مِنْ قَسَمتَ الشيءَ، إذا جَعَلتَه أقسامًا، والقِسمُ بكَسرِ القافِ: النَّصيبُ.
وهي تَميِيزُ بَعضِ الأَنْصِبَاءِ مِنْ بَعضٍ وإفرازُها عنها.
الأصلُ فيها: الكتابُ، والسُّنةُ، والإجماعُ:
مِنْ الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ *﴾ [القَمَر: ٢٨]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النِّسَاء: ٨].
ومِن السُّنةِ: ما روَى جابرٌ ﵄: "أنَّ النبيَّ ﷺ قضَى بالشُّفْعَةِ فِيما لم يُقسَم، فإذا وَقعَت الحُدودُ وصُرِّفَت الطُّرقُ فلا شُفعَةَ". رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وقَسَم النبيُّ ﷺ غَنائِمَ خَيبرَ على ثمانيةَ عشرَ سَهمًا، وكان يَقسِم الغَنائِمَ بين الغانِمِين.
وأَجمَعَت الأُمَّةُ على جوازِ القِسمَةِ.
والقِسمَةُ نَوعان:
الأولُ: قِسمةُ التَّراضِي: وهي ما لا يَنقسِم إلاّ بضَرَرٍ، أو لا تَنقسِم إلاّ بِرَدِّ عِوَضٍ مِنْ أَحدِهِما على الآخَرِ إلاّ برِضَا الشُّرَكاءِ؛ مِثلُ الأرضِ الصَّغيرةِ، والبيتِ الصَّغيرِ، ونحوِ ذلك.
لقاعدةِ: «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، فهذه القِسمةُ بَيعٌ فِيما يُقابِل المَردُودَ -تَثبُت له أحكامُ البيعِ-، وإفرازٌ فِيما عَدَاه؛ لأنَّ المُعاوَضةَ وَقعَت في مُقابِلِ الجزءِ الزائدِ فيَقتَصِر مَعنَى المُعاوَضةِ عليه، وكذا إفرازٌ إنْ وَقعَت بإجبارِ القاضِي.
[ ١٥٢ ]
ولا يُجبَر مَنْ امتَنَع مِنْ قِسمَتِها؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ، ولِما فيها مِنْ الضَّررِ، ومَن دَعَا شَريكَه فيها إلى بَيعٍ أو إجارةٍ أُجبِر، فإنْ أَبَى باعَه الحاكمُ عليهما وقَسَم الثَّمَنَ بَينَهما على قَدْرِ حِصَصِهما.
والضَّررُ المانعُ مِنْ قِسمةِ الإجبارِ: نَقصُ القِيمةِ بالقِسمةِ.
الثَّاني: قِسمةُ إجبارٍ، وهي: ما لا ضَررَ، ولا رَدَّ عِوَضٍ في قِسمَتِه. كالدَّارِ الكبيرةِ، والأرضِ الواسعةِ، والمَكِيلِ، والمَوزونِ كالأَدهانِ والأَلبانِ ونحوِها، إذا طَلَب الشَّريكُ قِسمتَها أُجبِر شَريكُه عليها إنْ امتَنَع مِنْ القِسمةِ مع شَريكِه.
وهذه القِسمةُ إفرازٌ لِحَقِّ أَحدِ الشَّريكَين مِنْ الآخَرِ، لا بَيعٌ؛ لأنَّها تُخالفُه في الأحكامِ.
مسألة: يَجوز للشُّرَكاءِ أنْ يَتقاسمُوا بأنفُسِهم، وبقاسِمٍ يَنصِبُونه، أو يَسأَلُوا القاضِيَ نَصْبَه، وأُجرَتُه على قَدْرِ الأَمْلاكِ، فإذا اقْتَسمُوا أو اقْتَرعُوا لَزِمَت القِسمةُ، وكيفَ اقْتَرَعُوا جازَ.
ويُشترَط في القاسِمِ القوَّةُ والأمانةُ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القَصَص: ٢٦].
