وهو لغةً: المَنعُ، ومنه التَّعزيرُ بمعنى النُّصرةِ؛ لأنه يَمنع المُعاديَ مِنْ الإيذاءِ.
واصطلاحًا: التأديبُ على ذَنبٍ لم تُشرَع له عُقوبةٌ ولا كفَّارةٌ.
والأصلُ في التَّعزيرِ القرآنُ، كما في قولِه تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النِّسَاء: ٣٤].
وأمَّا السُّنةُ: فلِما يَأتي مِنْ الأحاديثِ، ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مُرُوا أَولادكُم بالصلاةِ وهُم أبناءُ سَبعِ سِنينَ، واضرِبُوهُم عليها وهُم أبناءُ عَشرٍ». رَواه أحمدُ وأبو داودَ.
قال شيخُ الإسلامِ في مَجموعِ الفتاوَى ٣٥/ ٤٠٢: "واتَّفق العلماءُ على أنَّ التَّعزيرَ مَشروعٌ في كلِّ مَعصيةٍ ليس فيها حدٌّ".
حُكمُه: التَّعزيرُ واجبٌ في كلِّ مَعصيةٍ، لا حدَّ فيها ولا كفَّارةَ.
مِثالُه: الاستمتاع بأجنبيَّةٍ كمُباشرةٍ دونَ فَرجٍ، وسَرِقةٍ لا قَطعَ فيها؛ لِكَونِ المَسروقِ دُونَ نِصابٍ، أو غيرَ مُحرَزٍ، وكإتيانٍ المرأةِ المرأةَ، وكالاستِمناءِ باليدِ إنْ لم يَخَف على نَفسِه المرضَ أو الزِّنَى.
قال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعِين (١/ ٣٨٣): "الجِنايةُ على العِرضِ: فإنْ كان حرامًا في نَفسِه كالكَذِبِ عليه وقَذفِه وسَبِّ والِدَيه؛ فلَيس له أنْ يَفعل به كمَا فَعَل به اتَّفاقًا، وإنْ سَبَّه في نَفسِه أو سَخِر به أو هَزِئَ به أو بَالَ عليه أو
[ ٨٦ ]
بَصَق عليه أو دَعَا عليه؛ فلَه أنْ يَفعل به نَظيرَ ما فَعَل به مُتحرِّيًا للعدلِ، وكذلك إذا كَسَعَه أو صَفَعَه؛ فلَه أنْ يَستوفيَ منه نَظيرَ ما فَعَل به سواءً، وهذا أَقربُ إلى الكتابِ والميزانِ وآثارِ الصحابةِ مِنْ التَّعزيرِ المخالِفِ للجنايةِ جنسًا ونوعًا وقَدْرًا وصفةً، وقد دلَّت السُّنةُ الصَّحيحةُ الصريحةُ على ذلك، فلا عِبرةَ بخِلافِ مَنْ خالَفَها".
وقال شيخُ الإسلامِ كمَا في الاختياراتِ ٤٤١: "ومَن دُعِيَ عليه ظُلمًا له أنْ يَدعوَ على ظالِمِه بمِثلِ ما دَعَا به عليه، نحوُ: أَخزاكَ اللهُ، أو لَعنكَ، أو يَشتُمه بغيرِ فَرْيةٍ، نحوُ: يا كلبُ يا خِنزيرُ؛ فلَه أنْ يقولَ له مِثلَ ذلك".
مسألة: أنواعُ التَّعزيرِ:
١ - التَّعزيرُ بالتَّوبيخِ والزَّجرِ؛ لحديثِ أَبي ذَرٍّ ﵁: قال لِيَ النبيُّ ﷺ: «يا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَه بأُمِّه؟ إنَّكَ امْرُؤٌ فيكَ جاهليَّةٌ». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
٢ - التَّعزيرُ بالحَبسِ، قال ابنُ القيِّمِ في مَدارجِ السَّالكينَ (١/ ٤٠١): "وإذا عُرِف الرَّجُلُ بالأَذَى بالعَينِ ساغَ، بل وَجَب حَبسُه وإفرادُه عن الناسِ، ويُطعَم ويُسقَى حتَّى يَموتَ، ذكر ذلك غيرُ واحدٍ مِنْ الفقهاءِ، ولا يَنبغي أنْ يَكون في ذلك خلافٌ؛ لأنَّ هذا مِنْ نصيحةِ المسلِمينَ ودَفعِ الأَذَى عنهم، ولو قيلَ فيه غيرُ ذلك لم يَكُنْ بعيدًا مِنْ أصولِ الشَّرعِ.
