لا تجد في مأثورة حياة العرب ومعدود أيامهم، يومًا أتم بهاء، ولا أعم صفاء. ولا أبدع رُواء ولا أكثر ضياء ولا أجمع للبهيج الهني من محالفهم، ومعالم أفراحهم من يوم البناء. فهنالك يتبارى الفتيان فيلعبون بالرماح. وينتضلون بالصفاح ويَستَبِقون على متون الخيل. ويأخذون في الميسر - وهو أداة لهوهم وسنة الندى
والكرم فيهم - ويسرحون ويمرحون، ويشربون ويطربون.
أما بين يدي الدار وفي حجرتها، فهم يبسطون الأنماط، ويشدونها على الجدران وعليها النقوش المموهة والصور المزينة - وتلك التي استنكرها الإسلام
[ ١ / ١٤٠ ]
واطرحها في أعراس المسلمين - وعلى النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوتة، يجلس النساء، ويأخذ فتياتهنّ فيما عف وظرُف من ضرب اللهو وفنون المرح.
فأما الليل فأحسن ما اكتحلت به نواظر العرب حتى جعلوه مضرب أمثالهم فقال قائلهم
يا ليلة ما ليلة العروس
فهنالك تُجلى الفتاة، ويُفرع عليها الحُلّيِ مما تملك وما لا تملك، لأن قومها يستعيرون لها أمتع ما في الحي من حلي، بل ربما تجاوزوا حيهم إلى ما سواه. فقد استعار عتبة بن ربيعة - وهو في الشرف الصميم من قومه - حلي بني أبي الحقيق لتزف فيه ابنته هند على أبي سفيان ورهنم ابنه الوليد. فأقام بينهم شهرًا ثم ردّ الحلي موفورًا.
في ذلك الزَّيَّ البهيّ تسير الفتاة في حشد من لِدَتها وأترابها حتى يصلن بها إلى حجلتها. فينشئ الإمام يرقصن بين يديها، ويُغَنَّينها بمآثر آبائها. والغرّ الميامين من قومها. وفي ذلك الموطن لا يحتجب النساء من الرجال.
وقد عَبَرَ العرب على سنتهم هده في مقتبل العهد الإسلامي. فقد حدّث البخاري عن الرُّبيَّع بنت معوذ بن عفراء أنها كانت قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني علَيّ فراش كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهنّ: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين.
ومن مقال النساء لصاحبتهن عند مفارقتها: باليمن والبركة. وعلى خير طائر
أما بعد فلا يهولَنَّك ما رأيت من اعتداد القوم بأَعراسهم فوق
[ ١ / ١٤١ ]
اعتدادهم بمواسمهم وأعيادهم. فإن العرب على ما تعلم أمّة حرب وجلاد، وهم لا يزالون في وقائع تُبَهَّرِج دماءهم، وتعتصر مهجات نفوسهم حتى يخطب القبيلة إلى القبيلة فتتخذا من تعاطف الأرحام، تعاطفًا في القلوب، وأسوًا للجروح، وأمته من الحادثات.
وأخرى أنّ العرب إذا أكبروا أمر الزواج فإنما يكبرون ما تنحسر عنه النساء من الأبناء، وهم عُدَّة الحي، وغاب الحمى، وعز العشيرة.