قالت أم تأبط شر ترثي ولدها:
طاف يَبغي نَجوة من هلاك فهلك
ليت شِعري ضِلَّةً أي شيء قتلك
أمريض لم تُعَد أم عَدُوٌّ خَتَلَك
[ ١ / ١٧٩ ]
أم تولّى بك ما غال في الدهر السُّلك
والمنايا رَصَد للفتى حيث سَلَك
أيُّ شيء قاتلٌ حين تَلقَى أجلك
طال ما قد نِلتَ في غير كدٍّ أمَلك
إن أمرًا فادحًا عن جوابي شَغَلَك
سأعزَي النفس إذ لم تجب مَن سألك
ليت قلبي ساعةً صَبْرَهُ عنك مَلَك
ليت نفسي قُدَّمت للِمنايا بَدَلَك
وقالت امرأة ترثي طفلها. وكانت قد سافرت به. فلما كانت ببعض الطريق فاضت نفسه:
يا عمرو ما لي عنك من صبرِ يا عمرو يا أسفي على عمرو
لله يا عمروٌ وأيَّ فتى كَفَّنْتُ يوم وضعت في القبر
أحثو التراب على مَفَارقه وعلى غَضَارة وجهه النَّضرِ
حين استوى وعلا الشباب به وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ورأوا شمائل سيد غَمرْ
وأهَمَّه همي فساوَرَه وغدا مع الغادين في السَّفر
تغدو به شَقْراءُ سامية مَرَطَى الجزاء شديدة الأسر
[ ١ / ١٨٠ ]
ثبتُ الجنان به ويُقْدمها فَلج يُقلّبُ مقلتْي صَقْر
ربيته دهرًا أفنَقُه في اليسر أغدوه وفي العُسر
حتى إذا التأميل أمكنني فيه قُبيل تلاحق الثَّغْرِ
وجعلت من شغفي أُنقَّله في الأرض بين تنائفٍ غُبر
أَدَعُ المزارع والحصون به وأُحِلُّهُ في المَهْمَة القفْر
ما زلتُ أُصْعِدُهُ وأُحْدِرُه من قُتر مَوماة إلى قُتْر
هربًا به والموت يطلبه حيث انتويتُ به ولا أدري
حتى دُفعتُ به لمصرعه سَوْق المعيز تساق للعتر
ما كان إلا أن هَجَعْتُ له ورمى فأغفَى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسي ومال به رمس يَساور منه كالسكر
إذا راغى صوت هببت به وذُعِرتُ منه أيَّما ذُعر
وإذا منّيته تُساوره قد كدحت في الوجه والسخر
وإذا له عُلقٌ وحشرجة مما يجيش به من الصدر
والموت يقبضُهُ كالثوب عند الطيّ والنشر
[ ١ / ١٨١ ]
فدعا لأنصره وكنت له من قبل ذلك حاضر النصر
فعجزت عنه وهي زاهقة بين الوريد ومدفع السَّحْر
فمضى! وأيّ فُجِعْتُ به جَلت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له مالي وما جَمَّعت من وفرِ
أو كنت مقتدرًا على عُمري آثرته بالشَّطرِ من عمري
قد كنت ذا فقر له فغدا ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان فقر له فغدا ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان متعني بابني وشدّ بأزره أزري
بُنيت عليك بُنَىَّ أحوجَ ما كنا إليك صفائح الصخر
لا يُبْعِدَنك الله يا عمري إما مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلهم لا بد سالكُها على سَفر
أو لا تراهم في ديارهم يتوقعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهم قسرًا فقد ذَلوا على القَسْرِ
وقالت أم بِسطام بن قيس الشيباني يرثي ذَلوا بسطاما:
لِيَبْك ابن ذي الجدين بكرُ بن وائل فقد بان زينها وجمالها
إِذا ما غدا فيها وكأنهم نجوم سماء بينهن هلالها
فلله عينا من رأي مثله فتى إِذا الخيل يوم الرَّوع هَبَّ نزالها
عزيز مِكرٌّ لا يُهَدُّ جناحه وليث إِذا الفتيان زَلت نعالها
[ ١ / ١٨٢ ]
وحمال أثقال وعائذ مِحجرَ تحل لديه كل ذاك رجالهاُ
سيبكيك عَانٍ لم يجد من يفكه وتبكيك فرسان الوغى ورجالها
وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم وأرملة ضاعت وضاع عيالها
مُفَرّجُ حومات الخطوب ومدرك الحروب إذا صالت وعز صيالُها
تغَشى بها حينًا كذلك ففجعت تميم بها أرماحها ونبالها
فقد ظفرت منا تميم بعثرة وتلك لعمري عثرة لا تُقالها
وقالت أمّ قيس الضّبية ترثي ولدها:
من للخصوم إذا طال الضّجاجُ بهم بعد ابن سعد ومن للضُّمر القُود
ومَشهد قد كفيت الغائبين به في مجمع من نواصي القوم مشهود
فرّجته بلسان غير ملتبس عندالحِفاظِ وقلب غير مزؤود
إذا قناة امرئْ أزرى بها خورٌ هزّ ابن سعد قناةً صُلبة العود
وحدّثوا أن رسول الله أرسل خالد بن الوليد ليحطم وَدًّا فقام بنو عامر عبدُ ود بدران عنه، فضرب خالد فتى من فتيانهم فقتله. حتى إذا علمت أمه حديثه أقبلت إليه والقوم على أهبة أن يدفنوه فقالت:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد يا ليت أمّك لم تولد ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن مطيبًا للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعد أني غير باقية وكيف يبقى ذراع عن عضد
ثم أكبلت عليه فزفرت كان فيها موتها فدفنا معًا.
