منذ أفاق المسلمون على ضجيج الحضارة الغربية تصك آذانهم، على جيوشها وحكوماتها تسيطر على شؤونهم ومقدراتهم، وعلى كتبها وعلومها تغزو عقولهم وأفكارهم، وعلى مستشرقيها ومبشريها يحاولون النيل من دينهم وتراثهم، تنبه المفكرون فيهم الى وجوب اصلاح المجتمع الاسلامي وتنقيته من الشوائب، وإنهاضه من كبوته، وبعثه من رقاده.
ومما كثر جدلهم في تعدد الزوجات، وهو أمر كان فاشيًا شيئًا ما في ذلك الحين، ثم أخذ يتقلص شيئًا فشيئًا لعوامل كثيرة، وهو منتشر في بعض الأقطار الإسلامية أكثر منه في أقطار أخرى، فهو في مصر مثلا أكثر منه في بلاد الشام .. وقد يكون في تركيا أقل منه في الشام وهكذا.
ولقد كان التعدد يومئذ نتيجة جهل المسلمين، وبُعدهم عن أحكام الاسلام يؤدي الى أضرار كثيرة في الأسرة والمجتمع، مما لا علاقة له بنظام التعدد في الاسلام، بل بأخلاق المسلمين أنفسهم.
إزاء هذا وإزاء حملات الغربيين السديدة على نظام التعدد في الاسلام فكر عدد من المصلحين الاسلاميين في معالجة أضرار التعدد بأساليب شتى.
وكان أقوى من تكلم في ذلك، وأبعدهم أثرًا، هو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀.
فقد كتب كثيرًا في أضرار التعدد كما كان عليه في أيامه، وكما شاهد مساوئه بنفسه، وقد تعرض له في دروسه في التفسير التي كان يلقيها في الجامع الأزهر ويدونها حينئذ تلميذه وحامل علمه السيد رشيد رضا ﵀، فكان ينشرها في مجلته "المنار" ثم نقل شيئًا منها في تفسيره (ج ٤ ص ٣٤٩).
[ ٨٥ ]
قال الاستاذ الامام في تفسيره:
"فمن تأمل الآيتين (اللتين ذكرناهما من سورة النساء) علم أن اباحة تعدد الزوجات في الاسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة باقامة العدل، والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد، جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال، ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت، كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد الى البيوت، ومن البيوت الى الأمة.
ثم قال: كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى بالعصبية، ولم يكن من الضرر مثل ما له الآن لأن الدين كان متمكنا من نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من لك ضرة الى ولدها، الى والده، الى سائر أقربائه، فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة اخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه، فيدب الفساد في العائلة كلها".
الى أن يقول: "وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها، وجاهلة بدينها لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل، وكل نبي مرسل، فلو تربى النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن، بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة، لما كان هناك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما يكون ضرره قاصرا عليهن في الغالب، أما والأمر على ما نرى ونسمع، فلا سبيل الى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة - خصوصًا الحنفية منهم - الذين بيدهم الأمر، وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وإن من أصوله منع الضرر والضرار، فاذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله، فلا شك وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
[ ٨٦ ]
قال: وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعًا عند الخوف من عدم العدل".
ثم قال السيد رشيد رضا بعد ذلك: هذا ما قاله الأستاذ الامام في الدرس الأول الذي فسر فيه الآية، ثم قال في الدرس الثاني:
"تقدم أن اباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى من كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة، ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين (طلاب بالأزهر) أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلًا أو فاسدًا فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد، فقد يخاف الظلم، وقد يظلم ثم يتوب فيعدل، فيعيش عيشًا حلالًا". اهـ.
من هذا يتبين لك:
أولًا- ان الاستاذ الإمام لا يرى في نظام تعدد الزوجات كما جاء في الإسلام، وكما طبقه المسلمون الأولون أي ضرر بالمجتمع.
ثانيًا- أنه يرى في التعدد الذي شاهد آثاره بنفسه مضار تتعدى الأسرة الى المجتمع.
ثالثًا- أنه يرى وجوب تشريع يحول دون الاضرار التي يلحقها تعدد الزوجات بالمجتمع.
ولم يفصح ﵀ عما يراه بخصوص هذا التشريع، هل هو منع التعدد؟ أم تقيده بقيود تقلل من وقوعه ومن أضراره؟.
ونحن لا نظن مطلقًا أنه كان يرى منع التعدد - ولو أن في كلامه ما يمكن أن يفهم منه ذلك لمن أراد أن يفهم - فمنع التعدد تغيير لأحكام الله، وحيلولة بين الأمة وبعض الأفراد وبين الاستفادة من هذا التشريع حين تقتضي الضرورات ذلك. ولا نعتقد أن الأستاذ الإمام ﵀ يرى هذا، ولو أنه رأى هذا لكان رأيه مردودًا عليه، فشرع الله أحق أن يتبع، والله أعلم بالحكمة في تشريعه، واساءة استعمال أي تشريع لا تقتضي إلغاءه، بل تقتضي منع تلك الاساءة
[ ٨٧ ]