هنالك فيما أوردنا من حديث القوم. وأسلفنا من مساق أشعارهم، وشتات آرائهم علمت مكان المرأة من زوجها، واستمكانها من نفسه، واحتكامها بذات يده واستئثارها بالصميم من قلبه. ورأيت كيف حرصه عليها. واحتفاظه بها، ووفاؤه لها، وتفديته إياها بالتالد والطريف من ماله والحر الشريف من دمه. لقد كان العربي يعتد زوجه العشير الأدنى، والمشير الأمين، وكان يُطرق لقولها، ويطمئن
إلى رأيها، ويسكن دون الصفيّ العذب من لفظها، وكان عزيزًا عليه أن تطلب فلا تجاب، أو تشفع فلا تُشَفَّع.
ولقد كان من أمر عمرو بن حُجر يوم خطب غلى عوف بن مُلحم ابنته أن أمهرها ضيعة له في كندة. وأضاف إلى ذلك أن يمنحها حاجات قومها فلا تُرَدُّ لأحد منهم حاجة، وكان ذلك شرطًا معقودًا.
[ ١ / ٥٨ ]
أما لقد نشبت الحرب بين أعظم شعوب العرب - عدنان وقحطان - حتى انقلب بها ميزان القوة، واستحالت لها مقادة الملك للطمة أصابت امرأة من زوجها.
ذلك أن ملوك اليمن لهم سيادة العرب جميعًا. وكانوا يرسلون ولاتهم وعمالهم يجمعون لهم الأتاوى، ويرهقون العرب في سبيلها إرهاقًا لا يطاق، وكانت ربيعة قد انتقضت على اليمن فرماها الملك بوالٍ عتيد شديد هو لَبيد بن عَنْبَسةَ الغَسّاني فأقام فيهم وتزوّج امرأة منهم يقال لها عَمْرة بنت الحَباب التَّغلبية فبينما هو يحدثها ذات يوم قال لها: ما بال كليب - عظيم ربيعة - ينصر مُضر ويتهدد الملوك؟ قالت: لا أعلم في ولد إسماعيل ذا لِبْدة هو أشد منه! فهاج ذلك القول لبيدًا حتى عمد إليها فلطمها وقال لها: أترين أنك حرة؟ أنت أمَتي فاقبلي ما يأتيك منا معشر الملوك. قالت: أنا أكرم منك. ثم خرجت مُغْضَبَة حتى انتهت إلى كليب وهي تقول:
ما كنت أحسب والحوادث جمة أنا عبيد الحي من غَسان
حتى علتني من لبيد لطمة سُجرت لها من حَرها العينان
إن ترض تغْلب وائل بفعالهم تكن الأذلة عند كل رهان
لولا الوجيهة قطَّعتني بكرةٌ جرباء مُشْعَلة من القطران
فلما سمعها كليب خرج حتى هتك على لبيد قُبّته، وصدع بالسيف هامته، وهنا لك ساقت اليمن جحافلها، وجمعت مضر وربيعة جموعها، وقاد الأولين عمر من بابل
اللخْمي، ورَأَس الآخرين كليب بن ربيعة التغلبي، واقتتل الفريقان
[ ١ / ٥٩ ]
من صبيحة اليوم إلى أصيله في موقعة بذلت فيها المهج، وبيعت الأرواح بيع السماح ثم حمل كليب على عمرو فحال أصحابه دونه بالرماح. ويقولون إن أربعة آلاف سيف عرضت دونه فشقها كليب جميعًا حتى انتهى إلى عمر فطعنه فقصم صلبه، وحملت ربيعة في أثره، ومضر من ورائها، حتى أوقعوا بجيوش اليمن، ومزقوها كل ممزق وحرروا العرب من وسم عارها، وذل أسارها.
ولعمر أبيك ما كان مثل الزوجين في توادّهما وتآلفهما وتجاذب الودّ والولاء بينهما إلا كما قالت صفية الباهلية في رثاء زوجها:
عشنا جميعًا كغصني بانة سمقا حينا على خير ما تنْمى له الشجر
حتى إذا قيل قد طابت فروعهما وطال قنواهما واستنضر الثمر
أخنى على وإحدى ريب الزمان ولا يبقى الزمان على شيء ولا يذر
فاذهب وحيدًا على ما كان من أثر فقد ذهبت فأنت السمع والبصر
وما رأيتك في قوم أسر بهم إلا وأنت الذي في القوم تشتهر
كنا كأنجم ليل بيننا قمر يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
وربما نادى الرجل امرأته فذكر اسمها مجردًا لأنه للود أوثق، وبالقلب ألصق، وقد يذكره مصغرًا لأن ذلك أروح لنفسها وأبقى على الدلال فيها. وقد يكنى عنه بما هو من خاصة شأنها، ولِزام أمرها، فيقول: يا ربة البيت. كما يقول مُرة بن مَحْكان التميمي:
يا ربة البيت قومي غيرَ صاغرة ضمي إليك رِحال القوم والقربا
أو يا ربة الخدْر كما يقول:
ألم تعلمي يا ربة الخدر إنني أبيّ إذا رام العدوّ تهضمي
[ ١ / ٦٠ ]
وربما سمى بندائها فألطفه بأسى مفاخرها، كما يقول قيس بن عاصم المنْقَرِي
يخاطب زوجه مَنْفُوسة بنت الخيل - وكانت قد أتت بطعامه في الليلة الثانية من بنائه بها فقال لها: أين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد حتى قال:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس النَّهد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحدي
قصيًا كريمًا أو قريبًا فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام نازلا وما في صفاتي غيْرها شِيم العبد