ضابطٌ: يَجِب في كلِّ مَنفعةٍ دِيَةٌ كاملةٌ، وهي السَّمعُ، والبصرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، والكلامُ، والعقلُ، ومنفعةُ المشيِ، والأكلِ، والنكاحِ، وعدمِ استمساكِ البَولِ والغائطِ، ونحوِها.
ففِي كتابِ عمرِو بن حَزمٍ ﵁: «وفي المَشامِّ الدِّيَةُ». تقدَّم قريبًا.
ولِقضاءِ عمرَ ﵁ في رَجُلٍ ضرَبَ رَجُلًا، فذَهبَ سمعُه وبصرُه ونكاحُه وعقلُه: بأربعِ دِياتٍ والرَّجُلُ حيٌّ.
وإنْ كان الناقصُ يُمكن تَقديرُه بأنْ لا يُدرِكَ بأحدِ المذاقِ الخَمسِ، وهي: الحَلاوةُ والمَرارةُ والحُموضةُ والمُلُوحةُ والعُذُوبةُ، ويُدرِكَ بالباقي ففِيه خُمسُ الدِّيَةِ، وفي اثنينِ خُمساهَا (المُغنِي ١٢/ ١٢٥). لأنَّ في كلِّ واحدٍ مِنْ هذه مَنفعةً كبيرةً، ليس في البَدنِ مثلُها، كالسَّمعِ والبصرِ، وفي ذهابِ بعضِ ذلك قَدْرُه مِنْ الدِّيَةِ، ففِي نِصفِ المنفعةِ نِصفُ الدِّيَةِ، ففِي بعضِ الكلامِ بِحِسابِه، ويُقسَم على ثمانيةٍ وعِشرين حَرفًا، وإنْ لم يُعلَم قَدْرُ الذاهِبِ، فحُكومةٌ.
مسألة: يَجِب في عينِ الأعورِ الدِّيَةُ كاملةً، قضَى به عمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وابنُ عمرَ، رواها ابن أبي شيبة، ولم يُعرَف لهم مُخالفٌ مِنْ الصَّحابةِ ﵃، ولأنَّ قَلعَ عينِ الأعورِ يَتضمَّن إذهابَ البصرِ كلِّه؛ لأنه يَحصل بعَينِ الأعورِ ما يَحصل بالعَينَين.
إذا كانَ الجانِي أَعورَ، فإذا كانَت الجِنايةُ خطأً؛ فلا خِلافَ بين أهلِ العلمِ في أنَّ الذي يَجِب بهذه الجِنايةِ نِصفُ الدِّيَةِ.
[ ٣٧ ]
وإذا كانَت الجنايةُ عَمدًا؛ فذهبَ الحنابلةُ إلى أنه لا قَوَدَ، وعليه دِيَةٌ كاملةٌ؛ لِما رُوي عن عمرَ، وعثمانَ ﵄، أخرجَه عبدُ الرازق، في رَفعِ القَوَدِ عن الأعورِ وإيجابِ الدِّيَةِ كاملةً.
ولأنَّ القِصاصَ يُفضي إلى استيفاءِ جميعِ البصرِ مِنْ الأعورِ، وهو إنما أَذهَب بصرَ عينٍ واحدةٍ، وإن كانَ قَلَعَها خطأً فنِصفُ الدِّيَةِ.
وذهبَ مالكٌ إلى أنه إنْ شاءَ اقتَصَّ، وإنْ شاءَ أخذَ دِيَةً كاملةً كالمسلِمِ إذا قَتلَ ذِمِّيًّا.
وذهبَ أبو حنيفةَ، والشافعيُّ إلى أنه إنْ شاءَ اقتَصَّ، أو عَفَا، وليس له إلاّ نِصفُ الدِّيَةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «وفي العَينِ الواحِدَةِ خَمسُونَ مِنْ الإِبِلِ». مِنْ حديثِ عمرِو بنِ حَزمٍ، وتقدَّم قريبًا.
ويَجِب في قَطعِ يَدِ الأَقطَعِ أو رِجلِه ولو عَمدًا نِصفُ الدِّيَةِ، كغيرِ الأَقطَعِ؛ لأنه عضوٌ أَمكَن القِصاصُ مِنْ مِثلِه، فكان الواجبُ فيه القِصاصُ أو دِيَةُ مِثلِه.
[ ٣٨ ]