنى مِنْ الكلامِ استِثناءً مُتَّصِلًا، ومِن المُقرَّرِ أنَّ المُستَثنَى مِنْ جِنسِ المُستَثنَى منه، فدلَّ ذلك على أنَّ الرَّمزَ وهو الإشارةُ مِنْ الكلامِ، فيُعطَى حُكمَ الكلامِ.
ولِما روَى البخاريُّ عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالَت: "صلَّى رسولُ اللِه ﷺ في بَيتِه وهو شاكٌّ فصلَّى جالسًا وصلَّى وَراءَه قومٌ قيامًا، فأشارَ إليهم أنْ اجْلِسوا". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
فدلَّ على أنَّ الإشارةَ طَريقٌ يَحصُل به العلمُ.
وتُقبَل شَهادةُ الأَعمَى فِيما طريقُه السَّماعُ مُطلَقًا؛ لِعُمومِ آياتِ الشَّهادةِ، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
ولِما روَى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّن بِلَيلٍ، فكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يُؤذِّنَ»، أو قال: «حتَّى تَسمعُوا أذانَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ».
فإنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر بالإمساكِ اعتمادًا على سَماعِ أَذانِ ابنِ أمِّ مَكتومٍ وهو رَجلٌ ضَريرٌ.
ولا تُشتَرطُ الحُريَّةُ فتُقبَل شَهادةُ عبدٍ وأَمَةٍ في كلِّ ما يُقبَل فيه حُرٌّ وحُرَّةٌ.
مسألة: تُقبَل شَهادةُ عَمودَي النَّسبِ، وهُم: الآباءُ وإنْ عَلَوا، والأَولادُ
[ ١٦٠ ]
وإنْ سَفَلُوا بَعضُهم لِبَعضٍ إلاّ مع التُّهَمةِ؛ لِلعُموماتِ، ولِما تَقدَّم عن عمرَ ﵁.
ولِما رُوِي عن الزُّهريِّ أنه قال: "لم يَكُنْ يُتَّهم سَلفُ المسلِمينَ الصالحُ في شَهادةِ الوالدِ لوَلَدِه، ولا الولَدِ لوالِدِه، ولا الأخِ لأَخِيه، ولا الزَّوجِ لامرَأتِه، ثم دَخَل الناسُ بعدَ ذلك فظَهَرَت منهم أُمورٌ حَملَت الوُلَاةَ على اتِّهامِهم، فتُرِكَت شهادةُ مَنْ يُتَّهم إذا كانَت مِنْ قرابةٍ".
قال ابنُ حزمٍ: "وهذا إخبارٌ عن إجماعِ الصحابةِ ﵃، فكَيفَ استَجازُوا خِلافَهم لِظَنٍّ فاسدٍ مِنْ المتأخِّرينَ". وقال عمرُ: "أو ظَنِينًا في وَلاءٍ أو قَرابةٍ"، والظَّنِينُ: المُتَّهمُ، والشَّهادةُ تُرَدُّ بالتُّهَمةِ، ودلَّ هذا على أنَّها لا تُرَدُّ بالقَرابةِ، وإنَّما تُرَدُّ بتُهَمَتِها.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين: "وكذلك شَهادةُ القريبِ لِقَريبِه لا تُقبَل مع التُّهَمةِ وتُقبَل بدُونِها، هذا هو الصَّحيحُ".
وقال: "الصَّحيحُ أنَّها تُقبَل شَهادةُ الابنِ لأَبِيه، والأبِ لابنِه فِيما لا تُهَمةَ فيه، نصَّ عليه، والتُّهَمةُ وَحدَها مُستَقِلَّةٌ بالمنعِ سواءٌ كان قَريبًا أو أَجنبيًّا، فشَهادةُ القَريبِ لا تُرَدُّ بالقَرابةِ وإنَّما تُرَدُّ تُهَمَتُها، ولا رَيبَ في دُخولِهم في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢]، وقال: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، هذا مِمَّا لا يُمكِن دَفعُه، ولم يَستَثنِ اللهُ ولا رسولُه مِنْ ذلك لا أبًا ولا وَلدًا، ولا أخًا ولا قَرابةً، ولا أَجمَع المسلِمونَ على استِثناءِ أَحدٍ مِنْ هؤلاءِ، وإنَّما التُّهَمةُ هي الوَصفُ المؤثِّرُ في الحُكمِ، فيَجِب تَعليقُ الحُكمِ به وُجودًا وعَدَمًا".
مسألة: في عَددِ الشُّهودِ.
[ ١٦١ ]
١ - لا يُقبَل في الزِّنَى إلا أَربعةُ شُهودٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥].
ولِما أَخرَج مسلمٌ عن أبي هريرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ ﵁ قال: يا رسولَ اللهِ إنِّي وَجَدتُ مع امرَأتِي رَجُلًا، أُمهِلُه حتَّى آتِيَ بأَربعةِ شُهداءَ؟ قال: «نَعَم».
