حدث أبو بكر دريد قال: كان قيل من أقيال حِمْير مُنع الولد دهرًا، ثم وُلدت له بنت. فبنى لها قصرًا منيعًا عن الناس. ووكل بها نساء من بنات الأقيال يَخْدُمنها ويؤدبنها، حتى بلغت مبلغ النساء، فنشأت أحسن منشأ وأتمة في عقلها وكمالها. فلما مات أبوها ملّكها أهلُ مِخْلافها فاصطنعت النسوة اللاتي ربَّينها وأحسنت إليهن. وكانت تشاورهن، ولا تقطع أمرًا دونهن. فقلن لها يومًا: يا بنت الكرام، لو تزوجت لَتَم لك الملك! فقالت: وما الزوج؟ فأخذت كل واحدة تصف العذب المهني من صفات زوجها فقالت: أمهلني أنظرْ فيما قلتنّ. فاحتجبت عنهن سبعًا، ثم دعتهن. فقالت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتني أُملّكه رقّي، وأبثه باطلي وحقي. فإن كان محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بِغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شِقْوَتي على
[ ١ / ١٦٦ ]
أنه لا ينبغي إلا أن يكون كفؤًا كريمًا، يسود عشيرته ويَربُّ فصيلته، لا أتقنع به عارا في حياتي، ولا أرفع به شَنَار لقومي بعد وفاتي.
فَعَليكُنَّه، وتفرقهن في الأحياء فأيتكن أتتني بما أحب فلها أجزل الحباء، وعلىّ لها الوفاء. فخرجن فيما وجَّهتهنّ له - وكن بنات مقال ذوات عقل ورأي - فجاءتها إحداهنّ - وهي عَمرطة بنت زُرعة بن ذي خنفر - فقالت أصبت الْبُغْية. فقالت: صفية، ولا تُسميه. فقالت: غيث في المحل، ثمِال في الأزلِ، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويَغْمُرُ الندىّ، ويقتاد الأبيّ، عرْضه وافر، وحَسَبه باهر. غَضٌّ الشباب، طاهر الأثواب. قالت: ومن هو؟ قالت: سَبرة بن عوال بن شداد بن الَهمّال. ثم خلت بالثانية فقالت: أصبت من بغيتك شيئًا؟ قالت: نعم قالت: صفية، ولا تسمية. قالت: مصامص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزير العطايا، مألوف السجايا، مُقتبل الشباب، خصيب الجناب. أمره ماض، وعشيره راض. قالت: ومن هو؟ قالت: يَعْلَي بن هَزال بن ذي جدن. ثم خلت بالثالثة، فقال: ما عندك؟ قالت: وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد يعطي قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال في العشيرة معظَّم، وفي الندى مكرم. جم الفواضل، كثير النوافل، بذَّال أموال، محقق آمال، كريم أعمام وأخوال. قالت: ومن هو؟ قالت: رواحة بن حمير بن مضحى ابن ذي هلاهلة، فاختارت يعلي بن هزال فتزوجته. فاحتجبت عن نسائها شهرًا. ثم برزت لهن الحباء. وأعظمت لهن العطاء.
[ ١ / ١٦٧ ]