كانت الحرب تعصف بالعرب ما شاءت أن تعصف، ثم تنكشف عنهم وهم بين قاهر محتكم ومقهور ذليل. ثم لا تسكن نأمتها، ولا يخف هديرها حتى يستبيح القاهر حمى المقهور، ويستاق نساءه حواسر الرؤوس، بين ذل الغربة، وعار السباء، وهو بعد ذلك إما مجمل يعتقهن فيتزوجهن، وإما بغيض منتقم يتخذ منهن رعاة الإبل، وجواري الخسف ما شاءت له ثائرة نفسه، وسموم حقده، وبين هذا وذاك يحال بينهن وبين ذويهن فلا يلقون بعدهن إلا الهوان.
وأي نكبة ثمرّ أشد عليها من أن تكون ناعمة في دارها، آمنة في سر بها، مبتهجة بين لداتها وعشيرتها ثم تمسى وقد سلها القاهر المستبيح من ذلك كله، وقادها إلى امرأة سَبية أسيرة تطلب رحمتها؛ وتسأل إنصافها.
كان ذلك أشد مواطن الرَّوع والفزع في حياة المرأة العربية. فلما دخل العرب
[ ٢ / ٢٨ ]
في
دين الله أفواجا، وأصبحوا بنعمته إخوانًا، حرم عليهم السباء، فلا يحل للمسلم أن يسبي المسلمة مهما عصفت بالقوم عواصف الفتن، وفَرَّتهم شُعب الأهواء.
ولما سار خالد بن الوليد إلى حرب المرتدين في عهد أبي بكر ﵁ غدا على مالك أبو بكر وكان قد منع الزكاة إذا سمع صوت المؤذن في قوم أن يكف عن قتالهم فأذَّن مؤذن مالك، وخشي خالد خدعة الحرب، فقاتل مالكا وقتله، وانتزع زوجه واتخذها زوجًا له، فأثار ذلك حفيظة عمر بن الخطاب. وهاج غضبه، وقال لأبي بكر: اقتل خالدًا، فقد قتل مسلمًا وزنى بمسلمة، فقال أبو بكر: إن خالدًا تأوّل فأخطأ ولا أشيم سيفًا سلّه الله على الكافرين فلولا ثقة أبي بكر بإيمان خالد، وإيمانه بصفاء دينه، وقوة يقينه، وأن رسول الله ﷺ قال فيه: إنه سيف من سيوف الله. لولا ذلك كله لما حمل عمله على خطأ الاجتهاد ولما جاوز فيه رأي صاحبه.
ولقد ذاع الإسلام وبين أيدي العرب جوار من سباء الجاهلية، فأولئك أقرهم الله ﷾ عليهن بمثل قوله: (فإنْ خفْتُم أَلاَّ تَعْدلِوا فَواحدةً أوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
على أنه جل ذكره حبب إليهم تحرير الرقاب، ورغبهم ترغيبًا شديدًا في افتكاكها ورفع رقها. بطرق ثلاث:
الأولى - أنه جعل أسمي ما يتقرب به الإنسان إليه، شكرًا له على جليل
[ ٢ / ٢٩ ]
نعمه، وجزيل إحسانه، فذلك حيث يقول جل ذكره: (ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنَ ولسانًا وشَفَتَيْنَ وهدَيْناه النّجْدَيْنَ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَو إِطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتيمًا ذا مَقْرَبَةٍ أوْ مَسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ).
الثانية - أنه تبارك آلاؤه، اختص تحرير الرقاب بسهم من ثمانية أسهم من الأرقاء، أعني أنّ الإمام إذا اجتمعت له أموال الزكاة أفراد مها جزءا لفكَ الرقَذ
عن الأرقاء. فذلك حيث يقول سبحانه. (إنّمَا الصَّدَقَاتُ للِْفُقَراءِ والمَساكِين والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفي الرَّقابِ والغارِمِين وفي سبيل اللهِ وابْنِ السَّبيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيم حَكيِمٌ).
