تُقبَل الشَّهادةُ على الشَّهادةِ في كلِّ حقٍّ للهِ أو حُقوقِ الآدَميِّين، ولا يُحكَم بالشَّهادةِ على الشَّهادةِ إلاّ أنْ تَتعذَّر شَهادةُ الأصلِ بموتٍ، أو مرضٍ، أو ضَررٍ، أو مَشقَّةٍ ظاهرةٍ؛ لأنه إذا أَمكَن الحاكمَ أنْ يَسمَع شَهادةَ شاهِدَي الأصلِ استَغْنَى عن البحثِ عن عدالةِ شاهِدَي الفَرعِ، وكان أَحوطَ للشَّهادةِ، ولا بُدَّ مِنْ دوامِ عُذرِ شُهودِ الأصلِ إلى حُكمِ القاضِي.
ولا بُدَّ أيضًا مِنْ ثُبوتِ عَدالةِ شاهِدَي الأصلِ، وشاهِدَي الفَرعِ إلى صُدورِ الحُكمِ، ودَوامِ عَدالَتِهم.
مسألة: إذا رَجَع الشُّهودُ لا يَخلُو مِنْ قِسمَين:
الأولُ: أنْ يَكون قَبلَ الحُكمِ بشَهادَتِهم فإنِّها تَسقُط، ولا يَجوز للقاضِي القضاءُ بها؛ لأنه حَصَل تَناقضٌ في كلامِ الشُّهودِ، والقاضِي لا يَقضِي بالمُتناقِضِ.
ولا ضمانَ على الشُّهودِ عندَ رُجوعِهم عن شَهادَتِهم قَبلَ الحُكمِ لأَحدِ الخَصمَين؛ لأنه لا يَثبُت الحقُّ بالشَّهادةِ إلا القضاءِ، ويُعاقَبون بالتَّعزيرِ وذلك في غَيرِ الزِّنَى، وأمَّا في الزِّنَى فإنَّ رُجوعَهم قَبلَ القضاءِ يَنعقِد قَذْفًا لا شَهادةً.
الثَّاني: أنْ يَكون بعدَ الحُكمِ وقَبلَ الاستِيفاءِ، فنَوعان:
النَّوعُ الأولُ: أنْ يَكون في الحُدودِ، والقِصاصِ فلا يَجوز الاستِيفاءُ؛ لِعِظَمِ حُرمَةِ الدِّماءِ.
النَّوعُ الثَّاني: أنْ يَكون المحكومُ به مالًا أو غيرَه مِنْ الحُقوقِ، فقَد اختَلَف
[ ١٦٦ ]
الفقهاءُ في نَقضِ الحُكمِ على قَولَين:
الأولُ: أنه يَجِب نَقضُه.
وبهذا قال الحسنُ البَصْريُّ، وحَمَّادُ، والأَوزاعيُّ، وسعيدُ بنُ المُسيَّبِ، وابنُ حَزمٍ؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما ثَبَت بشَهادةِ الشُّهودِ، فإذا رَجَعوا عنها زالَ ما ثَبَت به الحُكمُ، فيَجِب نَقضُه كمَا لو كانا كافِرَين.
الثَّاني: أنه لا يُنقَض الحُكمُ.
وبهذا قال جُمهورُ الفقهاءِ؛ لأنَّ كلامَ الشُّهودِ مُتناقِضٌ، فكمَا لا يُحكَم بالمتناقِضِ لا يُنقَض الحُكمُ بالمتناقِضِ؛ لأنَّ الكلامَ المتناقِضَ ساقطُ العِبرَةِ عَقلًا وشَرعًا.
وأمَّا ما يَتعلَّق بالضَّمانِ: فيَضمَن الشُّهودُ بعدَ صُدورِ الحُكمِ؛ لأنَّ الحقَّ ثَبَت للمشهودِ له على المشهودِ عليه فكان له استِيفاؤُه كمَا لو لم يَرجِعوا عن الشَّهادةِ.
وإذا كان الرُّجوعُ عن قِصاصٍ أو حَدٍّ فيُقتَصُّ مِنْ الشُّهودِ عندَ رُجوعِهم؛ لِما روَى الشَّعبيُّ: "أنَّ رَجُلَين شَهِدَا عندَ عليٍّ ﵁ على رَجُلٍ أنه سَرَق فقَطَعَه، ثم أَتيَاه برَجُلٍ آخَرَ فقالَا: أَخطَأْنا بالأولِ وهذا السَّارقُ، فأَبطَل شَهادَتَهما على الآخَرِ وضَمَّنَهما دِيَةَ يَدِ الأولِ، وقال: لو أَعلَم أَنَّكُما تَعمَّدتُما لقَطَعْتُكما". رَواه البخاريُّ.
ولا مُخالِف له مِنْ الصحابةِ، فيَكون إجماعًا.
مسألة: المسائلُ الَّتي يُستَحلَف فيها:
١ - حُقوقُ اللهِ تعالى غيرُ الماليَّةِ كالحُدودِ، والعِباداتُ كالصلاةِ والصيامِ
[ ١٦٧ ]
ونحوِ ذلك، فقَد اتَّفقَت المذاهبُ الأربعةُ على أنه لا يُستَحلَف فيها.
٢ - حُقوقُ اللهِ تعالى الماليَّةُ، كالزَّكاةِ والكَفَّاراتِ والنُّذورِ، يُستَحلَف المُنكِرُ لذلك؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ.
٣ - حُقوقُ الآدَميِّين يُستًحلًف فيها.
واليمينُ المشروعةُ: هي اليمينُ باللهِ تعالى، أو صِفَةٍ مِنْ صِفاتِه.
ولا يَجوز الحَلِف بغيرِ اللهِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ اللهَ يَنْهاكُم أنْ تَحلِفُوا بِآبائِكُم، فمَن كانَ حالِفًا فَلْيَحلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ». متَّفق عليه.
مسألة: لا تُغلَّظُ اليمينُ إلاّ فِيما له خَطرٌ إذا رَآه القاضِي؛ فتُغلَّظُ باللَّفظِ؛ لِما رُوِي أنَّ النبيَّ ﷺ قال لليهوديِّ: «أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذي أَنْزَلَ التَّوراةَ على مُوسَى أَهكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزِّنَى في كِتابِكُم؟» قال: لا، ولَولا أنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهذا ما أَخبَرتُكَ". رَواه مسلمٌ.
وتُغلَّظُ بالزَّمانِ: أنْ يَحلِف بعدَ العَصرِ، أو بينَ الأذانِ والإقامةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المَائدة: ١٠٦].
وتُغلَّظُ بالمكانِ بمَكةَ، بينَ الرُّكنِ والبابِ، وبالمدينةِ بالرَّوضةِ، وبَقيَّةِ البلادِ عندَ مِنبَرِ الجامعِ؛ لقوله ﷺ: «مَنْ حَلَف على مِنْبَري هذا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَه مِنْ النَّارِ». رَواه أحمدُ، وأبو داودَ مِنْ حديثِ جابرٍ، وصحَّحه الحاكمُ.
[ ١٦٨ ]