هي منبت فتيان العرب ومعْقدُ فخرهم، ومَثَارُ حميتهم، ومُستَقَ أدبهم، وملاذهم إن جدَّ بهم الدهر، ومفزعهم إن أشكل عليهم الأمر، ومُعولهم غن فدح الخطب، وعز المعين. تلك هي الأم العربية موطن ثقة الأب وفخر الابن، وعز العشيرة.
لقد نزع رسول الله ﷺ بفخره - وهو أكرم العالمين خليفة وأكملهم كمالًا - إلى أمهاته في الجاهلية فقال: أنا ابن العواتك من سليم وما كان
ذلك إلا لأن الله قرن منزلته الملكية العلية بأسمى مراتب البشر، وتلك التي هيأته لها منذ القدم أرحام أمهاته الطاهرة وأرواحهن الزكية.
وشبيه بذلك قول على ﵇ للأشعث بن قيس وقد خطب إليه ابنته: غَرَّك ابن أبي قحافة إذ أعطاك ابنته وليست من الفواطم من قريش ولا العواتك من سليم.
[ ١ / ٦٧ ]
وإذا كان من القبائل من اتخذت آباءها منتهى أنسابها كمضَر وربيعة فإن منها من آثرت الانتساب إلى أمهاتها كخِنْدف وجديلة.
وإذا كان من الملوك من نسب إلى أبيه كالنعمان بن المنذر، فمنهم من نسب إلى أمه كعمرو بن هند. على أن المناذرة جميعًا نسبوا إلى أمهم ماء السماء وهي ماوية بنت عوف بن جشم ملكة وأم العراق وأم ملوكها. وإليها ينتهي جلال الجمال الخلال؛ وعنها ورث ملوك العراق سناء الشرف ومضاء الذكاء وبها العرب يعْتَزُّن؛ وباسمها يقسمون ويعتزمون.
وإذا كان شديدًا على الرجل أن يقال له: لا أدب لك؛ فأن أوجع من ذلك وأشد أن يقال له: لا أمّ لك.
وليس عجيبًا بعد ذلك أن يقوم بن ربيعة بني عامر بين يدي النعمان ابن المنذر فييقولنحن بنو ربيعة أم البنين الأربعة وكذلك يجعل المرأة منزع القوم بأسرهم في فخرهم.
وما كان لأحد من العرب ان يجذب امرأته فخر تربية أبنائها: وفضل تأديبهم فكل ذلك منها مفيضة؛ وإليها مرجعه. حتى لو كانوا يلقبون المرأة إذا انحسرت عن ثلاثة بنين فَنُبه ذكرهم وذاعت بين الخافقين مآثرهم بالمُنْجبة ويتخذونها لذلك مضرب أمثالهم ومسار أشعارهم، ومساق مفاخرهم؛ وما كان الرجل في شيء من ذلك اللقب الكريم المجيد.
[ ١ / ٦٨ ]
وقد حلىِ بذلك اللقب الكثير من عقائل العرب نذكر منهن.
- فاطمة بنت الْخُرْشُب وهي التي أنجبت الكلمة لزياد العبسي وهم: ربيعُ الكامل، وقيسُ الْحافظ، وعِمارَة الوهّاب، وأنس الفوارس. وقيل لها: أي بنيك أفضل؟ فقالت الربيع، لا بل قيس، لا بل عمارة، لا أنس، ثكلْتهم إن كنت أدرى أيهم أفضل، هم كالْحَلقة المُفْرغة لا يُدْرَى أين طَرَفاها.
- أم البنين ابنة عامر بن عمرو زوج مالك بن جعفر، وأبناؤها: مُلاعب الأسنة، وطُفيل الخيل، وربيع المُقترين، ونَزل المضيف، ومُعَوّذ الحكماء، وهي التي أسلفنا فيها قول لبيد: نحن أم البنين الأربعة وقد أثكلتها القافية ولدا وإلا فهم خمسة كما بينا.
- خَبِيثة بنت رياح الغَنَوية هتف بها هاتف في منامها فقال: أعشرة هدَرَةٌ أحب إليك أم ثلاثة كالعشرة؟ ثم هتف بمثل ذلك في الليلة الثانية فقصت رؤياها على زوجها فقال: إن عاد ثالثة فقولى: ثلاثة كعشرة. فولدت خالدًا الأصبع ومالكا الطيان، وربيعة الأحْوَص.