الثالثة - أنه جعل تحرير الرقاب في مقدمة كفارات كثيرة، عن جرائم تجترم. فقال في كفارة الظهار: (والَّذِين يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهم ثَّمَّ يَعُودُون لمَا
[ ٢ / ٣٠ ]
قالُوا فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ يَتَماسَّا).
وقال في كفارة اليمين. (لاَ يُؤاَخِذُ كُم اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدُتُم الأَيمانَ فكَفَّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكيِن مِنْ أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهُمْ أو تَحرِيرُ رَقَبَةٍ).
كذلك أوسع رسول الله ﷺ القول في فضل تحرير الرقاب وأنه خير ما يقرّب العبد من الله ويفيض نعمته عليه. ومن قوله ﷺ في ذلك: إيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. وقال ﵊: أيما رجل أعتق امرأ مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا من النار.
على ذلك تتابع المسلمون وهم ينخلعون عما ملكت أيديهم بعضه أو جميعه تقربًا إلى الله وشكرًا له، ومجلبة لرحمته، واستدفاعًا لسخطه. ومنهم من كان يطوف على غلاظ الأكباد من السرة يشتري منهم عبيدهم وإماءهم ليحرّرهم ويرفع رقهم في سبيل الله ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁. ومنهم من خرج عن عبيدة وإمائه جميعًا مؤثرًا طاعة الله ورضاه، على نعيم دنياه.
ولئن سارع رجال المسلمين إلى تحرير الرقاب، لقد كان نساؤهم أطول بذلك يدا، وأسخى نفسا. وأروح قلبا. فما جَدّت نعمة، أو تكشفت حادثة أو عارضهن ريب الأمر، أو نزعوا إلى رحمة من الله، إلا وعتق الرقاب بادرة خواطرهن، وسابقة
إيمانهن. فقد تحللت عائشة أم المؤمنين من يمين أقسمتها بعشر من الجواري أعتقتهن.
[ ٢ / ٣١ ]
وكانت أسماء بنت أبي بكر إذا أحست بدبيب المرض خرجت عن إمائها جميعًا وإن من ابتغاء الشطط أن يأتي القلم على إجمال ما أطلق المسلمات من إمائهن تأنقًا في الشكر، وتفريجًا للضر، وزلفى إلى الله.
كذلك كان تحرير الرقاب مظاهر البر. وأوضح مواطن الخير عند الموسرين من المسلمين. كذلك أخذ الدين جماعة المؤمنين بالنزول عما ملكت أيديهم راضين مطمئنين، فإن لم يكن عتق، فرحمة، وإخاء، ورعاية حق، وبذل معونة.
وما رأينا النبي الكريم تعاهد برحمته ووَصاته جماعة من المسلمين بمثل تعاهد جماعة الغلمان والجواري، حتى كان آخر ما أوصى به: الصلاة وما ملكت أيمانكم
ولقد كان ﵊ يجعل عتق الجارية فداء لها من لطمة تصيبها وهل تجد في قديم الأمم وحديثها من منع عسف الرق، ورفع شأن الأرقاء مثل رسول الله محمد بن عبد الله في قوله ﷺ: اتقوا الله في خولكم، فإنهم أشقاؤكم، لم ينحتوا من جبل، ولم ينشروا من خشب. أطعموهم مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون، واستعينوا بهم في أعمالكم، فإن عجزوا فأعينوهم، فإن كرهتموهم فبيعوهم ولا تعذبوا خلق الله. وقوله ﵊: إذا أتى أحَدَكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليطعمه أكلة أو أُكلتين ولي علاجه وقوله ﷺ: لا يقُلْ أحدكم عبدي، أَمَتي، وليقل فتاي وفتاتي.
وأي مولاة قوم أو مولى لهم يسمع قوله ﷺ: للمملوك الصالح
[ ٢ / ٣٢ ]
إذا نصح سيده وأخلص عبادة ربه أجران ثم لا يخفق قلبه غبطة وابتهاجًا بما سيضاعف له الله من أجر السراة الأحرار في الآخرة