هو صلة الرجل لامرأته، تأخذه كاملا غير منقوص لا سبيل لأحد إليه ولا سلطان له عليه. لذلك عدّوا من اللؤم المؤتشب في نفس الرجل أن يتخذ حلوان ابنته أو مُوَلَيَتَهِ وذلك أن يتفق على جزء من المهر يبغيه لنفسه.
وأعز مهورهم الذهب السبيك. والأينق العُشَرَاء، يبذلون منها على قدر ما رزقوا من نعمة العيش، وبسط الغنى على أن حدّ ذوي الجاه والسُّؤدد واليسار
[ ١ / ١٣٨ ]
مائة رطل أو مائة ناقة. وقد يجمع الرجل بينها. فقد أمهر عبد المطلب بن هاشم بنت عمرو مائة ناقة ومائة رطل من الذهب.
وليس العرب بالذين يساومون في المهر قَلَّ أو كثر وحسبهم من الرجل جهد همته، وبعد غايته، وسناء نسبه، وصفاء ضريبته، فقد نزع لَقِيط بن زرارة شريدًا إلى قيس بن خالد ذي الجدين، كرين العرب، وأحد ملوكها، فخطب إليه ابنته، وتكلم بكلمات كشفن منه عن قلب ذكي، وأنف حِمىٍّ، ونسب سنّىٍ. فزوجه الملك ابنته لليلة وساق إليها المهر عنه.
أما ذوو الخصاصة فأن بِحَسْبِ الرجل أن يسوق إلى امرأته مما يباع ويشترى. ومن حديث العرب أن مُهلهِلَ بن ربيعة رحل بآل بيته بعد أ، اْستَذَلَّتْهُ بَكْريم يوم تحلاق اللمم، فاستجار بَمذْحج. وهنالك جاءه ناس منهم يقال لهم بنو جَنْبٍ فخطَبوا إليه ابنته طمعًا في أن يَشْرُفوا بشرف قومه، وينبهوا بوثوق الصلة به، فأبى ذلك عليهم. ثم سعى إليه مجيروه من مَذْحِج، وظاهروا جنبًا في خْطَبتهم وأبصر هو
القسر والكريهة منهم، فنزل لهم عن ابنته، وساقوا إليه في مهرها رقاعًا من جلد، وأفاءوا بها على فتى من غِمارها. فقال مهلهل في ذلك:
نهنهني صاحبي فقلت له إن الخطوط جعلن بالقِسَم
أصبحت لا مَنْفَسًا أصَبْتُ ولا أُبْتُ كريمًا حرًّا من الندم
عز على وائل بما لقيت أخت بني الأكرمين من جُشَم
أنكحها فقُدها الأرقم من جنب وكان الْحباء من أَدم
[ ١ / ١٣٩ ]
ليس بأكفائنا الكرام ولا يغنون عن عَيْلَة ولا عَدم
لو بأبانَيْنَ جاء يخطبها ضُرَّب منه جبينه بدم
وربما احترش الأعرابي ضبا إلى كفيئته فكان ذلك مهرها وعُقدة زواجها. قال أعرابي:
أمهرتها بعد المطال ضبَّين من الضباب سَحَبَلَيْب سَبَطين
نعم لعمر الله مهر العِرسَيْن
فذلك مهره الذي أبرَّ به على غيره، وتجمل به على صاحبته، وعده تأنقًا في البذل وإفراطًا في السماحة. ذلك مهر العروسين.
والعرب يقولون: الأزواج ثلاثة، زَوج مهْرٌ، وزوجٌ بهْر، وزوج دَهْرٌ أما زوج مهْر فرجل لا شرف له يُسْنىِ المهر ليُرغَّ فيه، وأما زوج بهر فالشريف وإن قَلَّ ماله تتزوجه المرأة لتفتخر به، وأما زوج دهر فذلك الكفء الذي لا عيب فيه.