القَتلُ المحرَّم: هو الاعتداءُ ظُلمًا وعُدوانًا على نَفسِ مَعصومِ الدَّمِ.
وقد دلَّ على حُرمتِه القرآنُ كما في قولِه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعَام: ١٥١].
ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلمٍ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاّ بإحدَى ثلاثٍ: النَّفسُ بالنَّفسِ، والثَّيِّبُ الزَّاني، والتَّاركُ لدِينِه المفارقُ للجماعةِ» متَّفَق عليه.
والإجماعُ منعقدٌ على ذلك.
ومَن قَتلَ مسلمًا عمدًا عُدوانًا فَسَق، وأَمرُه إلى الله، إنْ شاءَ عذَّبَه، وإنْ شاء غفَرَ له، وتَوبتُه مَقبولةٌ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا *﴾ [الفُرقان: ٦٨ - ٧٠]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨].
ولحديثِ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «التوبةُ تَجُبُّ ما قَبلَها». رواه مسلم، وقال ابنُ القَيِّمِ في الجوابِ الكَافي ص ١٠٢: "والتَّحقيقُ أنَّ القَتلَ تَتعلَّقُ به ثلاثةُ حُقوقٍ: حقٌّ للهِ، وحقٌّ للمَقتولِ، وحقٌّ للوَليِّ، فإذا
[ ٨ ]
أَسلمَ القاتلُ نَفسَه طَوعًا إلى الوَليِّ، ونَدَمًا وخَوفًا مِنْ اللهِ، وتابَ توبةً نَصوحًا؛ سقَطَ حقُّ اللهِ بالتوبةِ، وحقُّ الأولياءِ بالاستِيفاءِ أو الصُّلحِ أو العَفوِ، وبَقِي حقُّ المقتولِ يُعوِّضُه اللهُ يومَ القيامةِ عن عَبدِه التائبِ، ويُصلِح بَينه وبَينه".
مسألة: القَتلُ يَنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
القسمُ الأولُ: العَمْدُ: أنْ يَقصِدَ مَنْ يَعلمُه آدميًّا مَعصومًا، فيَقتُلَه بما يَغلِبُ على الظَّنِّ مَوتُه به.
مِثلُ أنْ يَضرِبه بحَجَرٍ كَبيرٍ، أو سِكِّينٍ ونحوِه، أو بالسِّحرِ إذا كان مما يَقتل غالبًا بسؤالِ أهلِ المعرفةِ.
وأمّا القَتلُ بالعَينِ:
فقال ابنُ القيِّمِ في مَدارجِ السَّالكين (١/ ٤٠٢): "إنْ كانَ ذلك بغَيرِ اختيارِه بل غَلبَ على نَفسِه؛ لم يُقتَصَّ منه وعليه الدِّيَةُ، وإنْ تَعمَّد وقَدَر على رَدِّه وعَلِم أنه يَقتُل به؛ ساغَ للوَليِّ أنْ يَقتُله بمِثلِ ما قَتلَ به، فيَعِينُه إن شاء كما عانَ هو المقتولَ، وأمّا قَتلُه بالسَّيفِ قِصاصًا فَلَا؛ لأنَّ هذا ليس مِمّا يَقتُل غالبًا، ولا هو مُماثلٌ لجنايتِه".
مسألة: القَتلُ العَمدُ ما توفَّر فيه شَرْطان:
أحدُهما: قَصدُ الجِنايةِ، والثَّاني: أنْ تكونَ الآلةُ ممّا يَقتُل في الغالِبِ.
القِسم الثَّاني: شِبْهُ العَمْدِ: أنْ يَقصِدَ جِنايةً لا تَقتُل غالبًا.
كمَن ضرَبَه في غيرِ مَقتَلٍ بسَوطٍ أو عصًا صغيرةٍ، أو لَكَزَه، ونحوِه؛ لقولِه ﷺ في حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرٍو ﵄: «أَلَا إنَّ دِيَةَ الخَطَأِ وشِبهِ العَمْدِ ما كان
[ ٩ ]
بالسَّوطِ والعَصَا: مائةٌ مِنْ الإبِلِ، منها أَربَعون في بُطونِها أَولَادهُا» رَواه أبو داودَ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ وابنُ القطَّان.
