إنني من أنصار الزواج المبكر نسبيًا، فالزواج المبكر أحفظ لأخلاق الشباب، وأدعى الى شعورهم بالمسؤولية. وهو أفضل لصحة الزوجين، وللزوجة بصورة خاصة.
وقد ثبت علميًا - كما أيده الدكتور فيكتور بوجومولتز في كتابه "من الجلد الى الذهن" وترجم أخيرًا بعنوان "عش شابًا طول حياتك" - ان انجاب الأطفال شيء مهم جدًا في حياة المرأة من كل ناحية، ولم يقرر أحد من المختصين أن تعب البنية من كثرة الولادة قاض عليها، ويقول (ص ٦٨):
"إن من المؤكد أن عملية الحمل والولادة عامل حيوي جدًا في نشاط بنية المرأة، ولست أميل الى القول بأن المرأة تتعرض لتقصير حياتها بافراطها
[ ٥١ ]
في انجاب الذرية، فكلنا نعرف نساء أنجبن كثيرًا من الأولاد، وعمرن طويلًا جدًا".
"اذا رجعنا الى أمثلة معينة بين من نعرف فربما بدت لنا القوة التناسلية دليلا على حيوية خارقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك. فلاح روسي اسمه "فيودور فاسيليان" يبلغ من العمر خمسًا وسبعين، وقد أنجب ثلاثة وثمانين طفلًا من زوجتين متعاقبتين، فقد ولد له من الأولى أربعة توائم، أربع مرات متتالية، وثلاثة توائم، أربع مرات متتالية أيضًا، وتوأمان ست عشر مرة، وولد من من زوجته الثانية الحالية ثلاثة توائم مرتين، وتوأمان ست مرات، وخمسة أطفال فرادى".
ثم يقول هذا الطبيب:
ولكن مثل هذه الحالات لا تعتبر تفسيرًا مقنعًا في نظر العلم، وإن المقطوع به أو الولادة مفيدة عمومًا لبنية المرأة، وقد لاحظ العلامة "ألكس كاريل" أن الاناث من ذوات الثدي قد لا تصل الى غاية نموها إلا بعد الحمل مرة أو أكثر، فالحمل عند المرأة من عوامل توازنها الحيوي، أما تكاليفه من المتاعب فلما يصاحبه من ظروف عارضة، ولهذا يعتبر الطب الظاهري الحياة الجنسية والتناسلية على أعظم جانب من الأهمية لدى المرأة، ويميل الى تشجيع النشاط الجنسي (المشروع لمصلحة أعضائها واستدامة شبابها واطالة عمرها).
وأريد بهذه المناسبة أن أتحدث عن تأخر الشباب والشابات وبخاصة الطلاب والطالبات - في الزواج الى الوقت الذي يضمنون فيه مستقبلهم بعد تخرجهم، وهذه ظاهرة خطيرة أدت الى مساوئ اجتماعية لا عداد لها.
إن الزواج اذا يسرت وسائله وقضي على التقاليد السيئة فيه يصبح أمرًا عاديًا جدًا، فالطالب الذي ينفق عليه أبوه يستطيع أن يضم اليه زوجة في نفس الغرفة التي يسكن فيها دون أن يرهق والده.
ويجب أن نفرق بين الزواج وبين انجاب الأولاد، فقد أصبح من الممكن علميًا الآن إيقاف إنجاب الأولاد الى الوقت الذي يصبح فيه الزوجان قادرين على الانفاق على الأولاد.
والمهم أن تبكير شبابنا وشاباتنا في الزواج يعصم أخلاقهم من
[ ٥٢ ]
الانحراف، ويهدئ أعصابهم، ويقيهم أخطار الانفعالات النفسية ذات الأثر الضار في دراستهم واتجهاههم السلوكي في الحياة.
وقد جاءتنا الأنباء بأن زواج الطلاب بالطالبات في جامعات أمريكا قد أصبح "الموضة" المنتشرة بينهم، وبلغ عدد المتزوجين من الطلاب والطالبات في إحدى الجامعات الأمريكية الكبرى أربعين في المائة، وجاءت الأخبار من إنجلترا بأن هذه "الموضة" قد سرت الى جامعاتها أيضًا، ويؤيد عدد من أساتذة الجامعات في أوروبا وأمريكا هذا الاتجاه الجديد بين الطلاب والطالبات، وقد صرح البروفسور هاردن أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد بأن الزواج المبكر لا يضر كما يعتقد البعض، وخاصة بين طلاب وطالبات الجامعة. إن الظاهرة التي يشاهدها الناس في الجامعات هي ظاهرة طبيعية وجد مفيدة، فالطالب المتزوج يدرك قيمة مستقبله (جريدة الوحدة الدمشقية) ٥/ ١١/١٩٦١.
إنني كأستاذ جامعي وكمتزوج أشجع وأدعو طلابنا وطالباتنا الى الزواج بعضهم من بعض، وأنا كفيل لهم بحياة سعيدة هانئة، وذلك يقتضي شبابنا وفتياتنا أن يبدؤا بأنفسهم بالثورة على التقاليد السيئة التي ترافق الزواج وتجعله عبئًا ماليًا ثقيلًا، وحسب الفتاة أن تقول لأبيها وأمها إنني أرضى بالزواج في غرفة شاب يقيم مع أسرته إلى أن يتيسر له الانفراد بسكن مستقل، وحسب الشاب أن يفعل ذلك، ومتى بدأ به بعض أفراد منهم أصبح أمرًا مألوفًا يحتذيه اخوانهم من بعدهم.
ولا بد لي من التوجه أيضًا الى الجمعيات النسائية بأن تحمل لواء الدعوة في الأوساط النسائية الى نبذ تلك التقاليد التي نشكو منها جميعًا، وان تحاربها في اجتماعاتها ونشراتها وندواتها بكل ما وسعها الجهد، فذلك خير عمل تقدمه لجيلنا وللأجيال الآتية من بعده.
إن جيلنا المثقف جدير بأن يضرب أول معول في بناء هذه التقاليد الضارة