البَغْيُ لُغةً: مَصدرُ بَغَى، يُقال: بَغَى يَبْغِي بَغْيًا أيْ: تَعدَّى واسْتَطالَ وعَلَا وظَلَم وعَدَل عن الحَقِّ.
والبَغيُ اصطلاحًا: هو الخروجُ على الإمامِ بتَأويلٍ سائِغٍ مِمَّن لهُم شَوكةٌ ومَنَعةٌ.
والأصلُ فيه: الكتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجرَات: ٩] فأَوجَب تعالَى قِتالَ البَاغِينَ على أهلِ الإيمانِ.
ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو قال: سَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «مَنْ أَعطَى إمامًا صَفقةَ يَدِه وثَمرَةَ قَلبِه فليُطِعْه ما استَطاعَ، فإنْ جاءَ أَحدٌ يُنازِعُه فاضْرِبُوا عُنقَ الآخرِ». رَواه مسلمٌ.
فكلُّ مَنْ ثَبتَت إمامتُه وَجبَت طاعتُه وحَرُم الخروجُ عليه وقِتالُه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩].
وأَجمعَت الصحابةُ ﵃ على قِتالِ البُغاةِ، فإنَّ أبَا بكرٍ ﵁ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ ﵁ قاتَلَ أهلَ الجَملِ وأهلَ صِفِّينَ وأهلَ النَّهرَوَانِ.
مسألة: الإمامُ الأعظمُ لا يَخلُو مِنْ أمورٍ:
١ - أنْ يَكون عادلًا، فيَحرُم الخُروجُ عليه بالإجماعِ.
٢ - أنْ يَكون فاسقًا، فيَحرُم الخروجُ عليه عند أَهلِ السُّنةِ والجماعةِ، بل يُناصَح ويُخوَّف باللهِ ﷿.
[ ١٠٢ ]
٣ - أنْ يَكون كافرًا فهذا لا يُمكَّن مِنْ التَّولِّي على المسلِمينَ، بشَرطِ: القُدرةِ على تَنحِيَتِه، وأنْ لا يَترتَّب على عَزلِه مَفسدةٌ مِنْ سَفكِ الدِّماءِ وإتلافِ الأموالِ أَعظمَ مِنْ مَفسدةِ بَقائِه.
مسألة: شُروطُ البُغاةِ:
١ - أنْ يَكون لهُم شَوكةٌ ومَنَعةٌ وقُوَّةٌ.
٢ - أنْ يَكون لهُم شُبهةُ تأويلٍ سائغٍ، كمَا لو قالُوا المسألةُ الفُلانيَّةُ مُحرَّمةٌ، فهُم بُغاةٌ ظَلَمةٌ؛ لِعُدولِهِم عن الحقِّ وما عليه أَئِمةُ المسلِمينَ، فإنَّ الحقَّ عدمُ الخروجِ على الإمامِ ولو كانَ فاسقًا، بل يُناصَح، فإنْ كانُوا جَمعًا يَسيرًا لا شَوكةَ لهُم، أو لم يَخرُجوا بتأويلٍ، أو خَرجُوا بتأويلٍ غيرِ سائغٍ، فقُطَّاعُ طَريقٍ، تَجرِي عليهم أَحكامُ قُطَّاعِ الطَّريقِ.
مسألة: نَصبُ الإمامِ فَرضُ كِفايةٍ؛ لأنَّ بالناسِ حاجةً إلى ذلك؛ لِحمايةِ الدِّينِ والدِّماءِ والأعراضِ والأموالِ، والذَّبِّ عن البَلدِ، وإقامةِ الحدودِ واستِيفاءِ الحُقوقِ، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكَرِ.
قال شيخُ الإسلامِ في السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ (٤/ ٢٠): "يَجِب أنْ يَعرِف أنَّ وِلايةَ الناسِ مِنْ أعظمِ واجباتِ الدِّينِ، بل لا قِيامَ للدِّينِ إلا بها، فإنَّ بَنِي آدمَ لا تَتِمُّ مَصلَحتُهم إلاّ بالاجتماعِ لِحاجةِ بَعضِهم إلى بعضٍ، ولا بُدَّ لهُم عند الاجتماعِ مِنْ رأسٍ، حتَّى قال النبيُّ ﷺ: «إذا خَرَج ثلاثةٌ في سَفرٍ فليُؤمِّرُوا أَحدَهم». رَواه أبو داودَ مِنْ حديثِ أَبي سعيدٍ وأَبي هريرةَ.