قال السَّرخسيُّ في المبسوطِ ٢٦/ ٦٥: "ثبَتَ شِبهُ العَمدِ عن صَحابةِ رسولِ اللهِ ﷺ، منهم: عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ ﵃، ولم يُنكِره أَحدٌ فكان إجماعًا "
القِسمُ الثَّالثُ: الخطأُ: أنْ يَفعلَ ما له فِعلُه، مِثلُ: أنْ يَرميَ صَيدًا، فيُصيبَ آدميًّا لم يَقصِدْه، ومنه عَمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ؛ لأنه لا قَصدَ لهما، فهُما كالمكلَّفِ المُخطئِ.
مسألة: الفَرقُ بين قَتلِ العَمدِ، وشِبهِ العَمدِ، والخطأِ.
أولًا: الفَرقُ بين قَتلِ العَمدِ وشِبهِ العَمدِ:
يَتَّفق العَمدُ وشِبهُ العَمدِ في قَصدِ الجِنايةِ، والوقوعِ في الإثمِ، ووُجوبِ التَّوبةِ، ويَفترِقان فيما يَلي:
١ - أنَّ الجِنايةَ في العَمدِ تَقتُل غالبًا، بخلافِ شِبهِ العَمدِ.
٢ - في الآلةِ في العَمدِ تَقتُل غالبًا، بخلافِ شِبهِ العَمدِ.
٣ - الدِّيَةُ في العَمدِ على القاتلِ، وفي شِبهِ العَمدِ على العاقِلَةِ.
٤ - العَمدُ لا تَجِبُ عليه الكفَّارة، وشِبهُ العَمدِ تَجِبُ عليه كفَّارة القَتلِ.
ثانيًا: الفَرقُ بين شِبهِ العَمدِ والخطأِ:
يَتَّفق شِبهُ العَمدِ والخطأِ في أمورٍ:
١ - عدمِ قَصدِ القَتلِ.
[ ١٠ ]
٢ - أنَّ الدِّيَةَ على العاقِلَةِ.
٣ - تَجِبُ الكفَّارةُ في كلٍّ منهما.
ويَفترِقان في أمورٍ:
١ - قَصدِ الجِنايةِ في شِبهِ العَمدِ، بخلافِ الخطأِ.
٢ - الوقوعِ في الإثمِ، ووُجوبِ التَّوبةِ، بخلافِ الخطأِ.
٣ - أنَّ الدِّيَةَ في شِبهِ العَمدِ مُغلَّظةٌ، بخلافِ الخطأِ فهي مخفَّفةٌ.
ثالثًا: الفَرقُ بين العَمدِ والخطأِ:
الفرقُ بين العَمدِ والخطأِ في أمورٍ:
١ - أنَّ العَمدَ فيه قَصدُ الجِنايةِ والإثمِ، والخطأ ليس فيه قَصدُ الجِنايةِ ولا إثمَ فيه.
٢ - أنَّ العَمدَ الدِّيَةُ فيه على الجاني، والخطأ الدَّيَةُ فيه على عاقِلَتِه.
٣ - أنَّ العَمدَ الدِّيَةُ فيه مُغلَّظةٌ، والخطأ مُخفَّفةٌ.
٤ - أنَّ العَمدَ ليس فيه كفَّارةٌ، والخطأ فيه الكفَّارةُ.
مسألة: قَتلُ الجماعةِ بالواحدِ:
تُقتَل الجماعةُ بالواحدِ في حالتَين:
١ - أنْ يَصلُح فِعلُ كلِّ واحدٍ لِلقتلِ لو انفرد، قال ابنُ قُدَامةَ في المُغْني ٩/ ٣٦٧: "وجُملَته أنَّ الجماعةَ إذا قَتلوا واحدًا فعلى كلِّ واحدٍ منهم القِصاصُ إذا كان كلُّ واحدٍ منهم لو انفرَدَ بِفِعلِه وَجَبَ عليه القِصاصُ".
