الدَّعوَى لُغةً: الطَّلبُ، قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ *﴾ [يس: ٥٧] أي: يَطلُبون.
واصطلاحًا: إضافةُ الإنسانِ إلى نَفسِه استِحقاقَ شيءٍ في يَدِ غَيرِه، أو ذِمَّتِه.
المُدَّعِي: مَنْ إذا سَكَت عن الدَّعوَى تُرِك.
والمدَّعَى عليه: مَنْ إذا سَكَت لم يُترَك، فهو المُنكِرُ.
إذا حَضَر الخَصمانِ للقاضِي سَألَهما القاضِي: أيُّكما المدَّعِي؟ لأنَّ سُؤالَه عن المدَّعِي مِنهما لا تَخصيصَ فيه لواحدٍ منهما، وإنْ شاء القاضِي سَكَت حتَّى يَبدأَ الخصمُ.
فإذا ذَكَر المدَّعِي دَعوَاه، فالمدَّعَى عليه لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ: إمَّا أنْ يُقِرَّ، أو يَسكتَ، أو يُنكرَ.
فإنْ أَقرَّ المدَّعَى عليه للمدَّعِي؛ حُكِم له عليه.
وإنْ أَنكَر المدَّعَى عليه، أو سَكَت المدَّعى عليه ولم يُجِب -فهو كالمنُكِرِ-؛ قال القاضِي للمدَّعِي: إنْ كان لكَ بَيِّنةٌ فأَحضِرْها إنْ شِئتَ، فإنْ أَحضَرَها سَمِعَها وحَكَم بها، إذا اتَّضَح له الحُكمُ، فإنْ لم يَتَّضِح له الحُكمُ أَخَّرَه حتَّى يَتَّضِحَ له.
فإنْ لم يَكُنْ للمدَّعِي بيِّنةٌ، فعَلَى المدَّعَى عليه اليمينُ، فإذا حَلَف المدَّعَى عليه بَرِئَ، وإنْ أَبَى أنْ يَحلِف حَكَم عليه القاضِي؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجرٍ
[ ١٤٦ ]
الحَضرميُّ أنَّ رَجُلَين اختَصَمَا إلى النبيِّ ﷺ، حَضْرميٍّ وكِندِيٍّ، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا غَلَبَني على أرضٍ لي، فقال الكِندِيُّ: هي أَرضِي وفي يَدِي، وليسَ له فيها حقٌّ، فقال النبيُّ ﷺ للحَضرميِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُه». رَواه مسلمٌ.
ولحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهُم لادَّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأَموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليه». متَّفق عليه.
فإنْ حَلَف المُنكِرُ وخَلَّى الحاكمُ سَبيلَه، ثُم أَحضَر المدَّعِي بيِّنةً عليه حَكَم القاضِي بها، ولم تَكُنْ اليمينُ مُزيلةً للحقِّ.
وللقاضِي أنْ يَرُدَّ اليمينَ على المدَّعِي إذا رَأَى ذلك بأنْ كان المدَّعِي عالمًا بما يَدَّعِيه مِنْ صِدقِ نَفسِه وصِحَّةِ دَعوَاه، فيَجوز رَدُّ اليمينِ عليه ويُحكَم له بِما يَدَّعِيه، فإنْ امتَنَع سَقطَت دَعوَاه.
وإنْ كان الذي يَنفرِد بمَعرفةِ الأمرِ هو المدَّعَى عليه ولا يُشارِكُه في ذلك المدَّعِي، فيَجِب على المدَّعَى عليه أنْ يَحلِف وليس له أنْ يَرُدَّ اليمينَ، وإنْ امتَنَع حُكِم عليه؛ لأنَّ هذا ما ثَبَت عن الصحابةِ ﵃.
مسألة: البيِّنةُ في اللُّغةِ: وُضوحُ الشيءِ وانكِشافُه.
واصطلاحًًا: اسمٌ لكُلِّ ما يُبيِّن الحقَّ ويُظهِره لقولِه تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحَديد: ٢٥] والمرادُ الحُجَّةُ والدَّليلُ والبُرهانُ.
وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ: "أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ قال: «عَرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها، ثُم اسْتَنْفِقْ بِها، فإنِ جاءِ رَبُّها فأَدِّها إليه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
[ ١٤٧ ]
والرسولُ ﷺ جَعَل وَصْفَ اللُّقَطَةِ بيِّنةً على صِدقِ طالِبِها أنَّها له.
وعلى هذا تَشمَل البيِّنةُ الشَّهادةَ، والوَثائِقَ، والقَرائِنَ، وغيرَ ذلك.
مسألة: لا يَحكُم القاضِي بعِلمِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄: قال النبيُّ ﷺ: «لو رَجَمتُ أَحدًا بغَيرِ بَيِّنةٍ، رَجَمتُ هَذِه». رَواه البخاريُّ ومسلمٌ، ولأنَّ تَجويزَ القضاءِ بعِلمِ القاضِي يُفضِي إلى تُهَمَتِه، وحُكمِه بما يَشتَهِي.