- عاتكة بنت هلال السُّلمية. أنجبت لعبد مناف بن قُصَيّ هاشما وعبد شمس، والمُطَّلب.
- ريحانة بنت معد يكرب. ولدت للصِّمة بن عبد الله دريدًا، وعبد الله وعبد يغوث وقيسًا وخالدا.
ولولا خشية الإطالة، وأن نخرج من حديث النساء إلى حديث الرجال لعقدنا الفصول الطوال في مآثر أولئك الرجال وآثارهم وما منهم إلا السيد الكريم والبطل العظيم.
[ ١ / ٦٩ ]
كل ذلك وأمثاله مما جعل نساء العرب يَشْخَصْن بأبصارهن، ويرمين بأمانيهن، إلى أبنائهن.
إن حَسْب الطفل أن يضطرب في أحشاء أُمه حتى يدعوها إلى الإطراق الطويل، والتفكير الكثير، وربما هاج ذلك ضربًا من الخيال ينبعث من أعماق صدرها فيثير دمها، ويرهف حسَّها، ويتمثل بين مسارب سمعها صوتًا واضح المنطق، فياض المعاني: يسوق لها البشرى، ويضيء بين يديها مناهج الأمل، ويهديها إلى خير العمل، فتحسب ذلك هاتفًا يهتف بها. وما هو إلا صوت القلب يشدو بإيقاع الأماني.
وأكثر ما يستمع النساء الهواتف إذا هدأت عيونهن، فيستيقظن على صوته. وقد يستمعنه وهن يقظات.
وممن سمعن الهاتف ووعينه ليلى بنت مُهلهل أم عمرو بن كلثوم. هتف بها الهاتف حين حملت بابنها فقال لها:
ياَ لك لَيلى من ولد يُقدِم إقدام الأسد
من جُشَم فيه العدد أقول قولًا لا فَنَد
فلما استكمل وليدها سنة أتاها ذلك الآتي حين اشتمل عليها الليل فأشار إلى الطفل وقال:
إني زعيم لك أمَّ عمرو بماجِدِ الجَدَّ كريم النَّجْرِ
أشجع من ذَي لَبِدٍ هزَبْر وَقَّاص آدابٍ شديد الأسر
يسودهم في خمسة وعشر
[ ١ / ٧٠ ]
قبل فساد قومه، ولم يجاوز الخامسة عشرة من سنيه.
ومنهن عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي سيد سُمحاء العرب وإمام أجوادهم هتف بها الهاتف فقال لها: أغلامٌ سمح يقال له حاتم أحب غليك أم عشرة غلمة كالناس. ليوث ساعة الباس، وليس بأوغاد ولا أنكاس، فقالت: حاتم.
وأمثال هاتين كثيرات لا يحُصين عددًا.
على أثر ذلك يولد الطفل فتبدأ بتسميته - وكانت تَشرك زوجها تسمية بنيها - فإن كان وليدًا تخيرت له كل صُلبٍ شديد من الأسماء يَنمي به حسُّه، وتُنبت عليه شجاعته. فمن أسمائهم: صَخر، وحَرب؛ وحَنْظلة؛ وعَلْقَمة؛ وأَسد وذئب؛ وأشباهها مما لا يشعر بوهى عند النداء؛ ولا انثناء عن الأعداء.
ومن طريف أمر التسمية وغريب أثرها ما حدَّث ابن حبيب أن أسماء بنت دُرَيْم كانت في خباءٍ لها؛ وكان بنوها يرعون بمنجاة عنها؛ فمر بها وائل بن قاسط فنظر إليها نظرة مريبة. فقالت: لعلك أسررت في نفسك مني شيئًا؟ فقال: أجل. قالت: لو دعوت سباعة لمنعتني منك وأعانتني عليك. فقال: أو تَفْهَم السباع عنك؟! قالت: نعم. ثم رفعت صوتها: يا كلب؛ يا ذئب، يا فهد؛ يا دب؛ يا سرْحان؛ يا أسد. فجاءَ بنوها يتعاوَوْن ويقولون. ما خبرك يا أماه؟ قالت: ضيفكم هذا أحسنوا قرِاه. ولم تَرَ أن تفضح نفسها عند بنيها. فذبحوا له وأطعموه. فذهب وهو كالمأخوذ عجبًا مما رأى. وسمى ذلك بوادي السباع فهو اسمه منذ ذلك اليوم.