[ ١١ ]
ورَوَى سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: " أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ قَتلَ سَبعةً مِنْ أهلِ صَنعاءَ قَتلوا رجلًا وقال: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنعاءَ لقَتلتُهم به جميعًا". قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في فَتحِ البَاري ١٢/ ٣٢٧: "وهذا الأثرُ موصولٌ إلى عمرَ بأصحِّ إسنادٍ".
٢ - أو تَواطَؤُوا -اتَّفقوا- على قَتلِه قُتِلوا جَميعًا.
وإنْ سقَط القِصاصُ بالعفوِ عن القاتِلين أدَّوا دِيَةً واحدةً؛ لأنَّ القَتلَ واحدٌ فلا يَلزَمُ به أكثرُ مِنْ دِيَةٍ كما لو قَتلُوه خطأً.
مسألة: مَنْ أَكرَه مكلَّفًا على قَتلِ مُكافِئِه فَقَتلَه، فالقَوَدُ أو الدِّيَةُ عليهما؛ لأنَّ المُكرِه تَسبَّب إلى قَتلِه، والمُكرَه قَتلَه ظُلمًا.
مسألة: إنْ أَمرَ بالقَتلِ غَيرَ مُكلَّفٍ، كصغيرٍ أو مجنونٍ، فالقَوَدُ أو الدِّيَةُ على الآمِرِ؛ لأنَّ المأمورَ آلةٌ له لا يُمكِن إيجابُ القِصاصِ عليه، فوَجَب على المُتسبِّبِ به.
وإنْ أَمرَ مُكلَّفٌ بالقَتلِ مُكلَّفًا عالمًا تَحريمَ القَتلِ فالضَّمانُ عليه بالقَوَدِ أو الدِّيَةِ؛ لِمُباشرتِه القَتلَ مع عَدمِ العُذرِ، دونَ الآمِرِ بالقَتلِ فلا ضَمانَ عليه، لكن يُؤدَّب بما يَراه الإمام مِنْ ضَربٍ أو حَبسٍ، ومَن دَفَع إلى غيرِ مكلَّفٍ آلةَ قَتلٍ ولم يأمُرْه به فقَتَل، يُعزَّر الدَّافعُ.
مسألة: إنْ اشتَرَك في القتل اثنَان لا يَجِبُ القِصاصُ على أحدِهما، كأبٍ وقاتلٍ، فالقَوَدُ على الشَّريكِ؛ لأنه شارَكَ في القَتلِ العَمدِ العُدوانِ، وإنما امتَنَع القِصاصُ عن الأبِ ونحوِه لمعنًى يَختصُّ به.
فإن عَدَل وَليُّ المَجنيِّ عليه إلى طَلبِ المالِ؛ لَزِمَه نِصفُ الدِّيَةِ، كالشَّريكِ في إتلافِ مالٍ.
[ ١٢ ]
مسألة: شُروطُ وُجوبِ القِصاصِ أربعةٌ:
الشرط الأول: عِصمةُ المقتولِ بأنْ لا يَكونَ مُهدَرَ الدَّمِ، فلو قَتلَ مُسلمٌ كافرًا مُهدَرَ الدَّمِ لِكَونِه محارِبًا لِلمُسلمين، أو زانيًا مُحصَنًا وَجَب إقامةُ الحَدِّ عليه عند القاضِي؛ لم يَضمَنْه بقِصاصٍ ولا دِيَةٍ.
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكون القاتلُ بالغًا عاقلًا؛ لحديث عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثةٍ، عن النَّائِمِ حتى يَستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ، وعن الَمجنونِ حتى يُفيقَ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، وابنُ ماجَه، ولأنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ مغلَّظةٌ، فلا يَجِبُ قِصاصٌ على صغيرٍ ولا مجنونٍ، ولا مَعتُوهٍ، ولا نائمٍ.
مسألة: مَنْ غُطِّيَ عقلُه بسُكْرٍ لا يَخلو مِنْ أَمرَين:
الأمرُ الأولُ: أنْ يَكونَ سُكرُه بِعُذرٍ، كما لو شَرِبَ مُسكِرًا يَظنُّه عصيرًا، فلا قِصاصَ عليه.
