إن المرأة التي انحسرت عن أشد أمم الأرض بأسًا، وأسماها نفسًا، وأدقها حسًاّ وأرسخها في المكْرمات أقدامًا، وأرفعها في الحادثات أعلامًا، وأوفرها في المشكلات أحلامًا، وأمدها في الكرم باعًا، وأرحبها في المجد ذراعًا؛ تلك المرأة التي انحسرت عن هذه الأمة، وأحلها الرجل أسمى المواطن من نفسه ورأيه ومشورته، لحريٌّ بالقلم أن يقف دون وصفها خاشعًا متراجعًا.
نشأت المرأة العربية ونشأ معها نصيب من عزة الجانب وحرمة الرأي. وقد علمت مما أسلفنا لك وستعلم مما يمر بك أنها بلغت منها غايتهما فأنالها ذلك فضل ما وصلت إليه من شرف النفس، ومضاء القلب، ونفاذ الرأي، وسموّ العاطفة.
إن المرأة التي سُلِبتْ نفسها ورأيها، وحُرمت نصيبها من الوجود، ووسمت بوسام من الذل والهوان، لا تكون امرأة فاضلة، ولا تنكشف عن أُمة فاضل. ذلك لأن المرأة إذا استشعرت المهانة من ذويها هانت عليها نفسها، وأحر بمن هانت عليه نفسه ألا يمتنع عن دينه، ولا يعتصم من منقصة.
كل ذلك أدركه العرب منذ التاريخ القديم. فقد ذكر كلاي - فيما وصل من مباحثه عن دولة بابل أو العمالقة الأقدمين ٢٤٦٠ - ٢٠٨١ ق م - أن المرأة يومذاك كانت ممتعة بحريتها كاملة غير منقوصة وأنها كانت هي والرجل على سواء في تصريف الرأي، وتسُّنم المناصب.
[ ١ / ٤٦ ]
كذلك كان نساء العرب منذ أربعة وأربعين قرنًا لا فرق بينهن وبين أحدث نساء هذا العصر مدنية إلا أنهن فطرة الله وصبغته، ونثار الطبيعة وأنوارها، لم تثقلهن كلْفة، ولم تحجب صفاءَهن صناعة. قلب نقّي، ووجه غير مخضوب.
إن الكذب والزور والخديعة والخيانة وأشباه تلك الدنايا لا تجد السبيل إلى قلب المرأة العربية لأنها جميعًا من فضول النفس الضعيفة، وهي بمنجاة عن ذلك الضعف.
وأين للضعف من سبيل إلى المرأة التي تقول وقد استَحَرَّ القتل بقادتها والْحُماة المدافعين عنها:
أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ولم يبتغوا من رهبة الموت سُلما
ولو انهم فروا لكانوا أعزة ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
تلك هي المرأة العربية في قصِيّ عهدها، وبعيد أمدها. قوة في حياء، ورقة في مضاء، وذكاء في صفاء، ورعى ووفاء وصبر على الَّلأواء، وحدب على الأزواج والأبناء.
ونحن أولاد موفون لك الكلام على المرأة العربية في حياتها الزوجية، ثم في عهد الأمومة، ثم في حياتها العامة.