وعندَ الظَّاهريَّةِ: أربعةُ رجالٍ عُدولٍ مُسلِمين، أو مَكانَ كلِّ رَجُلٍ امرَأَتان مُسلِمَتان عدلان، فيَكون ذلك ثلاثةَ رِجالٍ وامرَأَتان، أو رَجُلَين وأربعُ نِسوةٍ، أو رَجُلٌ واحدٌ وسِتُّ نِسوةٍ، أو ثَمانِ نِسوةٍ فقَطْ.
ولِما ورَد عن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَلَيسَ شَهادةُ المرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قال: «فذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِها». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
٢ - يُقبَل في اللِّواطِ وبَقيَّةِ الحُدودِ كالقَذفِ، والشُّربِ، والسَّرِقةِ، وقَطعِ الطَّريقِ، والقِصاصِ، وما ليس بعُقوبةٍ، ولا مالٍ، ولا يُقصَد به المالُ، ويَطَّلِع عليه الرِّجالُ غالبًا، كنِكاحٍ، وطَلاقٍ، ورَجعةٍ، وخُلعٍ، ونَسَبٍ، ووَلاءٍ، وإيصاءٍ إليه: يُقبَل فيه رَجُلانِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢].
يَجوز قَبولُ شَهادةِ النِّساءِ وَحْدَهُنَّ أو مع الرَّجُلِ، فيَكفي أَربعُ نِسوةٍ، أو رَجُلٌ وامرَأَتان في سائِرِ الحُقوقِ مِنْ الحُدودِ والدِّماءِ، وما فيه القِصاصُ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجعةِ، والأَموالِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وهذا مُطلَقٌ.
ولحديثِ أَبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أَليسَ شَهادةُ المَرأةِ مِثلَ نِصفِ شَهادةِ الرَّجُلِ؟» قُلْنَ: بَلَى، قال: «فذلِكَ مِنْ نُقْصَانِ
[ ١٦٢ ]
عَقْلِها». رَواه البخاريُّ، ومسلمٌ.
ولِما رُوِي عن يَحيَى بنِ عُبَيدِ اللهِ عن أَبيه: أنَّ رَجُلًا مِنْ عُمانَ تَملَّأَ مِنْ الشَّرابِ فطَلَّقَ امرَأَته ثلاثًا، فشَهِد عليه نِسوةٌ، فكَتَبَ في ذلكَ إلى عمرَ بنِ الخطَّابِ فأَجازَ شَهادةَ النِّسوةِ وأَبَتَّ عليه الطَّلاقَ.
٣ - مَنْ عُرِف بغِنًى وادَّعَى أنه فَقيرٌ ليَأخُذَ مِنْ الزَّكاةِ لم يُقبَل إلا ثَلاثةُ رِجالٍ؛ لِما رَواه مسلمٌ وغيرُه عن قَبِيصةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ قال: تَحمَّلتُ حَمَالةً فأَتَيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَسألُه فيها، فقال: «أَقِمْ حتَّى تَأتِيَنا الصَّدقةُ فنَأمُرَ لكَ بها»، قال: ثُم قال: «يا قَبِيصةُ إنَّ المَسألَةَ لا تَحِلُّ إلاّ لأَحدِ ثلاثةٍ: … ورَجُلٍ أَصابَتْهُ فَاقَةٌ حتَّى يَقومَ ثَلاثةٌ مِنْ ذَوِي الحِجَى مِنْ قَومِه فيَقولونَ: لقَدْ أَصابَت فُلانًا فَاقَةٌ».
٤ - يُقبَل في المالِ، وما يُقصَد به المالُ كالبَيعِ، والأَجَلِ، والخِيارِ في البَيعِ والقَرضِ، والرَّهنِ، والغَصبِ، والإجارةِ، والشَّرِكةِ، والشُّفْعَةِ، وضَمانِ المالِ، وإتلافِه، والعِتقِ، والكِتابةِ، والتَّدبيرِ، والوصيَّةِ بالمالِ: رَجُلان أو رَجُلٌ وامرَأَتان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، وسِياقُ الآيةِ: أو رَجُلٌ ويَمينُ المُدَّعِي؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: "إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضَى باليمينِ مع الشَّاهدِ". رِواه مسلمٌ.
أو أَربعُ نِسوةٍ، أو امرَأَتان ويمينُ المُدَّعِي وإنَّما جُعِلَت المرأةُ فيها على النِّصفِ مِنْ الرَّجُلِ لحِكمةٍ أشارَ إليها العزيزُ الحكيمُ في كتابِه وهي: أنَّ المرأةَ ضَعيفةُ العَقلِ قليلةُ الضَّبطِ لِما تَحفظُه، وقد فَضَّل اللهُ الرِّجالَ على النِّساءِ في العُقولِ والفَهمِ والحِفظِ والتَّميِيزِ، فلا تَقومُ المرأةُ في ذلك مَقامَ الرَّجُلِ، وفي مَنعِ قَبولِ شَهادَتِها بالكُليَّةِ إضاعةُ لكثيرٍ مِنْ الحقوقِ وتَعطيلٌ لها، فكان مِنْ أحسنِ الأُمورِ وأَلصَقِها بالعقولِ أنْ ضَمَّ إليها في قَبولِ الشَّهادةِ نَظِيرتَها لِتُذكِّرَها
[ ١٦٣ ]
إذا نَسِيَت، فتَقومُ شَهادةُ المرأَتَين مَقامَ شَهادةِ الرَّجُلِ، ويَقَع مِنْ العلمِ أو الظِّنِّ الغالبِ بشَهادَتِهما ما يَقَع بشَهادةِ الرَّجُلِ الواحدِ.
