لنساء العرب مظاهر من الوفاء كلها حسن جميل إلا ما تَعَسَّفته الثواكل منهنّ مناحاتهنّ ومَهاجات أحزابهن من توَرُّط في الجزع وإسراف في البلاء.
والمرأة العربية أحمل الناس لنازلة وأصبرهم على مُلمة، إلا إذا انتزع الموت منها أليفًا حميمًا أو عزيزًا عظيمًا. فهي تسير في شعاب من الأحزان طَلْقَة العنان بل إنها لتضاعف أحزانها، وتورث ضرام جشاها، بما تنهجه يومذاك من خطة وتشتمل عليه من عادة.
على أن نساءَ العرب في مواقف الحزن طبقات بعضها فوق بعض. فهنالك الُمتجَمَّلة المؤتزرة بالصبر، التي تشتفي بالبكاء، وتكتفي بالرثاء. ثم تأتي بعد هذه الصالقة والشاقة والحالقة.
فالصالقة التي ترتفع صوتها وتدعو بدعوى الجاهلية كأن تقول في ندبة ولدها واولداه، وواكبداه، وفي كبيرها: واجبلاه، أو واعضداه.
[ ١ / ١٤٢ ]
والشاقة التي تُنحي على جيب جلبابها شقًا وتمزيقًا. وبذلك أوصى طرفة أخته بقوله:
إذا مت فاْنعَيني بما أنا أهله وشقي علىَّ الجيب يا ابنة معبد
والحالقة التي تحلق شعرها فلا تبقى على بقية منه.
وأولئك اللواتي لعنهن رسول الله ﷺ وبريء منهن
ومنهن التي في يديها نعلين تصفق بهما وجهها وصدرها، وإلى هذه يشير عبد مناف ابن رِبع الهْذَلي في قوله.
يَريع قَلْبَ ابنتيْ رِبْعٍ عويلُهُما لا تَرْقُدان ولا يُؤْسَى لَمن رقدا
كِلتاهما أُبطنَتْ أحشاؤهها تَصَبَا من بطن حَلْبة لا رَطْبًا ولا نقِدا
إذا تأَوَّب نَوْح قامتا معه ضربًا أليمًا بِسبْتٍ يَلْعَجُ الجِلدا
كل ذلك أو بعضه مما يفزع إليه الغاليات اللواتي اهتاجهن الحزن فأسرفن على أنفسهن. فأما ذوات الرأي الجزل والحسب الكريم فهو عندهن مأثمة يأبين أن يقارقنها ويهبطن إليها، على رغم ما يعالجن من حُرق وأحزان. وتلك هي الخنساء وما ضرب به المثل من تدلهها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها، لم ينزل به الهلع إلى منازل أولئك المسرفات. فلم تحلق شعرًا، ولم تضرب صدرًا، وذلك حيث تقول في رثاء أخيها معاوية:
فلا والله لا تسلاك نفسي لفاحشة أتيت ولا عقوق
[ ١ / ١٤٣ ]
ولكني رأيت الصبر خيرًا من النعلين والرأس الحليق
وأشد القتال أثقال المصيبة في الرجل يلقي امرأته. فهي تقيم من بعده سنة كاملة لا تمس ماءً، ولا تُقَلَّمُ ظفرًا، ولا تزيل شعرًا
بل ربما ضاعفت المرأة هذا الشقاء فانتبذت بيتًا صغيرًا تقيم فيه عامها بنجوة من الناس، ولبست شر ما تلبس من الثياب.
وإليك ذلك الحديث الكريم فإن فيه وفاءً بتلك العادة المُعْنتة:
حدث البخاري عن حُميد بن نافع عن زينب ابنة أبي سَلمةَ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ: يا رسول الله إن ابنتي تُفي عنها زوجها. وقد اشتكت عينها أفَتكحْلها فقال رسول الله ﷺ: لا مرتين أو ثلاثًا. كل ذلك يقول لا. ثم قال رسول الله ﷺ إنما هي أربعة أشهر
وعشر وقد كانت إحداكن ترمي بالبعْرة على رأس الحول، قال حُميد بن نافع: فقلت لزينب وما ترمي بالبعَرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حِفْشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمر بها سنة ثم تُؤْتى بدابة: حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتَعْطى بعرة فترمى. ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب.
على أن نظرة واحدة في رواية الحديث، وسؤال رواية عما يراد منه على قرب عهده بالجاهلية، تُنْبئنا أن تلك العادة لم تكن عامة شاملة في بطون العرب وشعرها.
وكان قول النساء إذا حُمل الميت من بيته، أو وُوري قبره، أن يقلن: لا يَبْعَدْ. يردن بذلك أننا أحوج ما نكون إليك فلا تحجب دوننا أثر يمينك
[ ١ / ١٤٤ ]
ولا نور جبينك. والعرب كَلِفون بأن ينسبوا للميت بعد الموت جميل ما اشتمل عليه من صفات ومَكرُمات. فهم يقولون إن ربيعة بن مُكَدَّوم حمى الظُّعُنَ حيَّا وميتًا. وإن حاتمًا تفح ضيوفه وهو في قبره بما كان يحبوهم به وهو حي.
لذلك قال النساء: لا تبعد. قالت الفارعة بنت شداد في رثاء أخيها مسعود بن شداد:
أبا زُرَارَة لا تَبْعَدْ فكل فتى يومًا رهين صفيحات وأعواد
وقالت الخورنق بنت بدر:
لا يَبَعْدَنْ قومي الذين همُو سُم العُدَاة وآفة الْجُزُر
النازلين بكل معتَرَك والطيبون معاقد الأزُر
وقالت امرأة ترثي ولدها:
بُنِيتْ عليك بُنى أحَوجَ ما كنا إليك صفائحُ الصَّخر
[ ١ / ١٤٥ ]
لا يُبْعِدنكَ الله يا عَمْرِى إما مضيت فنحن بالإثر
وقالت أم عمرو بنت مُكدّم في رثاء أخيها ربيعة بن مكدوم:
فاذهب فلا يُبْعِدَنْكَ الله من رجل لاقي الذي كلُّ حيّ مثلَهُ لاق
وقال الفرار السُّلمي:
ما كان ينفي مقال نسائهم وَقُتلْتُ دون رجالهم لا تبعد
وكانت المنادب والمناحات على سادة الحي وأشرافهم سنة كاملة. بذلك أوصى لبيد بن ربيعة ابنتيه في قوله:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ولا تَخْمِشَا وجهًا ولا تحلقا شَعَر
وقولا هو المرء الذي لا صديقهُ أضاع ولا خان الأمين ولا غدر
إلى الحول ثم أسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
حتى إذا لحق لبيد بربه، نهض ابنتاه بما أمرهما به، فكانتا تلبسان ثيابهما كل يوم، وتقصدان إلى مجلس جعفر بن كلاب عظيم عشيرته فترثيانه ولا تُعْولان وكذلك أقامتا سنة كاملة ثم انصرفتا.
وإنما أوصي لبيد بنيتهيه بما أوصاهما، وبعد أن آمن بالله واعتصم بدينه، لمِا اتصف به من الشرف القديم في قومه، فلم يشأ أن يرز أهم فيما عف من سننهم ومناهجهم.
[ ١ / ١٤٦ ]