[ ١ / ١٨٣ ]
قالت دّخنتوس ابنة بن زرارة ترثي أباها:
عثر الأغرّ بخير خِنْ دَفَ كهِلها وشبابها
وأضَرَّها بعدوها وأفكها لرقابها
وقريعها ونجيبها في المُطْبقات ونابها
ورئيسها عند الملوك وزين يوم خطابها
وأتمها نسبًا إذا رجعت إلى أنسابها
يرعى عمودًا للعشي رة رافعًا لنصابها
ويعولها ويحوطها ويَذِبُّ عن أحسابها
ويطأ مواطن للعدوّ وكان لا يُمشَي بها
فِعلَ المدِلَّ من الأسو د لِحيْنِها ونبَابِها
كالكواكب الدُّري في سيماء لا يخفى بها
عبث الأغر به وكلُّ منية لكتابها
فرّت بنو أسد فرا ر الطير عن أربابها
لم يحفظوا حسبًا ولم يأووا لغيّ عقابها
عن خيرها نسبًا إذا نصب إلى أنسابها
وهوازي أصحابهم كالفأر في أذنابها
[ ١ / ١٨٤ ]
وقالت هند بنت عتبة تبكي أباها عتبة بن ربيعة:
يريب علينا دهرنا فيسوءنا ويأبى فما نأتي بشيء نغالبه
أبعد قتيل من لؤي بن غالب يراع امرؤ أن مات أو مات صاحبه
ألا رب يوم قد رُزئت مُرَزَّأً تروح وتغدو بالجزيل مواهبه
فأبلغ أبا سفيان عني مألُكا فإن ألقه يوما فسوف أعاتبه
فقد كان حرب يسعر الحرب أنه لكل امرئ في الناس مولى يطالبه
وقالت أيضًا تبكي آلها:
لله عينًا من رأى هُلْكا كهلك رجاليه
يا رُبّ باك لي غدًا في النائبات وباكية
كم غادروا يوم القلي ب غداة تلك الداعية
من كل غيث في السني ن إذ الكواكب خاوية
قد كنت أحذر ما أرى فاليوم حق حذاريه
يا رُبّ قائلة غدًا ياويح أم معاوية
وقالت قُتَيْلَة بنت النضير بن الحارث تبكي أباها. وكان قد أسر فيمن أسر من مشركي بدر. فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبرًا بين يديه، للجاجة في عدائه، وإمعانه في هجائه:
يا راكبًا إن الأثَيْلَ مَظِنّة من صبح خامسة وأنت موفق
[ ١ / ١٨٥ ]
أبلغ به ميتًا فإن تحية ما أن تزال بها الركائب تَخْفِقُ
مني إليك وعَبرةً مسفوحة جادت بوابلها وأخرى تخُنق
هل يسمعَنَّ إن ناديته بل كيف يسمع مَيَّتٌ أو ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تَمزَّق
قسرًا يقاد إلى المنية متعًا رَسْف المُقيَّد وهو عان مُوثَقُ
أمحمد ولأنت صنو نجيبة من قومها والفحل فحل مُعْرِق
ما كان ضَرَّك لو منت وربما منَ الفتى وهو المَغِيظ المُحْنقُ
فالنضر أقرب من أصبت وسيلة وأحقهم أن كان عتق يُعْتقُ
لو كنت قابل فدية لفديته بأعز ما يُفْدَى به من ينفُق
قال ابن هشام: قال النبي ﷺ لما بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبل قتله ما قتلته:
قالت أروى بنت الْحَبَاب:
قُل للأرامل واليتامى قد ثوى فلتَبك أعينها لفقد حَبَاب
أودَى ابنُ كل مخاطر بِتلاَده وبنفسه بُقْيا على الأحساب
الراكبين من الأمور صدورها لا يركبون معاقد الأذناب
وقالت امرأة:
ألا فاقصري عن دمع عينك لن تَرَىْ أبًا مثله تنمي إليه المفاخر
وقد علم الأقوام أن بناته صوادق إذ يندبنه وقواصر
[ ١ / ١٨٦ ]
وقالت لبنة مالك بن بدر:
لله عينَا من رأى مثل مالك عَقِيرةَ قوم أن جرَى فرسان
فليتهما لم يشربا قط قطرة وليتهما لم يجريا لرهان
أحَدَّ به أمس الْجُنَيْدِبُ نَذْرَه فأي قتيل كان في غَطَفان
إذا سجعت بالرقمتين حمامة أو الرس فابكى فارس الكَتِفان
وقالت صبية، ماتت أمها، فأضرت بها امرأة أبيها:
فلو يأتي رسولي أمّ سعد أتى أمي ومن يعينه حاجي
ولكن قد أتى مضنْ بين وُدّي وبين فؤاده غَلَق الرَّتاج
ومن لم يؤذه ألم برأسي وما الرئمانُ إلا بالنتاج