من العب من كان يرى البنت حملًا فادحًا يضعف دونه احتماله، وتتخاذل لفرط ما يُشفق من وصمة الذل، ووسم العار، وإذا وهنت نفسها، أو ذهب السباء بها، فكان بين أن يستبقيها على كره لها، ومضض منها، وترقب لموتها، أو يفزع إلى الحفر فيقذفها في جوفها، ويُهيل التراب على غَضَارة عُودها، ونضارة وجهها. فما أشدَّ ما عاب الله أمر ذلك عليهم، ونقمة منهم، ودلّ على سفه رأيهم وسوء صنيعهم في مواطن كثيرة من كتابه الكريم. فقال جل ذكره:
(وإذَا بُشَّرَ أحَدُهْم بِالأنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ أَيُمسِكُه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في الُّترابِ ألاَ سَاءَ ماَ يحْكمونَ).
[ ٢ / ١٥ ]
وقد تباركت آيته: (وإذا المَوْءُودَةُ سُئلَتْ بِأيَّ ذَنْبٍ قِتلت).
وقال تعالى حكمته: (قَدْ خَسِرَ الَّذِين قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ علْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اْفِتراءٍ عَلَى اللهِ قَد ضَلُّوا وما كانوا مُهْتَدِين).
وفي القرآن الكريم كثير من مثل ذلك أليم شديد.
وكان قيس بن عاصم المِنقري بين يدي النبي ﷺ عن ضحايا
الموءودات وأنه ذهب باثنتي عشرة منهن. فقال ﵇ مَنْ لا يَرحم لا يُرحم وأمره أن يعتنق بكل واحدة جاريةً مؤنة.
وكان العرب يأنفون أن يداعب الرجل وليدته، أو يسمح لها أن تمرح بين
[ ٢ / ١٦ ]
يديه. فأما رسول الله ﷺ فقد نقض تلك السنة السيئة، فلم يكن يضن بوقته الأعَزّ أن يداعب فيه الولائد من بناته أو بنات صحابته.
فقد حدّث البخاري عن أبي قتادة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها.
وحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعلىّ قميص أصفر، قال رسول الله ﷺ: سَنه سَنَه - وهي بالحبشة حسنة - قال: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فانتهرني أبي، قال رسول الله ﷺ: دعها، ثم قال رسول الله ﷺ: أبلي وأَخْلِفي، فُعَمَرت بعد ذلك ما شاء الله أنّ تعمر.
[ ٢ / ١٧ ]
ومن حديث عنايته ﷺ بهن، وأمر ببذل الرحمة، وإسداء المعونة لهنّ، ما حدثت عائشة أم المؤمنين قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة. فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها. ثم قامت فخرجت. فدخل النبي ﷺ. فقال: من ابتلى من هذه البنات بشيء كنّ له سترًا من النار.
أما حبه ﵊ لابنته فاطمة، وشغفه بها، وحنانه عليها، فمما لا يحيط به وصف ولا يناله بيان. وهي التي يقول فيها: فاطمة بضعة مني يسوؤني ما يسوئها ويسرني ما يسرها.
أبصر المسلمون كل ذلك. ورأوا أن الله لم يختص فاطمة بنت محمد بذرية رسوله إلا ليشيد بالمرأة، وينهض بأمرها، ويرفع من شأنها، ويأخذ العرب بحبها،
والابتهاج بها. فغدوا من بعده بناتهم ويُكْرِمونهنّ، ويرون الخير كله معقودا بنواصيهن. وقد استخلص وهب بن مُنَبَّه من تقديمه سبحانه الإناث في قوله:
(يَهَب لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) أن من يُمن المرأة أن تلد الأنثى قبل الذكر.
وكان لمعن بن أوس ثمان بنات، ويقول: ما أحب أن يكون لي بهن
[ ٢ / ١٨ ]
رجال. وفيهن قال:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم وفيهن لا نُكذَبْ نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرن بالفتى عوائد لا يمللنه ونوائح
وحدثوا أن عمرو بن العاص دخل على معاوية بن أبي سفيان وعنده من له يلاعبها. فقال له: انبذها عنك يا أمير المؤمنين! فوالله إِنهن يلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء. ويؤدَّين الضغائن. فقال معاوية: لا تقل، فما ندب الموتى، ولا تفقَّدَ المرضى، ولا أعان على الحزن مثلهن.
وقال الزهري: كانوا - يريدون أصحاب رسول الله - لا يرون على صاحب ثلاث بنات صدقة، ولا جهادا، لحاجتين إليه، وشُغُلهِ بهن، والعناية بتربيتهن. وكان أبا خالد القَناني - وكان من غُلاة الخْوارج - يشير إلى ذلك، وكان قد طلب إليه الغُدُوُّ إلى القتال فقال:
لقد زاد إلىَّ حبَّا بناتي إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي وأن يشربن رنقًا بعد صاف
وأن يَعْرَين إن كسي الجواري فتنبو العين عن كرم عجاف
ولولا ذاك قد سَوَّمت مُهري وفي الرحمن للضعفاء كاف
أبانا من لنا إن غبت عنا وجَدَّ الحي بعدك في اختلاف
[ ٢ / ١٩ ]