العاقلةُ: مِنْ عَقَلَ، والعَقلُ في اللُّغةِ له معانٍ كثيرةٌ، ومنها:
الحِجرُ، والنُّهَى ضدُّ الحُمقِ، والتَّثبُّت في الأمورِ، والحَبسُ، والدِّيَةُ.
واصطلاحًا: ذُكورُ عَصَباتِ القاتلِ، كالآباءِ، والأبناءِ، والإخوةِ وبَنِيهِم، والأعمامِ وبَنِيهِم، قَريبُهم، وبَعيدُهم، كابنِ ابنِ ابنِ عَمِّ جَدِّ الجانِي، حاضرُهم وغائبُهم، يًحملون الدِّيَةَ عن القاتلِ.
والأصلُ في ذلك: ما روَى أبو هريرةَ ﵁ قال: "قضَى رسولُ اللهِ ﷺ في جَنينِ امرأةٍ مِنْ بَنِي لَحْيانَ سقَطَ مَيتًا بِغُرَّةٍ -دِيَةِ جَنينٍ- عبدِ أو أَمَةٍ، ثُم إنَّ المرأةَ التي قُضِي عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها". متَّفق عليه.
ولِما ورَد عن عمرَ أنه بعثَ إلى امرأةٍ، ففَزِعَت فأجهَضَت ذا بَطنِها، فاستشارَ الصَّحابةَ في ذلك فقال عليٌّ: إنَّ دِيَتَه عليك لأنَّك أَفزعتَها، فقال عمرُ: عَزمتُ عليكَ لَمَا قَسَمتَها على قومِكَ -أي: الدِّيَةَ- أخرجَه ابنُ أَبي شَيبةَ، وعبدُ الرَّزاقِ.
وحُكِي الإجماعُ على مشروعيَّةِ العاقلةِ.
شُروطُ العاقلةِ: يُشترط لِمَنْ يَحمل الدِّيَةَ عن القاتلِ شُروطٌ:
١ - الحُرَّية، فلا عَقلَ على رَقيقٍ؛ لأنه لا يَملِك، ولو مَلَك فمِلكُه ضَعيفٌ.
٢ - التَّكليفُ، فلا عَقلَ على صَغيرٍ ومجنونٍ؛ لِما ورَد عن عليٍّ ﵁ عن
[ ٤٢ ]
النبيِّ ﷺ قال: «رُفِع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: … وعن المجنونِ حتى يَعقِلَ». تقدَّم قريبًا. ولأنَّهما لَيسَا مِنْ أهلِ النُّصرةِ.
٣ - الغِنَى، فلا عَقلَ على فَقيرٍ؛ لأنه ليس مِنْ أهلِ المواساةِ.
٤ - الذُّكورةُ، فلا يَجِب العَقلُ على أُنثَى؛ لأنَّها ليسَت مِنْ أهلِ النُّصرةِ.
٥ - اتِّفاقُ الدِّينِ، فلا يَعقِل كافرٌ عن مسلمٍ، ولا يَعقِل مسلمٌ عن كافرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفَال: ٧٣]. ولأنَّ التَّعاقُل يَنبَنِي على المُوالاةِ والتَّناصُر، وذلك يَنعدِمُ عند اختلافِ الدِّينِ.
٦ - أنْ لا يَكونَ القَتلُ عَمدًا، فلا تَحمِل العاقلةُ عَمدًا مَحضًا؛ لِما روَى سليمانُ بنُ عمرِو بنِ الأحوصِ، قال: حدَّثَني أَبي أنه شَهِد حَجَّةَ الوَدَاعِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا يَجنِي جَانٍ إلاّ على نَفسِه، لا يَجنِي والدٌ على وَلَدِه، ولا مَولودٌ على والدِه». أخرجَه أحمدُ، الترمذيُّ، والنَّسائيُّ في الكُبرَى، وابنُ ماجَه، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.
ولأنَّ العامِدَ غيرُ معذورٍ.
مسألة: تَحمِل العاقلةُ قَتلَ الخطأِ وشِبهِ العَمدِ؛ لِما رُوي عن أَبي هريرةَ ﵁ قال: "اقتَتلَت امرَأَتان مِنْ هُذَيلٍ فرَمَت إحداهُما الأخرَى بحَجَرٍ، فقتَلَتها وما في بَطنِها، فقضَى النبيُّ ﷺ أنَّ دِيَةَ جَنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وَلِيدةٌ، وقضَى بِدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها". متَّفق عليه.