[ ١ / ٧١ ]
أما البنات فيختار لهن خفيف المسمع؛ بديع الموقع من الأسماء. فمن أسمائهن حُبَّى وبَيِبة والنَّضيرة؛ وسُعدى؛ ومَيَّة؛ وأُميمة؛ ونظائرها.
إلى ذلك يأتي دور الرضاع. وهنالك تمهد طفلها لما هو أهل له من عظمة الحياة؛ فتجهد ألا يصدع سمعه شيءٌ من دنيّ الألفاظ ورَذْلها. بل تردّد له في إرضاعه ومداعبته ألفاظ الشرف والسؤدد؛ وتلقنه آيات المجد والكرم.
وللنساء في سبيل ذلك ما لا يناله العد من الأناشيد القصار؛ يُغَنَّين بها أولادهن ويرقصنهم بها؛ وفيها من غُر المكارم؛ وحُر العظائم؛ ما هو خليق بأشبال أولئك الأبطال.
ومن يقول بنت زيد الخيل وهي ترقص ولدها:
أشبه أخي أو أشْبِهنْ أباكا أما أبي فلن تنال ذاكا
تَقْصُرُ عن مَنَاله يداكا
ولقد يظن قصار النظر في قولها شيئًا من تعجيز الطفل وتقصير همته. على أنه من ذلك بعيد. فهو مبالغة في الإغراءِ؛ وافتنان في التشويق؛ وخليق بالغلام أن يفكر حين يستمع ذلك الكلام في منزلة جده قبل منزلة أبيه.
ومن قول فاطمة بنت أسد وهي ترقص ولدها عقيل بن أبي طالب.
أنت تكون ماجدٌ نبيل إذا تهب شمأل بَلِيل
ومن قول أم الفضل بنت الحارث وهي ترقص ابنها عبد الله بن عباس:
ثَكِلتُ وثكلت كبرى إن لم يسد فِهْرًا وغيرَ فِهْر
بالحسب الوافي وبذل الوفر
وليس بفائتنا ونحن في أول عهد الأم بابنها أن نسوق إليك حديثين لاثنتين من نساءِ العرب. وستعلم من تناسق رأيهما ووثوق الصلة بينهما إلى أي
[ ١ / ٧٢ ]
حد وصلت المرأة العربية من تربية طفلها وإعداد نفسها له منذ الاشتمال عليه.
قالت أُمَيمة أم تأبط شرا - وقد سئلت عن أمر تربيتها لولدها -:
والله ما حملته تُضَعًا ولا وُضَعًا ولا ولدته يَتْنًا ولا أرضعته غَيْلا ولا أَبته مَئِقًا ولا آنَمْتُه تَئِدًا ولا سَقَيْتُه هُدَبِدًا ولا أطعمه قبل رِئةٍ كبدًا.
وقالت فاطمة بنت الخرشب - وقد سئلت أي بنيك أفضل -:
والله ما أدرى، ما حملت واحدًا منهم تُضَعًا ولا ولدته يتْنًا ولا أرضعته غَيلا ولا منعته قَيلا ولا أنمته تئدًا ولا سقيته هُدبدًا ولا أطعمته قبل رئة كبدًا ولا أبتّه على مأقة.
ونحن أولا موفون لك القول في شرح هذه الألفاظ ورأى الطب الحديث في حالاتها.
فالحمل التُّضع أن تحمل المرأة قبيل الحيض. والوُضع أن تحمل في أعقابه. وفي
كلتا الحالتين ينضحُ الرحم سائلًا يؤذى النطفة ويضعها وهي قفي أول منابتها ومقْتَبَل عهدها بالحياة ولها ما لها من سوء نشأة الطفل وضعف تركيبه.
أما ولادة الطفل يَتنا فَأن يولد منكسًا، رجلاه قبل رأسه؛ وهنالك تصاب عظام الطفل اللدنة الناعمة بتأثير من الضغط الذي ينالها وقَلَّ أن يتلافاه مهما تطاول به العمر وامتدت بأيامه الحياة.
وأما الإرضاع غَيْلا فأن تُرضع وليدها وهي حامل واللبن حينذاك فاسد موبق يكاد يكون مسمومًا وقد يكون قاتلًا.