الأمرُ الثَّاني: أنْ يَكونَ لغَيرِ عذرٍ، كما لو شَرِبَ مُسكِرًا عالمًا متعمِّدًا.
جُمهورُ أَهلِ العِلمِ: وُجوبُ القِصاصِ على مَنْ زالَ عَقلُه بالسُّكرِ؛ لعُموماتِ أَدلَّةِ القِصاصِ، وللأَدلَّة على عَدمِ وقوعِ طَلاقِ السَّكرانِ.
ولأنه لو لم يَجِبْ القِصاصُ والحدُّ لأَفْضَى إلى أنَّ مَنْ أَرادَ أنْ يَعصِيَ اللهَ تعالى أن يشُربِ ما يُسكِرُه ثم يَقتل ويَزني ويَسرِق، ولا يَلزَمُه شيءٌ، ويَكونُ عِصيانُه سَببًا للتَّخفيفِ عنه.
[ ١٣ ]
وعند الشَّافعيَّةِ، وقولٌ للحنابلةِ، والظاهريَّةِ: أنَّ السَّكرانَ لا يَجِبُ عليه قِصاصٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]. والسَّكرانُ لا يَعلمُ ما يَقول وما يَفعل.
ولقِصَّةِ ماعزٍ ﵁ عندما أَقرَّ بالزِّنى، أَمرَ ﷺ مَنْ يَشَمُّه هل شَرِبَ خَمرًا، دلَّ ذلك على عَدمِ مؤاخَذةِ السَّكرانِ.
وللأدلَّةِ على عَدمِ وُقوعِ طَلاقِ السَّكرانِ.
ولأنه زائلُ العقلِ فلا يَجِبُ عليه قِصاصٌ قياسًا على المجنونِ.
ولِعَدمِ وجودِ القَصدِ منه.
الشَّرطُ الثالثُ: المُكافَأَة: بأنْ يُساويَه في الدِّينِ، فيُقتلُ المسلمُ بالمسلمِ، ولو اختَلفَا في العِلمِ، والنَّسبِ، والفَقرِ والغِنَى، والصِّحَّةِ والمرضِ، والكِبَرِ والصِّغَرِ، والعَقلِ والجنونِ، والذُّكورةِ والأُنوثةِ، وغيرِ ذلك، ويُقتلُ الكافرُ بالكافرِ، ويُقتلُ الكافرُ مطلقًا بالمسلمِ، بالإجماعِ.
واتَّفق أهلُ العلمِ على أنَّ المسلمَ لا يُقادُ بالكافرِ الحربيِّ -مَنْ بَينَنا وبينَه حربٌ-؛ لأنَّ المسلمَ مأمورٌ بقَتلِه، مُثابٌ على ذلك.
وعند جُمهورِ أهلِ العلمِ: أنَّ المسلمَ لا يُقتلُ بالذِّمِّيِّ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁، وفيه قولُه ﵊: «ولا يُقتَلُ مُسلمٌ بِكَافِرٍ». رَواه البخاريُّ.
ولاِنتفاءِ المُساواةِ بين المؤمنينَ والكفَّارِ، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٨]، ولقولِه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحَشر: ٢٠]، وغيرِ ذلك مِنْ الآياتِ الدَّالةِ لهذا المعنى.
[ ١٤ ]
ولِحَديثِ عليٍّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «المؤمِنونَ تَتكَافَأُ دِمَاؤُهُم وهُم يَدٌ على مَنْ سِوَاهُم، ويَسعَى بِذِمَّتِهِم أَدنَاهُم، ألَا لا يُقتَلُ مُؤمنٌ بِكَافرٍ ولا ذُو عَهدٍ في عَهدِه». رَواه أَبو داودَ.
ولِحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يُقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذُو عَهدٍ في عَهدِه». رَواه أحمدُ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجَه.
لكنْ عند المالكيَّةِ واللَّيثِ بنِ سعدٍ: أنه يُقتل المسلمُ بالذِّمِّيِّ إذا قتله غِيلةً -وهو قَتلُ الرَّجُلِ خُفْيةً لأخذِ مالِه-؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المَائدة: ٣٣]، ولأنَّ قَتلَ المسلمِ بالذِّمِّيِّ إذا قَتلَه غِيلةً ليس قِصاصًا وإنما هو حَدٌّ، كقتلِ المُحارِبِ.