ورَوى الإمامُ أحمدُ في المُسندِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لِثلاثةٍ يَكونون بِفَلَاةٍ مِنْ الأرضِ إلاّ أَمَّرُوا عليهم أَحدَهم».
فأَوجَب ﷺ تَأمِيرَ الواحدِ في الاجتماعِ القَليلِ العارِضِ في السَّفرِ تنبيهًا
[ ١٠٣ ]
على سائرِ أَنواعِ الاجتماعِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أَوجَب الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ، ولا يَتِمُّ ذلك إلا بقُوَّةٍ وإمارةٍ، وكذلك سائرُ ما أَوجَبه مِنْ الجهادِ والعدلِ وإقامةِ الحجِّ والجُمَعِ والأعيادِ ونَصرِ المظلومِ، وإقامةُ الحدودِ لا تَتِمُّ إلا بالقُوَّةِ والإمارةِ، ولهذا رُوِي: «إنَّ السُّلطانَ ظِلُّ اللهِ في الأرضِ» ويُقال: سِتُّون سنةً مِنْ إمامٍ جائرٍ أَصلَحُ مِنْ ليلةٍ بِلَا سُلطانٍ، والتَّجرِبَةُ تُبيِّنُ ذلك".
وقال في مِنهاجِ السُّنةِ النبويَّةِ (١/ ٥٤٧): "ومِن المعلومِ أنَّ الناسَ لا يَصلُحون إلاّ بوُلاةٍ، وأنه لو تَولَّى مَنْ هو دُونَ هؤلاءِ مِنْ الملوكِ الظَّلَمةِ لَكانَ ذلك خيرًا مِنْ عَدَمِهم، كمَا يُقال: "سِتُّونَ سَنةً مع إمامٍ جائرٍ خيرٌ مِنْ ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامٍ"، ويُروَى عن عليٍّ ﵁ أنه قال: "لا بُدَّ للناسِ مِنْ إمارةٍ، بَرَّةً كانَت أو فاجرَةً"، قِيل له: هذه البَرَّةُ قد عَرَفْناها، فما بالُ الفاجرةِ، قال: "يُؤمَّنُ بها السَّبيلُ ويُقام بها الحدودُ، ويجاهَدُ بها العدوُّ ويُقسَم بها الفَيءُ". ذكَرَه عليُّ بنُ مَعبدٍ في كتابِ الطاعةِ والمعصيةِ.
يَشترِطُ الفقهاءُ للإمامِ شُروطًا، منها ما هو متَّفقٌ عليه، ومنها ما هو مُختَلَفٌ فيه:
شُروطُ الإمامةِ:
أ- الإسلامُ: قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النِّسَاء: ١٤١]، والإمامةُ كمَا قال ابنُ حزمٍ: أَعظمُ السَّبيلِ، ولِيُراعيَ مَصلَحةَ المسلِمينَ.
ب- التَّكليفُ: ويَشملُ العقلَ، والبُلوغَ، فلا تَصِحُّ إمامةُ صَبيٍّ أو مجنونٍ؛ لأنَّهما في وِلايةِ غيرِهما، فلا يَلِيانِ أَمرَ المسلِمينَ.
ج- الذُّكورةُ: فلا تَصِحُّ إمارةُ النِّساءِ؛ لحديثِ أَبي بَكرَةَ ﵁: «لَنْ يُفلِحَ
[ ١٠٤ ]
قَومٌ وَلَّوا أَمرَهُم امرأةً». رَواه البخاريُّ.
د- الكِفَايةُ، القوَّةُ والأمانةُ، والقوَّةُ: هي الجُرأةُ والشَّجاعةُ والنَّجدةُ، بحيثُ يَكون قَيِّمًا بأمرِ الحربِ والسياسةِ وإقامةِ الحدودِ والذَّبِّ عن الأُمَّةِ. والأمانةُ، أيْ: على وَظَائِفِه.
هـ- الحُرِّيةُ: فلا يَصِحُّ عَقدُ الإمامةِ لِمَنْ فيه رِقٌّ؛ لأنه مَشغولٌ في خِدمةِ سَيِّدِه.