وأما القَيل الذي لا تمنعه طفلها فتناول اللبن وقت اشتداد الهاجرة واتّقاد
[ ١ / ٧٣ ]
الرمضاء وهو يطفئ الحر وينقع غُلة الجسم. فأما بلوغ ذلك فقد يعقبه كثير من الأذى.
وأما المبيت مئقًا فأن يقضي الطفل ليلة مُغْضَبًا أو حزينًا. وفي ذلك أمن التأثير على نوم الطفل وذات نفسه ما فيه وليس هنالك أزكى لنفس الطفل وأنهض بعقله وأصفى لدمه وجسمه من أن يكون مبتهجًا في نومه ويقظته.
وأما النوم تئدًا فأن ينام على موضع نكد لصلابته أو استقذاره ولكليهما تأثير قوىٌّ شديد في عظام ونمائه واتجاه صحته.
وأما الهُدبِد فالَّلبن المتكَبد الذي لان بعضه وجف بعضه وذلك إما لقرب انقطاعه وإما لحالة نفسية أو جثمانية أصابت الأم. وذلك لعمرك السم النقيع يتناوله الطفل فَيذْوِي وينحل جسمه وليس وراء ذلك ألاّ الموت أو الحياة على شر من الموت.
وأما الرئة والكبد فكل منهما يحتاج في هضمه إلى لُعاب الأسنان فإذا لم يستوف طعامها ذلك اللعاب وَخِمًا ثقيلًا لا تملك المعدة أن تتخذ منه نصيبها من الفائدة فيستحيل إلى إسهال شديد يعقبه ضعف شديد.
لذلك كله لم يكن بدعًا أن يمتدح أبو كبير الهذلي بعض رفاقه ببعض تلك الحالات ثم ينسب إليها قوته وصلابة عوده وبعد همته. فذلك حيث يقول:
ومُبرإ من كل غُبَّر حَيْضةٍ إفساد مرضعة وداءِ مُغيلِ
[ ١ / ٧٤ ]
ثم يقول في وصفه:
وإذا رميت به الفجاج رأيته يهوى مَخارمَها هُوِىَّ
وإذا نظرت إلى أَسِرَّة وجهه برقت كبرق العارض المتهلَّل
صعب الكريهة لا يرام جَنَابة ماضي العزيمة كالحسام المِقْصَلِ
يحمي الصحابَ إذا تكون عظيمة وإذا هُمُ نزلوا فمأوى العُيّل
ولم يكن ذلك شأن من ذكرنا من النساء فحسب؛ بل لقد كانت العرب تعيّر من قصّرت به أمه في بعض ذلك وتسبه به.
وبعد فذلك ما تواصى به نساء العرب في تربية أطفالهن وهن في جاهليتهن الأولى وما يبتغي الأطباء بعد بضعة عشر قرنًا من عهدهن أن يكون النساء أتم عناية بأبنائهن وأشد حرصًا عليهم من كل ذلك.
ويدرج الطفل بعد ذلك فتجعل الأم مسلاته حديث الأبطال؛ وآيات النزال وبذل النوال؛ واصطناع الرجال. ثم يشب فتنشر بين يديه من جليل العظائم كتابًا؛ وتقيم بين عينيه من جميل المكارم محرابًا؛ وتتعاهده كما يتعاهد الزارع الضَّنين منابت الغَرْس؛ ومساقط الغَيْث. إن احتكمت به نزوة الشر؛ وطاشت بلبه سورة الحقد؛ بغير حق وفي غير حزم؛ عَّطفت صدره؛ وألانت جانبه؛ وأوضحت نهج الخير له. وإن سكنت همته؛ وفترت عزمته؛ أذكت حميته؛
[ ١ / ٧٥ ]
وأثارت حفيظته؛ وهاجت غضبته. ونحن أولا نضرب لك الأمثال ومنها تعلم إلى أي منزلة من نفاذ الرأي؛ وقوة التأثير؛ وحسن الهدايا؛ وصلَت الأم العربية في ذلك العهد السحيق.