قال ابنُ القيِّمِ في الطُّرقِ الحُكمِيَّةِ ص ٢٩١: "وقد ثَبَت عن أَبي بكرٍ وعمرَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وابنِ عباسٍ ومعاويةَ المنعُ مِنْ ذلك، ولا يُعرَف لهُم في الصحابةِ مُخالفٌ".
ويَجوز الحُكمُ بعِلمِه في أمور:
١ - فيما يَحدُث في مَجلسِ حُكمِه كإقرارِ الخَصمِ.
٢ - أنَّ له الحُكمَ بعِلمِه في التَّجريحِ والتَّعديلِ للشُّهودِ.
[ ١٤٨ ]
٣ - يَحكُم بعِلمِه في حقِّ اللهِ تعالى على وَجهِ الحِسبَةِ، كأنْ يَسمَعَ مَنْ يُطلِّق زَوجَته طلاقًا بائنًا ثُم يَدَّعي الزَّوجيَّةَ بعدَ ذلك.
وإنْ جَرَح الخصمُ الشُّهودَ كُلِّف البيِّنةَ بالجَرحِ، وإنْ شَكَّ في الشُّهودِ سَألَهم القاضِي كيفَ تَحمَّلُوا الشهادةَ؟ وأينَ تَحمَّلُوها؟
فإنْ لم يَأتِ مدَّعِي الجَرحِ ببيِّنةٍ حُكِم عليه؛ لأنَّ عَجزَه عن إقامةِ البيَّنةِ على الجَرحِ دَليلٌ على عدمِ ما ادَّعاه.
مسألة: القاضِي بالنِّسبةِ للبيِّنةِ لا يَخلُو مِنْ ثلاثِ حالاتٍ:
١ - أنْ يَعلمَ عَدالَتَهم فيَحكُمَ بها.
٢ - أنْ يَعلمَ جَرحَهم فيَرُدَّها.
٣ - أنْ يَجهلَ القاضِي حالَ البيِّنةِ، فيَطلُبُ مِنْ المدَّعِي تَزكِيَتَهم لتَثبُتَ عَدَالَتُهم فيَحكُمَ له، ويَكفي في التَّزكِيَةِ واحدٌ يَشهدُ بعَدَالةِ الشَّاهدِ.
مسألة: إنْ احتاجَ القاضِي مَنْ يُترجِم له كلامَ أَحدِ الخُصومِ أو الشُّهودِ، يَكفي واحدٌ في التَّرجمةِ، وكذا في التَّزكيةِ للشاهدِ، والجَرحِ للشاهدِ، والتعريفِ للمَشهودِ عليه والمشهودِ له والمشهودِ به، وتعريفِ المحكومِ له، والمحكومِ عليه، والمحكومِ به، أمينٌ واحدٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أَمَر زيدَ بنَ ثابتٍ أنْ يَتعلَّم كتابَ يَهودَ، قال: "فكُنتُ أَكتُب له إذا كَتَب إليهم، وأَقرَأ له إذا كَتبُوا". رَواه البخاريُّ معلَّقًا، ووَصَله ابنُ حَجرٍ في التَّغلِيقِ.
مسألة: الحُكمُ على الغائبِ.
يَجوز الحُكمُ على الغائبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
للغائِب ثلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ، حاضرًا في البلدٍ وغيرَ مُستَتِرٍ، فلا يَجوز الحُكمُ عليه؛ لأنه يُمكِن سُؤالُه، فلَم يَجُزْ الحُكمُ عليه قَبلَه.
الثانيةُ: أنْ يَكون غائبًا عن مَجلسِ الحُكمِ حاضرًا في البلدِ لكنَّه مُستَتِرٌ.
الثالثةُ: أنْ يَكون غائبًا عن البلدِ. فيَجوزُ الحُكمُ في هاتَين الحالتَين، ثُم إذا حَضَر الغائبُ فهُو على حُجَّتِه.
لِما جاءَ في قصَّةِ قَتيلِ خَيبرَ حيثُ حَكَم النبيُّ ﷺ على اليهودِ وهُم -غُيَّبٌ- بأنْ يَحلِفَ خَمسونَ منهم أنَّهم ما قَتلُوه ويَبرَؤُون، وتقدَّم. رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
[ ١٤٩ ]
ولحديثِ هندٍ، قالت: يا رسولَ اللهِ إنَّ أبَا سُفيانَ رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطينِي مِنْ النَّفقةِ ما يَكفِيني ووَلَدِي، قال: «خُذِي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ». متَّفق عليه.
قال شيخُ الإسلامِ في الفتاوَى الكبَرى ٥/ ٥٥٩: "وإنْ أَمكَن القاضِيَ أنْ يُرسِلَ إلى الغائبِ رَسولًا ويَكتبَ إليه الكتابَ والدَّعوَى ويُجابَ عن الدَّعوَى بالكتابِ والرسولِ فهذا هو الذي يَنبغي كمَا فَعَل النبيُّ بمكاتبةِ اليهودِ لَمَّا ادَّعَى الأنصاريُّ عليهم قَتْلَ صاحبِهِم وكاتَبَهم ولم يَحضُروه".
[ ١٥٠ ]