الشَّهادةُ في اللُّغةِ: تُطلَق على معانٍ منها: العِلمُ والبَيانُ، والحُضورُ، والحَلِفُ، والإخبارُ.
والأصلُ في الشهادةِ: الكتابُ، كمَا في قولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٢].
والسُّنةُ: ما روَى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ ﵁ قال: يا رسولَ اللهِ إنِّي وَجَدتُ مع امرَأتِي رجلًا أُمهِلُه حتَّى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ؟ قال: «نَعَم».
والإجماعُ، والاعتبارُ؛ لدعاءِ الحاجةِ إليها.
مسألة: تَحمُّل الشَّهادةِ في حُقوقِ الآدَميِّين: فرضُ كفايةٍ، فإذا قامَ به مَنْ يَكفي سَقَط عن بَقيَّةِ المسلِمين، وإنْ لم يُوجَد إلاّ مَنْ يَكفي تَعيَّن عليه بشَرطِ عَدمِ الضَّررِ لِمَنْ تَحمَّل.
وأمَّا حُقوقُ اللهِ ﷿ فتَنقسِم إلى قِسمَين:
القِسم الأولُ: ما لا يُستَدام فيه التَّحريمُ، كالزِّنَى وشُربِ الخمرِ، فلا يَجِب التَّحمُّل، اللَّهُمَّ إلاّ إنْ كان مَشهورًا بالفِسقِ.
القِسمُ الثَّاني: ما يُستَدام فيه التَّحريمُ، كالعِتقِ، والطَّلاقِ، والخُلعِ، والظِّهارِ، فهذا يَجِب فيه التَّحمُّل والأَداءُ؛ وذلك لِحِمايةِ حُقوقِ اللهِ تعالى، ولِمَنعِ انْتِهاكِ حُرُماتِه.
[ ١٥٥ ]
لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]، قال ابنُ عباسٍ وغيرُه: المرادُ به التَّحمُّل للشَّهادةِ، وإثباتُها عندَ الحاكمِ. أخرجَه ابنُ جريرٍ الطبريُّ في تفسيره.
ولأنَّ الحاجةَ تَدعُو إلى ذلك؛ لإثباتِ الحُقوقِ والعُقودِ، فكان واجبًا، كالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ.
مسألة: أداءُ الشَّهادةِ فرضُ عينٍ على مَنْ تَحمَّلها متَى دُعِيَ إليه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، إنْ قَدَر على أَدائِها بلا ضَررٍ يَلحَقه في بَدَنِه أو عِرضِه أو مالِه أو أَهلِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢].
ولا يَحِلُّ كِتمانُ الشَّهادةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]، وهذا وَعيدٌ يُوجِب عدمَ الكِتمانِ مع انتفاءِ الضَّررِ، ومتَى وَجبَت الشَّهادةُ لَزِم كِتابتُها إذا خَشِيَ نِسيانَها، ويَحرُم أَخذُ الأجرةِ، إلاّ مع الحاجةِ، لكنْ إنْ عَجَز عن المَشْيِ، أو تأَذَّى به، فلَه أُجرةُ مَركوبٍ، والنَّفقةُ.
ولا يَحِلُّ أنْ يَشهَد أَحدٌ إلاّ بِما يَعلمُه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسرَاء: ٣٦]، وقال: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزّخرُف: ٨٦]، أي: يَعلمُ ما شَهِد به عن بَصيرةٍ وإيقانٍ.
والعلمُ إمَّا برُؤيةٍ أو سماعٍ مِنْ مَشهودٍ عليه، كبَيعٍ، وطلاقٍ، وغيرِ ذلك، أو سماعٍ باستِفاضةٍ فِيما يَتعذَّر عِلمُه غالبًا بِدُونِها، كنَسَبٍ، وموتٍ، ومِلكٍ مُطلَقٍ، ونكاحٍ عَقدِه ودَوامِه، ووَقفٍ، ونحوِها، كعِتقٍ وخُلعٍ.
ولا يَشهدُ باستِفاضةٍ إلاّ عن عَددٍ يَقَع بهم العلمُ.
[ ١٥٦ ]
وذَهَب أبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ مِنْ الحنفيَّةِ، والمتأخِّرون مِنْ أصحابِ الشافعيِّ إلى أنَّ المرادَ بالتَّسامُعِ: حُصولُ الشُّهرةِ ولو بخَبرِ عَدلَين، أو رَجلٍ وامرَأتَين بحَيثُ يَحصُل للشَّاهدِ مِنْ خَبرِهم نوعُ علمٍ، وفي هذه الحالةِ يُشتَرط أنْ يَكون الإخبارُ بلَفظِ الشَّهادةِ؛ لأنَّها تُوجِب زيادةَ عِلمٍ لا يُوجِبُها لَفظُ الخبريَّةِ، ولأنَّ الحُقوقَ تَثبُت بقولِ اثنَين.
واختارَ المَجدُ وشيخُ الإسلامِ: أو واحدٌ يَسكُن إليه.
ضابطٌ: يَجِب أنْ يَذكُر الشَّاهدُ ما يُشتَرط للحُكمِ، ويَختلِفُ الحُكمُ به في كلِّ ما يَشهَد فيه.
[ ١٥٧ ]