مسألة: عند الحنفيَّةِ، وبه قال الثَّوريُّ، وقتادةُ: أنَّ الحُرَّ يُقتلُ بالعبدِ، إلاّ إنْ كان سيِّدًا له.
واستدلُّوا على قَتلِ الحُرِّ بالعبدِ: بعُموماتِ وُجوبِ القِصاصِ، كقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، و﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائدة: ٤٥]، و﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩].
وحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدِّم: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إلاّ بإحدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّاركُ لِدِينِه المُفارقُ للجَماعةِ». متَّفق عليه.
وللحديثِ المتقدِّمِ: «المسلِمونَ تَتكافَأُ دِمَاؤُهُم».
واستدلُّوا على أنه لا يُقتلُ السيِّدُ بعَبدِه: بقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، ووَليُّ العبدِ هو مَولاهُ، فإذا كان هو الوَليَّ
[ ١٥ ]
لم يَثبتْ له قِصاصٌ على نَفسِه.
وبما وَردَ عن عمرَ ﵁ أنه قال: "لو لم أَسمَع رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لا يُقادُ المملوكُ مِنْ مَولاهُ، ولا الوالدُ مِنْ وَلَدِه»؛ لَأَقَدْتُك منه". رَواه النَّسائيُّ.
الشَّرطُ الرابعُ: عَدمُ الوِلادَةِ: بأنْ لا يَكونَ المقتولُ ولَدًا للقاتلِ وإن نَزلَ، ولا لِبِنتِه وإن نزَلَتْ، فلا يُقتلُ أَحدُ الأَبوَين أو الأجدادِ أو الجدَّاتِ بالولدِ وإنْ سَفَلَ؛ لقولِه ﵊: «لا يُقتل والدٌ بوَلدِه» أَخرجَه أحمدُ والتِّرمذيُّ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: "هو حديثٌ مشهورٌ عند أهلِ العِلمِ بالحجازِ والعراقِ، مُستَفِيضٌ عندهم"، وللنُّصوصِ التي أَوجَبَت بِرَّ الوالدَين، كقولِه تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسرَاء: ٢٣]، وقولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
ولِحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ قال: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ فقال: «الصَّلاةُ على وَقتِها» قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «بِرُّ الوَالِدَين»، قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ». متَّفقٌ عليه.
ولِحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أنتَ ومَالُكَ لأِبِيكَ». رَواه ابنُ ماجَه وغيرُه.
ولأنه وَردَ عن عمرَ ﵁: أنه قضَى على الأبِ بالدِّيَةِ المغلَّظةِ بِقَتلِ ابنِه ولم يَقتُلْه به.
والمشهورُ عند المالكيَّةِ: أنَّ الوالدَ إذا ظهَر منه قَصدُ العَمدِ في قَتلِ ولدِه بأنْ أَضجَعه على الأرضِ فذَبَحه بالسِّكِّين أو شَقَّ بَطنَه؛ قُتِل به؛ لأنَّ هذا العملَ لا يَحتَمِل قَصدَ التَّأديبِ، وإنْ قَتَله حَذفًا بالسَّيفِ ونحوِه لم يُقتَلْ به؛ لاحتمالِه قَصدَ التَّأديبِ.
[ ١٦ ]
ويُقتل الولدُ بكُلٍّ مِنْ الأبوَين وإنْ عَلَوَا؛ لعُمومِ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، وخُصَّ منه ما تَقدَّم بالنَّصِّ.
مسألة: متَى وَرِثَ قاتلٌ أو ولدُه بعضَ دَمِ المقتول فلا قَوَدَ، فلَو قَتلَ أخَا زوجتِه فوَرِثَتْه، ثم ماتَت فوَرِثَها القاتلُ أو ولدُه فلا قِصاصَ؛ لأنَّ القصاص لا يَتبعَّضُ.
[ ١٧ ]