وإنْ ظَهَر فيها غَبنٌ فاحشٌ ثَبَت فيها الِخيارُ.
مسألة: كيفيةُ القِسمةِ:
تُعدَّل السِّهامُ بالأجزاءِ إنْ تَساوَت كالمَكِيلاتِ والمَوزُوناتِ غيرِ المُختلِفَةِ، وبالقِيمةِ إنْ اختَلفَت بأنْ كانَت تَحتاج إلى تَقويمٍ كالأرضِ المُختلِفةِ الأجزاءِ، فإنَّها لا تَخلُو مِنْ ثلاثةِ أقسامٍ:
[ ١٥٣ ]
أَحدُها: أنْ تَكون السِّهامُ مُتساويةً وقيمةُ أجزاءِ المقسومِ مُختلِفةٌ، كأرضٍ بين سِتَّةِ أشخاصٍ لكلِّ واحدٍ سُدسُها، فهذه تُعدَّل بالقِيمةِ وتُجعَل سِتَّةَ أَسهُمٍ مُتساويةَ القِيمةِ، ثم يُقرَع بينهم، وكَيفما قُرِع جازَ.
الثَّاني: أنْ تَكون السِّهامُ مُختلِفةً وقيمةُ أجزاءِ المقسومِ مُتساويةٌ، مِثلُ أرضٍ بين ثلاثةٍ لأَحدِهم نِصفُها، وللثاني ثُلثُها، وللثالث سُدسُها، وأَجزاؤُها مُتساويةُ القِيمةِ، فإنَّها تُجعَل سِهامًا بقَدْرِ أَقلِّها وهو السُّدسُ، فتُجعَل سِتَّةَ أَسهُمٍ، وتُعدَّل بالأجزاءِ، ويُكتَب ثلاثُ رِقاعٍ بأَسمائِهم، ويُخرَج رِقعةٌ على السَّهمِ الأوَّلِ، فإنْ خَرجَت لصاحبِ السُّدسِ أَخذَه، ثم يُخرَج أُخرَى على الثَّاني، فإنْ خَرجَت لصاحبِ الثُّلثِ أَخَذ الثَّانيَ والثالثَ، وكانَت الثلاثةُ الباقيةُ لِصاحِبِ النِّصفِ بغيرِ قُرْعةٍ، وإنْ خَرجَت القُرْعةُ الثانيةُ لِصاحِبِ النِّصفِ أَخَذ الثَّانيَ والثَّالثَ والرابعَ، وكان الخامسُ والسَّادسُ لِصاحبِ الثُّلثِ.
الثالثُ: إذا اختَلفَت السِّهامُ والقِيمةُ، فإنَّ القاسمَ يُعدِّل السِّهامَ بالقِيمةِ ويَجعلُها سِتَّةَ أَسهُمٍ مُتساويَةَ القِيَمِ، ثم يُخرِج الرِّقاعَ فيها الأسماءُ على السِّهامِ كمَا في القِسمِ السابقِ سواءً، إلاّ أنَّ التَّعديلَ هَهُنا بالقِيَمِ، وفي الَّتي قَبلَها بالمِساحَةِ.
مسألة: مَنْ ادَّعَى غَلَطًا فالقِسمةُ تُنقَض إنْ قامَت البيِّنةُ على الغَلطِ، أو نَكَل المدَّعَى عليه عن اليمينِ؛ لأنَّ مُدَّعِي الغلطِ دَعوَاه بالحُجَّةِ فتُعادُ القِسمةُ بينَهم.
مسألة: إنْ خَرَج في نَصيبِ أَحدِهما عَيبٌ فلَه فَسخُ القِسمةِ إنْ كان جاهلًا بالعَيبِ، وله الإمساكُ مع الأَرْشِ للعَيبِ؛ لأنَّ ظُهورَ العَيبِ في نَصِيبِه نَقصٌ، فُخيَّرُ بين الأَرْشِ والفَسخِ، كالمُشتَري.
[ ١٥٤ ]