جعل قوم لبشر بن أبي حازم الأسدي - وكان عبدًا - جُعلًا على أن يهجوا أوس بن حارثة بن لأم. فأخذ يتلفقه بلسانه في كل مجتمع وناد حتى إذا ضاق بأوس أمره أرسل رسولا من لدنه ليشتري العبد من مولاه بالغًا ما بلغ. فلما اشتُري له
وجيء به إليه قال له: هجوتني ظالمًا لي؛ أنت بين قطع لسانك؛ وحبسك في سرب حتى تموت؛ أو قطع يديك ورجليك وتخلية سبيلك؛ ثم دخل على أمه سُعدى - وكانت قد سمعت كلامه - فقالت له: يا بنّي: مات أبوك فرجوتك لقومك عامة فأصبحت أرجوك لنفسك خاصة؛ وزعمت أنك قاطع رَجُلًا هجاك فمن ما قاله غيره؟ قال: فما أصنع؟ قالت: تكسوه حلتك وتحمله على راحلتك وتأمر له بمائة ناقة. ففعل ما قالت. فملأ بشٌر عراض الآفاق بمدائح أوس. وكان مما مدحه به قوله:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطىء الحصى مثل ابن سعدي ولا لبس النعال ولا احتذاها
وشبيه بهذا ما حدّث أبان بن تغلب قال: خرجت في طلب الكلأ فانتهيت إلى ماء من مياه كلب؛ وإذا أعرابي على ذلك الماء ومعه كتاب منشور يضطرم وعيدًا وتهديدًا؛ وجعل يقرأه على من بين يديه من القوم. فقالت له أمه وهي في خبائها - وكانت مُقْعَدَة كَبرا - ويلك! دعني من أساطيرك! لا تَحْمل عقوبتك على من لم يحمل عليك؛ ولا تتطاول على من لم يتطاول عليك؛ فإنك
[ ١ / ٧٦ ]
لا تدري ما تُقرَّبُك إليه حوادث الدهر. ولعل من صيرك لهذا اليوم أن يصير غيرك إلى مثله غدًا؛ فينتقم منك أكثر مما انتقمت منه؛ فاكفف عما أسمع منك: ألم تسمع إلى قول الأول:
لا تعاد الفقير عللّك أن تر كع يومًا والدهر قد رفعه
وأما ابتعاثها الهمم من مكانها؛ وانتضاؤها العزائم من أغمادها؛ فذلك ما لا يكلفها جهد القول؛ فحسب الكلمة أن تخرج من فيها هادئة وادعة؛ فيكون لها ما بعدها. ومَثَل ذلك ما روى الراوون أن ذؤاب بن أسماء العبسي قتل عبد الله بن الصمة - وكان ذؤاب بطلًا أَيِّدًا عتيدًا - فلبث دريد يترقبه حتى أعياه. فلما انقضى الحول ولم يأخذ بثار أخيه قالت له أمه ريحانة بنت معد يكرب: يا بني عجزت عن طلب
الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زَبيد. فأنف لذلك. وحلف أن لا يَّدهن ولا يكتحل؛ ولا يمس طيبًا؛ ولا يأكل لحمًا؛ ولا يشرب خمرًا؛ حتى يدرك ثأره. ثم استجمع لعبس وفاجأهم وأوقع بهم واقتاد ذؤابًا أسيرًا وذهب به إلى فناء أمه فقتله بمرقب منها قال لها: هل بلغت ما في نفسك؟ قالت نعم مُتعت بك.
ألا إن أشد ما يملك النفس من أمر أولئك النساء أن يدفعن بأبنائهن في غمرة الواجب؛ ومن دونها رَصَدَ الموت؛ وبذل المهجات؛ لأن مية العز أروح في نفوسهن وأمثل بأبنائهن؛ من حياة العجز. ودونك حديثًا؛ لولا أن التاريخ العرب حافل بالكثير من مثله؛ لكان أنشودة العظمة والفخار لتلك الأمة المجيدة الكريمة.
