لم تكن المرأة العربية في صدر الإسلام - برغم ما أعطاها الاسلام من حقوق تتساوى مع الرجل فيها - تعنى بالشؤون السياسية، فلا نعلم أن المرأة اجتمعت مع الصحابة في سقيفة بني ساعدة إثر وفاة الرسول ﷺ للتشاور فيمن يختارونه خليفة لهم، ولا نعلم أنها كانت تشارك الرجال في هذا الشأن، ولا نعلم أن الخلفاء الراشدين - بصورة خاصة - كانوا يجمعون النساء لاستشارتهم في قضايا الدولة كما يفعلون ذلك مع الرجال، ولا نعلم في تاريخ الاسلام كله أن المرأة تسير مع الرجل جنبًا إلى جنب في إدارة شؤون الدولة وسياستها وقيادة معاركها.
وكل ما يرويه لنا التاريخ أن النبي ﷺ أخذ من النساء بيعة - دون أن يصافحهن - على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين رسول الله في معروف، وقد كانت هذه البيعة يوم فتح مكة، ثم أخذ بيعة الرجال على مثل ما أخذ من بيعة النساء.
ومن زعم أن هذا يدل على اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة فقد ركب متن الشطط وحمّل وقائع التاريخ ما لا تحتمل.
ونعلم أيضًا أن بعض نساء الصحابة كن يخرجن مع الرجال في معارك الرسول ﷺ يضمدن الجرحى ويسقين العطشى، وكانت لرفيدة خيمة تداوي فيها الجرحى، فإذا أصيب بعض المسلمين في المعركة أمر الرسول ﷺ أن يؤخذ الى خيمتها.
وهذا أيضًا لا يدل على اشتغال المرأة بالسياسة، بل على أساسها في الوقائع الحربية ما بين أعمال التمريض والسقاية، وما بين القتال عند الضرورة، وهذا الحكم باق لا ينازع أحد فيه كما سيأتي.
ونعلم أيضًا أن المرأة المسلمة أسهمت في بدء الدعوة الاسلامية بقسط وافر من التضحية والفداء، كما فعلت أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وغيرهما.
[ ١٢١ ]
وهذا يدل على أثر المرأة في حركات الاصلاح ووجوب اسهامها فيها ولا يزال هذا الحكم قائما، أما أن يدل على الاشتغال بالسياسة بمعناه المفهوم اليوم، فلا.
ونعلم أيضًا أن النساء في حياة الرسول ﷺ كن يحضرن خطبة العيد، ودروس وعظه ﷺ منفصلات عن الرجال.
وهذا لا يدل على اشتغالهن بالسياسة، ومن زعم ذلك، فقد ارتكب شططًا.
ونعلم أن عائشة أم المؤمنين خاضت معركة شهيرة في التاريخ بمعركة الجمل، وكانت قائدة المعركة فيها من وراء ستار وهي على هودجها.
ولكن المؤكد أن عائشة ندمت على ما فعلت، وأن أمهات المؤمنين لمنها على ذلك، إذ ما كان يجوز لها الخروج من بيتها كزوجة للرسول بنص القرآن، ولكنها تأولت فأخطأت، ثم تابت واستغفرت، وأحاطها علي بعد المعركة بكل مظاهر الاكرام والحراسة حتى عادت الى بيتها في المدينة.
فلا يمكن إذًا أن يتخذ عملها هذا دليلًا على اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة في تلك العصور، كما يزعم بعض المتهورين، لأنها حادثة فردية أدركت فيها عائشة خطأها.
ونعلم أنه في بعض أدوار التاريخ الاسلامي تولت احدى النساء الملك والحكم كما فعلت شجرة الدر، وأن منهن من كن ذات تأثير كبير على أزواجهن كزبيدة زوجة هارون الرشيد.
ولكن هذه حوادث فردية، وتدخلهن إنما كان من قبيل السيطرة والنفوذ على أزواجهن، لا على انه اسهام منهن في سياسة الدولة بالمعنى المفهوم اليوم.
إذًا فمن المؤكد أن المرأة المسلمة لم تشتغل في السياسة، ولم تسهم في الأحداث السياسية التي مرت بالمسلمين في كل أدوار التاريخ، فلمَ هذا؟ مع أننا قررنا أن الاسلام رفع مكانتها وسواها في الأهلية القانونية بالرجل ورفع عنها الغبن اللاحق بها في مختلف البيئات والشعوب؟
هنا يجب أن نذكر حقيقة تلقي لنا الضوء على هذه الظاهرة التي تكاد تبدو متناقضة، وهي أن الاسلام برغم إعطائه المرأة كل حقوقها المسلوبة من
[ ١٢٢ ]
قبل، وبرغم مساواته لها بالرجل في الأهلية الحقوقية والمالية، يرى أن من الخير لها ولأسرتها وللمجتمع أن تتفرغ لشؤون الأسرة وتهتم بها ولذلك أسقط عنها تكاليف المعيشة، فألزم زوجها بالانفاق عليها - مع أنها أهل لأن تبيع وتشتري وتزاول كل أعمال الكسب - كما ألزم أباها بالانفاق عليها حتى تتزوج، لتكون متمرسة بأعمال البيت تحت اشراف أمها، فكأنها وهي في البيت تحت رعاية أبيها وأمها في مدرسة الفنون النسوية: الأم تعلم، والأب ينفق.
وبهذا الموقف الحكيم صان الاسلام كرامة المرأة فلم يسلبها حقوقها، وصان سعادة الأسرة فلم يلزم الزوجة بترك البيت لتشتغل بشغل آخر مما يعمل فيه الرجال من سياسة أو تجارة أو غيرها.
ومن هنا نفهم سر عدم اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة في جميع أدوار التاريخ، مع ما نالته من حقوق كانت تمكنها من أن تشتغل بالسياسة، ولكنها أدركت واجبها الأول في الحياة، وهي أن تكون أمًا وربة بيت ويشبه موقفها هذا موقف المرأة السويسرية التي نالت حقوقها وتساوت مع الرجل في حقوقه، ومنها الحق السياسي، ومع ذلك فهي لم تستعمله، ولا تريد أن تستعمله، لأنها تفضل أن تتفرغ لبيتها وأولادها على أن تخوض معارك السياسة بخصوماتها ومشكلاتها.