إذا رأيت الرجل يخشى مواطن السوء، ويغتمر مكامن الريب، ويعتم خفيات الدنايا، فأشفق على زوجه أن يصيبها ما أصابه. لأن القرين سنَّة القرين، والرجل مرآة أخيه. فكيف بزوجه وهي ألزم له، وأعلم بخبيئة أمره؟
إن سيرة الرجل في نفسه هي الجزء الأكبر من عرضه ومن فَرَّط في النصيب الأوفر أوشك أن يتبعه بالأقل. ومن لا أمانة له في نفسه، لا أمانة له فيمن سواه.
وأن تعجب فعجب ما يقول الرجل، أن الله اصطفاه وفضله وآثره بوفر العقل، ورياضة النفس، وغلبة الهوى، وإلى المرأة إنما هي حِسٌّ ثائر، وعاطفة نَزَّاعة،
[ ١ / ٦١ ]
يتضاءل العقل بينهما، ويتَفيَّل الرأي دونهما، ثم هو يجري في اللهو مخلوع العذار لا عاصم له من عقل ودين، حتى إذا آنس منها ما يكره، وأنزل من أمرها على ما يريب، طاش لبه وانخلع قلبه، والْتَفَع بقناع العار وجهه، وحملها من التبعة ما لو حمل نفسه اليسير الدنيَّ منها لبلغ نظام الكون أقصى مداه من الكمال. ولكنه أساء إلى نفسه، فأساء إلى عشيرته، وتنكب الطريق السوي، فعمت النكبة، وتوالت المثُلات وما ظلمهُم الله وَلكن أنْفُسَهُم يظلمِون.
ذلك مثل ما يختلج بنفوس القوم الذين وهنت إرادتهم دون نزعات أهوائهم وناءت نفوسهم بعقبى جرائرهم، والرجل العربي أبعد ما يكون عن هؤلاء. إن الذي يكْلمُ
العربي في سيرته، ويرميه في عفته، إنما يطعنه في أمَسَّ صفاته به وأبقاها أثرًا فيه؛ التي أُرهفت عليها، وشرفه الذي يموت وهمته التي تضطرم بين جنبيه.
إن الرجل الذي يتأثر النساء في مسيرهن، ويجعل همه ابتغاءَ المهنيات منهنّ جبان، ساقط الهمة، مغمور العرض، وليس العربي في شيءٍ من ذلك.
لقد كان الرجل من هؤلاء يزهيه ويهز عطفيه أن يمتدح بعفة المئزر أكثر مما يكون لو مدح بشجاعته واعتزامه. وكان إلى ذلك مرجع فخره بنفسه وتمدحه بشمائله لأن مغالبة النفس، وقمع الهوى أدل على الشجاع، وأمثل به من مغالبة الأسد في غبلها واقتياد العُصم من جوها.
على أننا لا نكْذبُ التاريخ، ولا نَتَبغّى المحال، فنقول إن العرب سنَّيهم ودينهم، شريفهم ومشروفهم، كانوا على سواءٍ في اطراح المآثم واجتناب المحارم،
[ ١ / ٦٢ ]
فذاك سبيل أهل الخيال، الذين يرون من كل شيءٍ غايته ويأخذون من كل أصفاه، فإن في تنزيه العرب أنفسهم عن الدنيا دليلا على وجودها. وكما افترضنا بين غمار العرب الجبان المستطار حق لنا أن نفترض الفاحش المريب. على أن هؤلاء أوزاع صعاليك العرب وشرادهم كان مغداهم إلى ماءٍ قَلَّ بينهن من تنتسب إلى العرب، وكان يتوارين عن العيون بمنجاة عن المدائن والقرى ومضارب خيام البادية. وكان الرجل إذا غدا إليهن اَّدرع الظلام وأرخى إزاره على أثر خطاه فوق الرمال حتى لا يتعرف الناس أثره. وكان العرب يدعون المرأة المهنية بالمظْلمة من أجل ذلك. ومن جوامع كلهم في المدح: فلانٌ لآيرخى لمظْلِمةٍ إزاره. قالت العوراء بنت سُبيع:
أبكى لعبد الله إذ حُشَّت قُبيل الصبح نارُه
طَيانَ طاوِي الكَشْح لا يُرْخَي لُمظْلِمةٍ إزارُه
أما بغاة الشرف وأبناء سادات العرب فهم بنجوة عن كل ذلك. وقد أطرد امرأ
القيس أبوه، ووكل به من يقتله، لأنه اْشتَم روح الفجور من شعره.
وقالوا: ليس سيدًا من غلبته شهوته.
وكان من أكبر المآثم عند العرب أن يلتقي الرجل بالفتاة فيبدأها بالكلام أو يُلقي إليها السلام، وربما هاج ذلك شرًّا عقامًا. وقد يكون من ذوي قرباها والراغبين في خطبتها فتحول تحيته دون ما يبتغي. وفي ذلك يقول حُميد بن ثور:
ومالي من ذنب إليهم علته سوى أنني قد قلت يا سْرحةُ اسلمي
[ ١ / ٦٣ ]
نعم فاسلمي ثم اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تَكَلَّمي
وقد كف عنترة عن طلب عبلة جارية أبيه وسام نفسه البعد عنها، والحرمان من زواجها، لأنه ذكرها في شعره، حتى لا يثلم سنة العرب، ولا يحل حرامهم.
ومن أمثال العرب: كل شيءٍ مَهَةٌ ما خلا النساءَ وذكرهن أي كل شيء يسير يحتمله الحر إلا أن يذكر النساء وتذاع أخبارهن.