ذلك أن ظعائن بني كنانة خرجن في ركبهم؛ وكان على خفارتهن ثلاثة
[ ١ / ٧٧ ]
من رجال القوم أحدهم ربيعة بن مكدَّم - وكان غلامًا فتيًا له ذؤابتان - فبينما هم في طريقهم أبصروا بجمع من بني سُليم يملك عليهم عُرض الطريق؛ وبين الحيين ثارات وأحقاد لا تلتئم جراحها؛ ولا تخمد جذوتها. فقال ربيعة لمن معه: أنا آتيكم بخبر القوم. فلما هّم بالسير قالت امرأة: هرب مني ربيعة! فقالت أخته: أين تنتهي نفرة الفتى؟! فعطف عليهن وقد رجف بما سمع منهن وقال:
لقد علمت أنني غير فَرق لأطعنن طعنةً وأعتنق
أصبحهم صاحي بمحمرّ الحدق عَضْبًا حسامًا وسنانًا يأتلق
ثم انطلق يعدو به فرسه؛ فأصاب رجلًا من بني سليم فقتله، ورماه رجل منهم بسهمه فأصاب يده فنزف دمه؛ فلحق بالظعائن يستدمي حتى انتهى إلى أمه؛ فقال: اجعلي على يدي عصابة. ثم أخذ يقول:
شُدي علَىّ العصب أمَّ سَيّار فقد رُزيت فارسًا كالدينار
يَطَعنُ بالرُّمح أمام الأدبار
أما أمه فلم يذهب بلبها ما رأت؛ ولم يفلتها ما سمعت من شطر قلبها عن السير به
في سبيل الواجب. فما كان جوابها إلا قولها:
إنا بنو ثعلبة بن مالكْ مُرَزّأ أخيارُنا كذلكْ
من بين مقتول وبين هالكْ ولا يكون الرزء إلا ذلكْ
قالت ذلك بينما هي تشد العصابة، فاستسقاها ماء فقالت إن شربت الماء مت؛ ولكن كُر على القوم فكر راجعًا يشتد على القوم وينزفه الدم؛ وقال للظعائن أوضعنْ ركابكن حتى تنتهين إلى أدنى البيوت من الحي فإني لمائت
[ ١ / ٧٨ ]
وسوف أقف دونكهن فأعتمد على رمحي فلا يقدمون عليكن لمكاني؛ ثم وقف على فرسه يعترض طريق القوم وركز رمحه في الأرض واعتمد عليه؛ وهنالك فاضت روُحه والقوم عنه؛ لا يقدّمون هيبة له؛ ورعبًا من بلائه واعتقادًا منهم بأنه رابض في موقفه ربضة الأسد المستجمع المتحفز. فلما طال بهم موقفهم ورابهم مكان صاحبهم؛ رماه أحدهم بسهم فأصاب فرسه فوقع جثة هامدة؛ على حين اعتصم النساء بالحي لم يكن إليهن من سبيل. فلُقب ربيعة منذ يومئذ بحامي الظُّعُن؛ وهو الذي حماهن حيًّا وميتًا.
كذلك تقذف الأم بولدها في لهوة الموت وما به من هوان عليها؛ ولا بها من غَناء عنه. فهو عَرف الحياة تتنسمه؛ ونور الوجود تتلمسه. ومن أجل ذلك آثرته بحياة الخلود؛ حياة المجد والحمد والذكر الكريم.
ألا إن الناس ليظلمون تاريخ العرب أن زعموا أن حانمًا مُسْتنُّ الجود بين العرب فذلك ميراُ أمته ائتمنه عليه؛ وسجيتها طبعته عليها؛ فما كان له إلا أن يكون جوادًا كريمًا.
