حَقنُ الدِّماءِ، وتَعظيمُ أمرِ الاعتداءِ على الأَنفُسِ والأَعراضِ والأَموالِ مِنْ الضَّرورياتِ الخَمسِ التي اتَّفقَت عليها دعوةُ الأنبياءِ والرُّسلِ، عليهم الصلاةُ والسلامُ.
وقَد شرَعَ الإسلامُ لكلِّ واحدةٍ مِنْ هذه الضَّرورياتِ الخَمسِ أحكامًا تَكفُل إيجادَه وإقامتَه، وأحكامًا تَكفُل حِفظَه وصِيانتَه.
وتَواترَت النُّصوصُ في تَحريمِ العُدوانِ، ووَعدِ المُطيعِ بالرِّضا والرِّضوان، والعاصِي بالنِّيرانِ؛ فقال تعالى في تَحريمِ القَتلِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعَام: ١٥١] إلى قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، وقال ﷺ في حديثِ أَبي بَكْرَةَ: «إنَّ دِماءَكم وأَمْوالَكم وأَعْراضَكم عَلَيكم حَرامٌ كحُرْمَةِ يَومِكُم هذا، في شَهْرِكُم هذا، في بَلَدِكُم هذا). رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وقال ﷺ في حديثِ أَبي هُريرةَ ﵁: «اجْتَنِبوا السَّبعَ المُوبِقاتِ. قالوا: وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقَتلُ النَّفسِ التي حَرَّم اللهُ إلا بالحقِّ …». الحديثَ، رَواه البخاريُّ ومسلمٌ.
وقال تعالى في عُقوبةِ القاتلِ في الآخرةِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا *﴾ [الفُرقان: ٦٨ - ٦٩].
وفي الآيةِ الأُخرَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾ [النِّسَاء: ٩٣].
[ ٦ ]
والجِنايَاتُ: جَمعُ جِنَايةٍ، وهي لُغةً: التَّعدِّي على بَدَنٍ أو مالٍ أو عِرْضٍ.
واصطلاحًا: التَّعدِّي على البَدَنِ بما يُوجِب قِصاصًا أو مالًا أو كفَّارةً.
قال شيخ الإسلام كما في الاختيارات ص ٤١٦: "العُقوباتُ الشَّرعيَّةُ إنما شُرِعَت رحمةً مِنْ اللهِ تعالى بعِبادِه، فهِيَ صَادرةٌ عن رحمةِ الخَلقِ وإرادةِ الإحسانِ إليهم، ولهذا يَنبغِي لِمَنْ يُعاقِب الناسَ على ذُنوبِهم أنْ يَقصِد بذلك الإحسانَ إليهم، والرحمةَ لهم كَمَا يَقصِد الوالدُ تأديبَ وَلَده، وكما يَقصِد الطَّبيبُ مُعالجَةَ المريضِ".
وحِكمةُ القِصاصِ: زَجرُ النُّفوسِ عن العُدوانِ، وشِفاءُ غَيظِ المَجنيِّ عليه، وحِفظُ النُّفوسِ والأَطرافِ، وطُهْرةٌ للقاتِل، وعَدلٌ بين القاتلِ والمقتولِ، وحياةٌ للنوعِ الإنسانيِّ.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩]، أي: ولكُم في هذا الجِنسِ مِنْ الحُكمِ -الذي هو القِصاصُ- حياةٌ عظيمةٌ؛ لِمَنْعِه عَمّا كانوا عليه مِنْ قَتلِ جماعةٍ بواحدٍ متى اقتَدَرُوا، أو نوعٌ مِنْ الحياةِ وهو الحاصلُ للمَقتولِ والقاتلِ بالارتِداعِ عن القَتلِ؛ للعِلمِ بالاقْتِصاصِ.
وقالت العَربُ في جاهليَّتها: "القَتلُ أَنْفَى للقَتلِ، وبسَفْكِ الدماءِ تُحقَن الدماءُ"، وقال اللهُ ﷿ كلمةً أَبلغ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩].
[ ٧ ]