وقد أَجمعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ دِيَةَ جِنايةِ الخطأِ على العاقلةِ بلا خلافٍ (المُغنِي ٧/ ٦٥٠ - ٦٥١). قال ابنُ المنذِر (الاجماع له ص ١٥١): "وأَجمعَ أهلُ العلمِ أنَّ دِيَةَ الخطأِ تَحمله العاقلةُ" لِما تقدَّم مِنْ الأدِلَّة في البابِ.
وعَمدُ الصَّبيِّ والمجنونِ حالَ جُنونِه على العاقلةِ؛ إذْ هو مِنْ الخطأِ.
[ ٤٣ ]
٧ - أنْ تكونَ الجِنايةُ على نَفسٍ آدميَّةٍ، فلا تَحملُ قيمةَ مُتلَفٍ، ولا جنايةً على حيوانٍ.
٨ - ألاّ يكونَ الجاني قد اعترفَ بجِنايتِه، أو صالحَ عليها.
لا خِلافَ بين الفقهاءِ أنه إنْ اعترفَ الشخصُ بجِنايتِه الخطأِ أو شِبهِ العَمدِ، واعترَفَت معه العاقِلَةُ بذلك، أو صَدَّقَته فالدِّيَةُ عليها.
أمّا إذا لم تُصدِّقْه العاقلةُ في اعترافِه ولم تَعترفْ معَه: فإنْ كان متَّهمًا في إقرارِه فلا تَحملُ العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِما ورَد عن عمر ﵁ قال: "لا تَحملُ العاقلةُ عَمدًا، ولا عَبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما دونَ الثُّلثٍ" أخرجَه الدارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وإنْ كان عدلًا غيَر متَّهمٍ فتَحمل العاقلةُ دِيَةَ جِنايتِه؛ لِعمومِ الأدلَّةِ.
وقال ابنُ القيِّمِ في إعلامِ الموقِّعين (٢/ ٤٠): "وهو أنَّ المدَّعِي والمدَّعَى عليه قد يَتواطآن على الإقرارِ بالجنايةِ ويَشتركان فيما تَحمله العاقلةُ ويَتصالحان على تَغريمِ العاقلةِ، فلا يَسري إقرارُه ولا صُلحُه، فلا يَجوز إقرارُه في حقِّ العاقلةِ، ولا يُقبَل قولُه فيما يَجِب عليها مِنْ الغرامةِ، وهذا هو القياسُ الصَّحيحُ".
ولا خلافَ بينَ الفقهاءِ أنَّ العاقلةَ لا تَحملُ الجنايةَ بالصُّلحِ؛ لأثرِ ابنِ عباسٍ ﵄، ولأن ما ثبَت في الصُّلحِ لم يَثبتْ بالجنايةِ، ولأنه إنّما يَثبُت بفعلِه واختيارِه، فلَم تَحملْه العاقلةُ، وذلك: أنْ يُدعَى عليه ويُصالَح عن ذلك.
مسألة: العاقلةُ لا تَحملُ دِيَةَ ما دونَ النَّفسِ، وتَحمل دِيَةَ النَّفسِ؛ لحديثِ أَبي هريرةَ ﵁، ولِعِظَمِ الغرامةِ، ولحُرمةِ النُّفوسِ. وقيل: وتحمل أيضا ثلث دية النفس فما فوق.
[ ٤٤ ]
وتَعجيل الدِّيَةِ وتأجيلُها على العاقلةِ بحسَبِ الحالِ والمصلحةِ فإنْ كانوا مَياسِيرَ ولا ضررَ عليهم في التَّعجيلِ أُخذَت حالَّةً، وإنْ كان في ذلك مشقَّةٌ جُعلَت مؤجَّلةً حسَبَ ما يَراه القاضِي.
ويَجتهد الحاكمُ في تَحميلِ كلٍّ منهم ما يَسهُل عليه، ويَبدأ بالأَقربِ فالأَقربِ، وتُؤخذ مِنْ بعيدٍ لغَيبةِ قريبٍ، ويُؤخذ مِنْ الغنيِّ بقَدْرِه، ومِن دونِه بقَدْرِه على قَدْرِ طاقتِه في اليُسْرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦].