٣ - التَّعزيرُ بالجَلدِ، ولا حدَّ لأكثرِ الجَلدِ ولا لأِقلِّه، وإنَّما هو حسَب اجتهادِ الحاكمِ على قَدْرِ الذَّنبِ؛ لِوُرودِ الزِّيادةِ عن عمرَ ﵁ في عُقوبةِ الخمرِ.
٤ - التَّعزيرُ بالعَزلِ عن المَنصِبِ، فعَن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: "شَكَا أهلُ الكوفةِ سعدًا إلى عمرَ ﵁، فعَزَله، واستَعمَل عليهِم عمَّارًا". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
[ ٨٧ ]
٥ - التَّعزيرُ بأخذِ المالِ وإتلافِه، بدَليلِ أَقضِيَتِه ﷺ، وأَقضِيَةِ خُلفائِه ﵃، كإباحتِه سَلْبَ مَنْ يَصيد في حَرمِ المدينةِ. رَواه مسلمٌ، وأَمرِه بكَسرِ دِنَانِ الخمرِ وشَقِّ ظُرُوفِها، وأَمرِه عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ﵄ بحَرقِ الثَّوبَين المُعَصْفَرَين، وتَضعيفِه الغَرامةَ على مَنْ سَرَق مِنْ غيرِ حِرزٍ، ومَن سَرَق ما لا قَطعَ فيه مِنْ الثَّمرِ والكَثَرِ، وأَقضِيَةِ الخُلفاءِ الرَّاشدِين مِثلِ أَمرِ عمرَ وعليٍّ ﵄ بتَحريقِ المكانِ الذي يُباع فيه الخمرُ.
٦ - التَّشهيرُ به، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢].
٧ - التَّعزيرُ بالقتلِ كمَا تقدَّم في قَتلِ مَنْ تكرَّر منه شُربُ الخمرِ.
وقال شيخُ الإسلامِ في الاختياراتِ ٤٣٢: "إذا كان المَقصودُ دَفعُ الفسادِ ولم يَندفع إلاّ بالقتلِ؛ قُتِل، وحينئذٍ فمَن تكرَّر منه فِعلُ الفسادِ ولم يَرتدِع بالحُدودِ المقدَّرةِ، بل استمرَّ على الفسادِ فهو كالصَّائلِ الذي لا يَندفع إلا بالقتلِ فيُقتلُ".
وما اقتَضَتْه المصلحةُ فيَجوز، مِثلُ قَتلِ الجاسوسِ المسلمِ، والمفرِّقِ لجماعةِ المسلِمينَ، والداعِي إلى غيرِ كتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه، وغيرِ ذلك ممَّا لا يَندفع إلا بالقتلِ.
والتَّعزيرُ ليس مقدَّرًا، فيُرجعُ فيه إلى اجتهادِ الحاكمِ؛ وذلك لِتفاوتِ الجرائمِ بالشِّدَّةِ والضَّعفِ، واختلافِ الأحوالِ والأزمانِ، فجُعلَت العقوباتُ على بعضِ الجرائمِ راجعةً إلى اجتهادِ الأئمةِ ووُلاةِ الأمورِ بحسَبِ الحاجةِ والمصلحةِ، ولا تَخرج عمَّا أمرَ اللهُ به ونَهَى عنه.
مسألة: يَحرُم تعزيرٌ بحَلقِ لِحْيَةٍ؛ للنَّهي عنه، ولأنه مُثْلةٌ ومحرَّمٌ لِذاتِه، كقَطعِ إِصبعٍ، ولا يَجوز أنْ يُعزَّر بحرامٍ كسَقيِه خمرًا، وقَطعِ طرفٍ، أو جَرحٍ؛ لأنه مُثْلةٌ أيضًا.
[ ٨٨ ]