مزق الإسلام حجب الفوارق بين النساء، كما مزّقها بين الرجال. فتطامنت الرؤوس، وتساوت النفوس، فلم يكن بين المرأة والمرأة إلا الخير تتقدَّم به، أو العمل الصالح تسبق إليه. فأما أن تُدل َّ بعَرضَ طارف، أو تعتز بحسب قديم فذلك ما لا يقَدمها أُنملة، ولا يُغني عنها من الله شيئا.
لقد شرع الله للمؤمنين شِرعة الإخاء بقوله جلّ شأنه: (إنما المؤمنين اخوة) فلم يكن يَفرق بين المسلمة والمسلم، ولا بين المسلم والمسلمة، إلا شريف الخلق وخسيسه فذلك حيث يقول الله تباركت حكمته في كتابه الكريم (الْخَبِيثات للْخبِيِثينَ والخَبيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطَيَباتُ للطَيبينَ والطَّيَبونَ للِطَّيَباتِ). وكذلك استن رسول الله ﷺ المساومة بقوله: ألا وإن المسلم فلا يحلُّ لمسلم وسبب يوم القيامة مقطوع إلا نسبي وسبي. ولا أدَلُّ على مل نقول من حديث فاطمة بنت الأسود المخزومية - وهي امرأة من ذوات اشرف والحسب من قريش - وَهَنت نفسها فسرقت فقامت عليها البينة، فوجب عليها الحدّ. فأهَمَّ ذلك قريشًا. فقالوا: من يُكلم رسول الله ﷺ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ؟ فكلم رسول الله ﷺ. فقال أتشفع في حدّ من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلَّ مَنْ قبلكم إذا سرق الشريف تركوه
[ ٢ / ٢٠ ]
وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.
أرأيت لو ذهبت صبية جارية بقطيع من الغنم، فعدا الذئب على واحدة فأكلها، فنهض مولى الصبية غليها يضربها، أكان ذلك غريبًا على الناس، بعيدًا عن موقع أسماعهم وأبصارهم؟ لقد حدث ذلك في عهد النبي ﷺ وغدا الرجل على رسول الله يخبره بما أصاب به جاريته. فاشتدّ بالنبي الغضب حتى احمرّ وجهه، وهاب أصحابه أن يكلموه. ووقف الرجل واجمًا لا حراك به. وقال
﵊ عند ذلك وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب! وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب! وما زال يكررها.
ثم قال: إن خدمكم إخوانكم جعل الله لكم الولاية عليهم، فلم يجد الرجل مساغا من موقفه إلا بعتق جاريته.
[ ٢ / ٢١ ]
ولقد ورث ﵊ فيما ورث عن أبيه جارية عَسْرى اللسان لا تكاد تبين: هي أُم أيمن. فكان ﷺ يدعوها أُمه. وكان إذا نظر إليها قال هذه بقية أهل بيتي.
وكان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة، أن يسمعِ الرجل يعَّر الرجل بأمه. وآية ذلك ما حَدَّث المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ الغِفَاري وعليه حُلة وعلى غلامه حُلة. فسألناه عن ذلك فقال: إني سأبيت رجلًا فشكاني إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: أعَيَّرته بأمه! إنك امرؤ فيك جلهلية. ثم قال إن خدمكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم.
[ ٢ / ٢٢ ]
ذلك الإخاء الشامل هو الذي حمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يزَّوج ابنه عاصمًا - وهو أحب أبنائه إليه - من ابنة امرأة بيع اللبن في الطريق، وهو لو شاء زَفَّ إليه وأعز امرأة في العلم. ولكنه أثر الخلق العظيم على البيت الكريم، والمجد القديم، وتفصيل ذلك فيما رواه الميداني أن عمر ﵁ مرّ بسوق الليل - وهي أسواق المدينة - فرأى امرأة معها لبن تبيعه، ومعها بنت شابة. وقد همت العجوز أن تمذق لبنها - تخلطه بالماء - فجعلت الشابة تقول: يا أُمَّه لا تمذقيه ولا تغُشّيه. فوقف عليها عمر فقال: مَن هذه منك؟ قالت: ابنتي: فأمر عاصمًا فتزوجها.
أقول: وقد أنجبت هذه المرأة - فيمن أنجبت - أورع وأعدلهم وأجلّهم عمر ابن
عبد العزيز، فهي جدَّته لأمه. ﵃ أجمعين.
[ ٢ / ٢٣ ]