لما صدع سعد بن أبي وقاص جيش الفرس بالقادسية، أتته حُرَقة بنت النعمان ابن المنذر في حفدة من قومها وجواريها - وهن في زيّها، عليهن المسموح والمقطعات السود مترهبات - تطلب صِلة. فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد. فقال: أيكن حرَقة؟ قالت هأنذا. قال: أنت حُرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك في
استفهامي؟ ثم قالت: إ، الدنيا دار زوال لا تدوم على أهلها انتقالا، وتُعقبهم بعد حال حالا. كنا ملوك هذا المصر. يجبي لنا خراجه، ويطيعنا أهله، مدى الإمرة، وزمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر، فشق عصانا، وشتت شملنا. وكذلك الدهر يا سعد. إنه ليس يأتي قومًا بمسرة، إلا ويعقبهم بحسرة. ثم أنشأت تقول:
[ ١ / ١٦٤ ]
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنَصَّفُ
فأُفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها تَقَلَّب بنا وتصرف
فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد! كأنه إلى حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحذرنها لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافىً فَيَرْدَى ولقد كان آمنًا مسرورا
وحدثوا أن عمرو بن معد يكرب - وكان من قصاد النعمان وزواره - دخل عليها وهي بين يدي سعد، فلما نظر إليها قال: أنت حُرقة؟ قالت نعم. قال فما دهمك: فذهب بجوادات شِيَمك؟ أين تتابع نعمك، وسطوات نقمك؟ فقالت: ياعمرو، إن للدهر عثرات وعبرات تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتُفْردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عز. إن هذا الأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قالوا: فلما انصرفت من لدن سعد لقيها نساء القادسية، فقلن لها: ما فعل الأمير؟ قالت: أكرم وجهي، وإنما يكرم الكريم الكريم.