لذلك كله ولفرط ما طبعت عليه منذ نشأتها الأولى من صفاء الفطرة وسماحة الخلق، وكرم التأديب، اشتملت الزوجة العربية على خير ما أشتمل عليه فضليات النساء من مواتاة الزواج، والبر به، والإخلاص له، والحدب عليه.
ولئن ذكر عن الرجال أنهم يموتون ذودًا ن حريمهم. لقد أثر مثل ذلك عن النساء أنهن يمتن دون الدنية في أحرج المواقف وأضيقها، إيثارًا لشرف أزواجهن على غوالي حياتهن، وإن لك فيما أسلفنا من أمر فاطمة بنت الخرْشُب وقتلها نفسها دون أن تتخذ سبية أسيرة ودون أن يوصم اسم زوجها وبنيها ما فيه غناء.
ومن أمثلتهن في ذلك: المنية ولا الدنية.
لقد كانت الزوجة العربية من الزوج لا يملك أمر مادته ولا معناه إلا بها، فهي تعلم من أمر الحياة ما يعلم، وتحسن من رياضة الكلام ما يحسن، وتجيد من إجالة الرأي، وتصريف الأمر ما يجيد، فهي عديل نفسه، وملاك أمره، وقوام نظامه.
إن أعوزه السمر أطربته، أو جدّ به الأمر آزرته، أو التبس عليه الرأي أوضحته، أو ضاق به الصدر فرجته.
وحدثوا أن رجلًا من سراة قريش - جمع بين ضيق الخلق وسماح اليد -
[ ١ / ٦٤ ]
خطب إحدى كرائم قومه وحسيباتهم، فلما وفق إلى قبولها ذهب إليها فقال لها: يا هذه إن في سوءِ خلق يعود إلى احتمال وتكرُّم، فإن كان بك على صبر وإلا فلست أغُرُّك مني. فقالت له: إن أسوأ خلقًا منك لمن يحوجك إلى سوء. . . فما جرت بينهما كلمة حتى فرق بينهما الموت.
ليست تلك بالمتفردة في خلقها، فإن ما عرف عن نساء العرب جميعًا سعة الصدر وطول الإنارة وقد راضهن على ذلك كثرة ما رأينه من تبدل الحال بين عسر ويسار، وطوال ما أَلفْنهُ من نشوة الكرم، وجنون السخاء في أزواجهن، حتى لا يبقون على ما يتبلغ به أطفالهم. كل ذلك إلى ما عهدنه من تتابع الخطوب، وموالاة الحروب، وما إليها من ثُكل وفجائع؛ مما وطنهن على احتمال الأذى، وجعل مدى الصبر في صدورهن بعيدًا مديدًا.
والصبر والوفاء توأمان متشابهان، ورفيقان متلاحقان، إذا اكتمل أحدهما استتم الآخر ولئن كان حميدًا من المرأة أن تعاشر زوجها على الوفاء له، فإن أحمد من ذلك أن تفي له بعد طلاقها منه، فتذكر له ولآله خير ما عرفت عنهم. وليس ذلك بعزيز على امرأة أقامت كريمة وفارقت كريمة إمساكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان وسأورد لك من أمرها في ذلك ما يطمئن به قلبك. ويسكن له ثائر نفسك.
حدث محمد بن زياد الأعرابي، قال:
قامت امرأة عروة بنت الورد العبسي في نادي قومه بعد أن طلقها، فقالت: أما والله إنك للضَّحوك مقبلا، السكوت مدبرًا. خفيف على ظهر الفرس ثقيل على مَتْنِ العدو، رفيع العماد، كثير الرَّماد، ترضى الأهل والأجانب. فقال: فتزوجها رجل
بعده فقال: أثنى علَّي كما أثنيت عليه. قالت: لا تحوجني إلى ذلك فإني
[ ١ / ٦٥ ]
إن قلت قلت حقا. فأبى. فقالت: إن شملتك الالتفاف. وإن شربتك الاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف.
وحدث أبو عمر بن العلا قال: تزوج رجل من بني غدانة بامرأة من جعدة ثم وقع بين الحيين ما حمله على فراقها، فمسه من ذلك غمٌّ وأحزان، فلما اعتزمت الرحيل قال: استمعي ويستمع من حضر: أما لقد اعتمدتك برغبة، وعاشرتك بمحبة، ولم أجد عليك زلة، ولم تدخلني لك ملة، وإن كان ظاهرك لسرورًا، وباطنك للهوى، ولكن القدر غالب، وليس له صارف. فقالت له المرأة مجيبة: أثنيت وأنا مثنية، فجزيت من صاحب ومصحوب خيرًا، فما استربت خيرك، ولا شكوت ضيرك، ولا تمنت نفسي غيرك، وما ازددت إليك إلا شرهًا، ولا أحسست في الرجال لك شبهًا. ثم افترقا.
وحدث المدائني قال: تزوج حصْن بن خليد ببنت الورد بن الحارثثم طلقها فجاء اخوتها ليحملوها فقالت: مُروا بي على المجلس بالحي أسلم عليهم فنعم الأحماءُ كانوا. فأقبل هو وهي في قبتها فقالت: جزاكم الله خيرًا، فما أكرم الجوار، وأكف الأذى! قالوا: ما الذي كان عن ملإمنا ولا هوى. فقالت اللهم إني لم أُطلق من بغض ولا قلًى فعليكم السلام.
[ ١ / ٦٦ ]