لأنَّ النبيَّ ﷺ كما في حديثِ أَبي هريرةَ قضَى بالدِّيَةِ على العاقلةِ، ولم يُحدِّد مِقدارًا معيَّنًا على كلِّ فردٍ منها، فوجَب أنْ يَحملَ كلُّ فردٍ ما يُطيق، وما كان هذا سَبيلَه، فالرُّجوع فيه إلى القاضِي، قال في الشَّرحِ الكبيرِ (٩/ ٦٦١): "وجُملةُ ذلك أنه يَبدأ في قِسمةِ الدِّيَةِ بين العاقلةِ، الأقربُ فالأقربُ، فيَقسم على الإخوةِ وبَنِيهِم، والأعمامِ وبَنِيهِم، ثم أعمامِ الأبِ ثم بَنِيهِم، ثم أعمامِ الجَدِّ ثم بَنِيهِم، كذلك أبدًا، حتى إذا انقرَضَ النَّاسِبون، فعلى المَولَى المعتِقِ ثم على عَصَباتِه، ثم على مَولَى المَولَى، ثم على عَصَباتِه، الأقربُ فالأقربُ، كالميراثِ سَواءً، وإنْ قلنا الآباءُ والأبناءُ مِنْ العاقلةِ بُدِئَ بهم؛ لأنهم أقربُ، ومتى اتَّسعَت أموالُ قومٍ للعَقلِ لم يَعْدُهم إلى مَنْ بَعدَهم؛ لأنه حقٌّ يُستحَقُّ بالتِّعصيبِ، فقُدِّم الأقربُ فالأقربُ، كالميراثِ ووِلايةِ النِّكاحِ". مسألة: مَنْ لا عاقلةَ له، أو له وعَجَزَت، فإنْ كانَ كافرًا فالدِّيَةُ عليه، وإنْ كانَ مسلمًا فمِن بيتِ المالِ حالَّةً إنْ أَمكَن، فعَن سهلِ بنِ أَبي حَثْمةَ أَخبَر: "أنَّ نَفَرًا مِنْ قومِه انطلَقوا إلى خَيبرَ فتفرَّقوا فيها ووَجدُوا أحدَهم قَتيلًا … فكَرِه النبيُّ ﷺ أنَّ يُطَلَّ دُمَه، فوَدَاه مائةً مِنْ إبِلِ الصَّدقةِ". متَّفق عليه.
[ ٤٥ ]
ونُوقش: أنَّ هذا قَتيلُ اليهودِ، وبيتُ المالِ لا يَعقِل عن الكفَّارِ بحالٍ، ففَعَله النبيُّ ﷺ تفضُّلًا.
ولِما ورَد أنَّ أبا موسَى الأشعريَّ كتَب إلى عمرَ: "الرَّجُل يَموت بَينَنا ليس له رَحِمٌ، ولا مَولى، ولا عَصبةَ، فكتَب إليه عمرُ ﵁: "إنْ ترَك رَحِمًا فرَحِمٌ، وإلاّ فالمَولى، وإلاّ فلِبَيتِ مالِ المسلِمين، يَرِثُونه ويَعقِلون عنه". أخرجَه عبدُ الرزاقِ، وابنُ أَبي شيبةَ، ولِما ورَد أنَّ رجلًا قُتِل في زِحامِ الناسِ في زمنِ عمرَ، فلم يُعرفْ قاتلُه، فقال عليٌّ: "يا أميرَ المؤمِنين، لا يُطَلُّ دَمُ رجلٍ مسلمٍ"، فأدَّى دِيَتَه مِنْ بيتِ المالِ. أخرجَه عبدُ الرزاقِ، وابنُ أَبي شيبةَ.
فإنْ لم يُمكِن أَخذُ الدِّيَةِ مِنْ بيتِ المالِ وَجبَت على الجانِي؛ لِعموم قولِه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢].
ولأنَّ الأمرَ دائرٌ بين أنْ يُطَلَّ دَمُ المقتولِ، وبين إيجابِ دِيَتِه على المُتلِفِ، فلا يجوزُ الأولُ؛ لأنَّ فيه مخالفةَ الكتابِ والسُّنةِ، وقياسِ أصولِ الشَّريعةِ، فتَعيَّن الثَّاني.
[ ٤٦ ]