٥ - وما لا يَطَّلِع عليه الرِّجالُ، كعُيوبِ النِّساءِ تَحتَ الثِّيابِ، والبَكارةِ، والثُّيُوبَةِ، والحَيضِ، والوِلادةِ، والرَّضاعِ، والاسْتِهلالِ، ونحوِه تُقبَل فيه شَهادةُ امرأةٍ عَدلٍ، والرَّجلُ فيه كالمَرأةِ؛ لِما روَى البخاريُّ عن عُقبةَ بنِ الحارثِ: "أنه تَزوَّج أمَّ يَحيَى بِنتَ أَبي إهابٍ قال: فجاءَت أَمَةٌ سَوداءُ فقالَت: قَدْ أَرضَعْتُكُما، فذَكَرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فأَعرَض عَنِّي، قال: فتَنَحَّيتُ، فذَكَرتُ ذلكَ له، قال: «كيفَ وقَد زَعمَت أنَّها قَدْ أَرضَعَتْكُما؟»، فنهاه عنها".
٦ - يُقبَل في داءِ دابَّةٍ، ومُوضِحَةٍ: طَبيبٌ وبَيطارٌ واحدٌ مع عَدمِ غَيرِه في مَعرفةِ الدَّاءِ؛ لأنه يُخبِر به عن اجتهادِه.
فرعٌ: القَضاءُ بشَهادةِ الشَّاهدِ الواحدِ:
عندَ ابنِ القيِّمِ، والقاضِي شُرَيحٍ، وزُرارَةَ بنِ أَوفَى: أنه يَجوزُ القضاءُ بشَهادةِ الشَّاهدِ الواحدِ حيثُ لا يَلزمُ التَّقيُّدُ بعَددٍ مُعيَّنٍ مِنْ الشُّهودِ إلاّ في الزِّنَى فقَطْ.
لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *﴾ [الحُجرَات: ٦].
ووَجهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى أَمرَنا في هذه الآيةِ بالتَّبيُّنِ والتَّثبُّتِ مِنْ خبرِ الفاسقِ الواحدِ ولم يَأمُر برَدِّه.
ولِما روَى أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وأحمدُ، والبيهقيُّ عن عُمارةَ بنِ خُزَيمةَ: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعرابيٍّ … فقال الأَعرابيُّ: لا، واللهِ ما بِعتُكَ، فقال النبيُّ ﷺ: «بَلَى قَدْ ابْتَعْتُه مِنْكَ»، فطَفِقَ الأَعرابيُّ يَقول: هَلُمَّ
[ ١٦٤ ]
شَهيدًا، فقال خُزَيمةُ بنُ ثابتٍ: أَنا أَشهدُ أنَّكَ قَدْ بَايَعْتَه، فأَقْبَلَ النبيُّ ﷺ على خُزَيمةَ، فقال: «بِمَ تَشهَدُ؟» فقال: بتَصدِيقِكَ يا رسولَ اللهِ، فجَعلَ رسولُ اللهِ ﷺ شَهادةَ خُزَيمةَ بشَهادةِ رَجُلَين".
وقد أَجمَع المسلِمونَ على قَبولِ أذانِ المُؤذِّنِ الواحدِ، وهو شَهادةٌ منه بدُخولِ الوقتِ، وخبرٌ عنه يَتعلَّق بالمُخبِرِ وغَيرِه. (إعلامُ المُوقِّعين ١/ ١٠٤). قال ابنُ القيِّمِ: "ومِن ذلك أنه يَجوز للحاكِمِ الحُكمُ بشَهادةِ الرجلِ الواحدِ إذا عَرَف صِدقَه في غيرِ الحُدودِ، ولم يُوجِب اللهُ على الحُكامِ ألاّ يَحكُموا إلاّ بشاهِدَين أصلًا، وإنَّما أَمَر صاحبَ الحقِّ أنْ يَحفَظ حَقَّه بشاهِدَين أو بشاهدٍ وامرَأتَين، وهذا لا يدلُّ على أنَّ الحاكمَ لا يَحكُم بأقلَّ مِنْ ذلك، بل قد حَكَم النبيُّ ﷺ بالشاهدِ واليمينِ وبالشاهدِ فقَطْ".
فرع: الآلات الحديثة؛ كآلات التصوير، وقرائن البصمات، والشعر، والدم وغير ذلك من القرائن المختلفة، يرجع فيها إلى أهل الخبرة في إمكان الاستدلال به على ثبوت الحدِّ أو القصاص، أو لا يمكن الاستدلال به؛ لما يدخله من الغش والتدليس، فيختلف باختلاف تلك القرائن قوَّةً وضعفًا.
[ ١٦٥ ]