لقد هال رجال المسيحية الأوائل ما رأوا في المجتمع الروماني من انتشار الفواحش والمنكرات، وما آل اليه المجتمع من إنحلال أخلاق شنيع، فاعتبروا المرأة مسؤولة عن هذا كله، لأنها كانت تخرج الى المجتمعات، وتتمتع بما تشاء من اللهو، وتختلط بمن تشاء من الرجال كما تشاء، فقرروا أن الزواج دنس يجب الابتعاد عنه، وأن العزب عند الله اكرم من المتزوج، وأعلنوا أنها باب الشيطان، وأنها يجب أن تستحيي من جمالها لأنه سلاح ابليس للفتنة والاغراء.
قال القديس "ترتوليان": إنها مدخل الشيطان الى نفس الانسان. ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله أي الرجل.
وقال القديس سوستام: إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة.
وفي القرن الخامس اجتمع مجمع "ماكون" للبحث في المسألة التالية:
هل المرأة مجرد جسم لا روح فيها؟ أم لها روح؟
وأخيرًا قرروا أنها خلو من الروح الناجية (من عذاب جهنم) ما عدا أم المسيح.
[ ١٨ ]
ولما دخلت أمم الغرب في المسيحية كانت آراء رجال الدين قد أثرت في نظرتهم الى المرأة، فعقد الفرنسيون في عام ٥٨٦ للميلاد (أي في أيام شباب النبي ﵊) مؤتمرًا للبحث: هل تعد المرأة انسانًا أم غير إنسان؟ وأخيرًا قرروا أنها إنسان خلقت لخدمة الرجل فحسب.
واستمر احتقار الغربيين للمرأة وحرمانهم لحقوقها طيلة القرون الوسطى حتى ان عهد الفروسية الذي كان يظن فيه أن المرأة احتلت شيئًا من المكانة الاجتماعية حيث كان الفرسان يتغزلون بها ويرفعون من شأنها، لم يكن عهد خير لها بالنسبة لوضعها القانوني والاجتماعي، فقد ظلت تعتبر قاصرة لا حق لها في التصرف بأموالها دون إذن زوجها.
ومن الطريف أن نذكر أن القانون الانجليزي حتى عام ١٨٠٥ كان يبيح للرجل أن يبيع زوجته، وقد حدد ثمن الزوجة بستة بنسات (نصف شلن - ربع ليرة سورية) فقد حدث أن باع انجليزي زوجته عام ١٩٣١ بخمسمائة جنيه، وقال محاميه في الدفاع عنه: إن القانون الانجليزي قبل مائة عام كان يبيح للزوج أن يبيع زوجته، وكان القانون الانجليزي عام ١٨٠١ يحدد ثمن الزوجة بستة بنسات بشرط أن يتم البيع بموافقة الزوجة، فأجابت المحكمة بأن هذا القانون قد ألغي عام ١٨٠٥ بقانون يمنع بيع الزوجات أو التنازل عنهن، وبعد المداولة حكمت المحكمة على بائع زوجته بالسجن عشرة أشهر.
وقد حدث في العام الماضي أن باع ايطالي زوجته لآخر على أقساط، فلما امتنع المشتري عن سداد الأقساط الأخيرة قتله الزوج البائع (مجلة حضارة الاسلام: السنة الثانية ص ١٠٧٨).
ولما قامت الثورة الفرنسية (نهاية القرن الثاني عشر) وأعلنت تحرير الانسان من العبودية والمهانة، لم تشمل بجنوها المرأة، فنص القانون المدني الفرنسي على أنها ليست أهلًا للتعاقد دون رضا وليها إن كانت غير متزوجة، وقد جاء النص فيه على أن القاصرين هم: الصبي والمجنون والمرأة، واستمر ذلك حتى عام ١٩٣٨ حيث عدلت هذه النصوص لمصلحة المرأة، ولا تزال فيه بعض القيود على تصرفات المرأة المتزوجة، سنتكلم عنها قريبًا.