في ذلك اليوم يأخذ ذوو الفتاة زينتهم، ويجمعون قاصيتهم، ويَنْتَدُون في ساحة دارهم، أو نَدىَّ عشيرتهم، وفي صدرهم وَلّيَ صاحبتهم، مرتديًا بُرْدَىْ حَبَرَة متخَلَفا بالخلوق. وهنالك يَقْدم رجال الفتى، فيهبطون من أكفائهم ونظرائهم مَهْبطًا كريمًا. حتى إذا اطمأَن بالقوم المكان، أنشأ وليّ الزوج يخطب القوم خطبة رَيَّقةً مُونِقَةً، يكشف فيها عما تناجوا به، وقدموا له، ويقدّر فيها المهر عاجله وآجله. ثم يجيبه وليّ مخطوبتهم بمثلها، يُضَمَّنها الرضا بالقوم أخدانا وبصاحبهم صهرا. حتى إذا انتهيا نُحرت اُلجزُر ومُدَّت المطاعم، وسُمع الغناء من مجالس النساء.
وتسمى وليمة ذلك اليوم بالنقيعة.
وصيغة العقد عندهم، أن يقوم الزوج: خِطْبٌ. فيقول وليّ الزوجة: نِكْحٌ. وذلك حديث ذلك اليوم في أسرتين من سادات أسر العرب وهاماتهم.
أرسلت خديجة بنت خويلد إلى أمين قريش ومأمونها محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - تخطبه وتقول له، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وحُسْن خُلُقك، وصدق حديثك. فرجع محمد، ﷺ،
[ ١ / ١٣٦ ]
بالقول إلى عمه العظيم الكريم أبي طالب بن عبد المطلب، فرضيه، وأقرّه عليه، ولما استقر لخديجة من نُبْل اُلخلُق، وسناء الحياة.
غدا الرسول على خديجة بالرضا، وبان القوم غادون في أثره، فأرسلت في آلها ورجال أسرتها، واستأذنت عمها، فأذن لها، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. ثم
نهضت إليه، فحلفته بالعبير، وكسته بردى حبرة حمراء، وأقبل القوم من بني هاشم، وفيهم كريم فتيانهم، ونجيب عشيرتهم، محمد بن عبد الله، فنزلوا من بني أكرم منزل وأسناه وهنالك تداول الخطابة أبو طالب بن عبد الله سيد قريش وإمامها، وورقة بن نوفل - ابن عمّ خديجة - حَبر قريش وعالمها. ولما انتهى القائلان نحر محمد - صوات الله عليه - جَزورين. وأمرت خديجة نساءها فرقصن وغنين. وإليك نص الخطابتين: -