و- سَلامةُ الحواسِّ والأعضاءِ مِمَّا يُمكِنه مِنْ القيامِ بوَظَائفِه.
مسألة: العَملُ مع البُغاةِ.
يَجِب على الإمامِ أن يُراسِل البُغاةَ فيَسأَلَهم عمَّا يَنقِمُون منه، فإنْ ذَكرُوا مَظلمةً أَزَالَها، وإنْ ادَّعَوا شُبهةً كَشَفَها؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحُجرَات: ٩]، والإصلاحُ إنَّما يَكون بذلك كمَا فَعَل عليٌّ ﵁، فإنه بَعَث ابنَ عباسٍ إلى الخوارجِ لمَّا تَظاهَرُوا بالعبادةِ والخشوعِ وحَملِ المَصاحِفِ لِيَسألَهم عن سَببِ خُروجِهِم، وبيَّن لهُم الحُجَّةَ الَّتي تَمسَّكُوا بها، فإنْ فاؤُوا أيْ: رَجَعُوا عن البَغيِ وطَلَبِ القتالِ تَرَكَهم؛ لأنَّ المقصودَ كَفُّهُم ودَفعُ شَرِّهِم لا قَتلُهم، وإلاّ يَرجِعُوا قاتَلَهم وجوبًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحُجرَات: ٩].
ولقولِه ﷺ: «مَنْ أَتاكُم وأَمرُكم جميعٌ على رَجُلٍ واحدٍ يُريدُ أنْ يَشُقَّ عَصَاكُم أو يُفرِّقَ جَماعتَكُم فاقتُلُوه». صحيحُ مسلمٍ.
وإجماعِ الصحابة، حيثُ أَجمَعوا على قِتالِ الخارِجِين على أَبي بكرٍ ﵁ مِنْ مُرتَدِّين وبُغاةٍ، وعلى رَعيَّتِه مَعُونتُه؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا
[ ١٠٥ ]
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩].
ويَحرُم قِتالُهم بِما يَعُمُّ إتلافَهُم، وقَتلُ ذُرِّيَّتِهم، ومُدْبِرِهِم وجَرِيحِهِم، ومَن تَرَك القتالَ منهم.
واتَّفق الأئمةُ رحمهُم اللهُ تعالى على أنَّ البُغاةَ لا تُقسَم لهُم أموالٌ، ولا تُسبَى لهُم نساءٌ؛ لِما روَى أبو أُمَامةَ ﵁ قال: "شَهِدتُ صِفِّينَ، فكانُوا لا يُجهِزُونَ على جَريحٍ، ولا يَقتُلون مُولِّيًا، ولا يَسلُبُون قَتيلًا". رواه الحاكمِ وصحَّحه، والبيهقيِّ في الكبرى.
ولقولِ أميرِ المؤمِنينَ عليٍّ ﵁ في المُحارِبين الخارِجِين عليه: "لا يُتبَع مُدبِرٌ، ولا يُذفَّفُ على جَرِيحٍ، ولا يُقتَلُ أَسِيرٌ". رواه البيهقيِّ في الكبرى مِنْ عِدَّةِ طُرقٍ بألفاظٍ مُختلِفةٍ، والحاكمِ وصحَّحه.
وإذا انقَضَت الفِتنةُ فمَن وَجَد منهم مالَه بِيَدِ غيرِه أَخَذه؛ لأنَّ أَموالَهم كأموالِ غيرِهم مِنْ المسلِمينَ لا يَجوزُ اغتِنامُها؛ لِبقاءِ مِلكِهم علَيها، وما تَلِف حال حَربٍ غيرُ مَضمونٍ، قال الزُّهريُّ: "هاجَت الفِتنةُ، وأصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ مُتَوَافِرُون، فأَجمَعوا أنه لا يُقادُ أَحدٌ ولا يُؤخَذُ مالٌ على تأويلِ القرآنِ إلاّ ما وُجِد بعَينِه".
مسألة: إنْ اقتَتَلَت طائِفَتان لِعَصبيَّةٍ ضَمِنَت كلُّ واحدةٍ مِنْ الطَّائِفَتَين ما أَتلَفَت على الأُخرَى.
[ ١٠٦ ]