لقد كانت عُتبة بنت عفيف أم حاتم الطائي موفورة الثروة؛ فياضة اليد؛ فكانت لا تبقى على شيء إذا قصدها سائل؛ أو هبط بفنائها نزيل. فلما رأى أخوتها إتلافها حجروا عليها مالها؛ حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها طائفة من إبلها؛
فجاءتها امرأة من هوازن كانت تأتيها كل سنة تسألها فقالت لها: دونك هذه الإبل فخذيها؛ فواله لقد عضني الجوع ما لا أضيّع معه سائلًا. وأنشأت تقول:
لعمرك قِدمًا عضى الجوع عضة فآليت ألاّ أمنع الدهرَ جائعا
[ ١ / ٧٩ ]
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني وإن أنت لم تفعل فَعضَّ
فماذا عساكم أ، تقولوا لأختكم سوى عذلكم أو عذل من كان مانعًا
وماذا ترون اليوم إلا طبيعة فكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا
تلك أثارة نفاذ المرأة العربية في بنيها واحتكامها بنفوسهم؛ واستثارتها روح الفضائل والمكارم فيهم؛ وما بلغت ذلك إلا بفرط حبهم لها؛ ولياذهم بها؛ وعكوفهم عليها. ومن أمثالهم: إلى أمة يَلهَفُ الَّلهْفان
ولقد بلغ من كرامتها عليهم؛ ووفور منزلتها بينهم؛ أن السُّليك بن السُّلكة السَّعدي وأمه جارية حبشية - أطار نومه، وأثار همه، أن تشتل بلاد العرب على خالاته، ونظائر أمه، جواري قد ملكهن الرق، وأزرى بهن التبذل، وودَّ لو وجد من ذات يده ما يمكنه من افتدائهن. فذلك حيث يقول
أشابَ الرأس أني كل يوم أرى لي خالة بين الرحال
يَشُقُّ عَلَى أ، يَلقين ضيما ويَعْجِزُ عن تخلصِهِنّ مالي
ذلك أمر المرأة في بنيها. فأما بناتها فهن أتم بها ائتمامًا؛ وأطول معها مقامًا؛ وأكثر لها لزاما. ومن أجل ذلك كن بها أشبه؛ وكان أدبها بهن أمثل؛ لعمر أبيك إنهن لزهر الروض شبيه بعضه ببعض؛ وهن لأمهاتهن أولى بقول من يقول:
فإن يك سيار بن مكرم انقضى فإنك ماء الورد إن فقد الورد
ولا تزال الفتاة عاكفة على أدب أمها حتى تحمل إلى زوجها فإذا احتملت طوقتها بوصية تجمع بين شتاتها أشد ما يحوجها في دار زوجها.
[ ١ / ٨٠ ]
وإن لك فيما أنه سائقه إليك من الحديث لآية بالغة بما كان للمرأة يومذاك تكرمة
وتأديب:
ذلك أن الحارث بن عمرو ملك كندة خطب إلى عوف بن مُحَلِّم الشيباني ابنته؛ فلما كان يوم بنائه بها وأرادوا أن يحملوها إليه قالت لها أمها:
أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب؛ تركت لذلك منك؛ ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل؛ ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها؛ كنت أغنى الناس عنه؛ ولكن النساء للرجال خلقن، ولهنّ خلق الرجال. . .
أي بنية: إنك فارقت بيتك الذي منحه خرجت، وعشك الذي فيه درجت، إلى رجل لم تعرفيه؛ وقرين لم تألفيه، فكوني له أمَة، يكن لك عبدًا واحفظي له خصالا عشرًا يكن لك ذخرًا؛ أما الأولى والثانية فالخشوع له بالقناعة؛ وحسن الطاعة. وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه فإن تواتر الجوع مَلهبة؛ وتنغيص النوم مَغضبة. وأما السابعة والثامنة فالاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصين له أمرًا ولا تفشِنّ له سرا فإنك إن خالفت أمره؛ أو غرت صدره؛ وإن أفشيت سره، لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان ترِحًا، والترح بين يديه إذا كان فرحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة؛ يكن أطول ما يكون لك مرافقة.
[ ١ / ٨١ ]
واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك وهواه على هواك؛ فيما أحببت أو كرهت؛ والله يخيرُ لكِ.
ثم احتملت إليه فعظم موقعها منه وولدت له الملوك السبعة الذين ملكوا بعده اليمن.
وقالوا إن النعمان بن المنذر تزوج أربعًا من أربع قبائل تأييدًا لعرشه وتثبيتا لملكه
واحدة أنمارية: والثانية سُلمية؛ والثالثة نمرية؛ والرابعة أسدية.
فقال للأولى: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي. عطري جلدك وأطيعي زوجك واجعلي الماء آخر طيبك.
وقال للثانية: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي؛ لا تجلسي بالفناء؛ ولا تكثري المراء؛ واعلمي أن أطيب الطيب الماء.
وقال للثالثة: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي؛ لا تطاوعي زوجك فُتمِليه ولا تعاصيه فتشْكيه؛ وأصدقيه الصفاء؛ واجعلي آخر طيبك الماء.
وقال للرابعة: ما أوصتك به أمك؟ فقالت: قالت لي أَدني ستَرك؛ وأكرمي زوجك؛ واجتنبي الإباء واستنظفي بالماء.
[ ١ / ٨٢ ]