وهنا نجد من الانصاف أن نذكر مساوئ التعدد بعد أن ذكرنا محاسنه.
١ - فمن أهم مساوئه ما ينشأ بين الزوجات من عداء وتحاسد وتنافس يؤدي الى تنغيص عش الزوجية، وانشغال بال الزوج بتوافه الخصام بين الزوجات، مما يجعل حياته معهن جحيما لا يكاد يطاق، وحياتهن فيما بينهن نكدًا لا يكاد ينتهي.
وقد اطلعت أثناء تبييض هذه المحاضرة على أبيات للمرحوم الشيخ عبد الله العلمي الغزي الدمشقي أوردها في تفسيره لسورة يوسف - الذي طبع حديثًا - يصور عذاب المتزوج باثنتين (١):
تزوجت اثنتين لفرط جهلي وقد حاز البلى زوجُ إثنتين
فقلت أعيش بينهما خروفًا أُنَعّم بين أكرم نعجتين
فجاء الأمر عكس الحال دومًا عذابًا دائمًا ببليّتين
_________________
(١) الجزء الأول: ٢٨٥.
[ ٧٤ ]
رضا هذي يحرك سُخط هذى فما اخلوا من احدى السخطتين
وكثيرًا ما يهيج الشر بينهن أن احداهن تكون أحب الى قلب الزوج من الآخرى أو من أخراهن، فيكون الحسد الذي لا يغثأ حدته الى حكمة الزوج، وهيهات إلا من أوتي أخلاق النبيين وعقل الفلاسفة والحكماء!
٢ - إن هذا العداء ينتقل غالبًا إلى أولاد الزوجات، فينشأ الأخوة وبينهم من العداء والبغضاء ما يؤدي في الكثير الغالب إلى متاعب للأسرة، وللأب خاصة ما يكون له أسوأ الآثار في إستقرار الحياة الزوجية وسعادتها.
٣ - إن الزوج لا يمكنه العدل بين زوجاته في المحبة - كما أخبر الله تعالى - مهما حرص على العدل في النفقة والمعاملة، وفي ميل الزوج الى زوجته الجديدة إيحاش لقلب زوجته الأولى، وإيلام لها حيث تشعر أن زوجها كان لها خالصًا، فأصبح لها من ينافسها في حبه وعواطفه ومسكنه ومأكله ومشربه، إن الحب لا يقبل مشاركة ولا مزاحمة، فكيف يقر للزوجة الأولى قرار بعد هذا الشريك المزاحم الجديد؟ وأي عذاب هذا الذي تستطيع أن تتحمله ودونه كل عذاب؟
٤ - وقد قيل في مساوئ التعدد إنه سبب من أسباب تشرد الطفولة في بلادنا، كما قيل مثله عن الطلاق.
ولكن التدقيق في دراسة التشرد وأسبابه وأماكنه يرد هذه الدعوى ونذكر من ذلك أمرًا بسيطًا، وهو أن التعدد في بلادنا كثيرًا ما يقع في الريف، ويقصد منه أن يكون للأب أولاد كثيرون يساعدونه في زراعة الأرض التي يملكها، وهو لا يكون غالبًا إلا من الموسرين كما تدل عليه الاحصاءات، ولا وجود للتشرد في الريف، ولا في أولاد الموسرين، وإنما هو موجود في المدن الكبرى وفي أولاد الفقراء، وفي اليتامى وأبناء المجرمين والمشردين، فللتشرد عوامل اجتماعية خاصة ليس تعدد الزوجات ولا الطلاق من أسبابه (١).
إن المساوئ الثلاثة الأولى هي التي تسلّم في مساوئ تعدد الزوجات،
_________________
(١) انطر في هذا الموضوع البحث القيم الذي كتبه الأستاذ المحقق محمد أبو زهرة في كتابيه: تنظيم الاسلام للمجتمع، وعقد الزواج وآثاره، وانظر الاحصاء الدقيق الذي نشره الدكتور عبد الرحمن الصابوني في كتابه "مدى حرية الزوجين في الطلاق" وهو الذي نال به شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة الأزهر.
[ ٧٥ ]
ولكن: أي نظام لا مساوئ له؟ ثم أي شيء في الدنيا يجري كما يحب كل إنسان ويهواه؟ على أن التدين الصحيح والتربية الخلقية الكاملة يخففان كثيرًا من هذه الأضرار حتى كأنها لا وجود لها.
إن نظام التعدد لا ينفذ غالبًا إلا عند الضرورات، وللضرورات احكامها، وهو في رأيي كالعملية الحربية: فيها آلام، وفيها ضحايا، ولكن إذا كانت لا بد منها، كانت دفاعًا مشروعًا يتحمل في سبيله كل تضحية وكل ألم، وإذا لم تكن ضرورية كانت عملًا جنونيًا لا يقدم عليه عاقل، وهذا هو تمامًا موقف كل إنسان وكل مجتمع من قضية التعدد.
ثم إن شعور المرأة بالألم لمزاحمة زوجة أخرى لها، لا يدفعه منع التعدد فما دام الرجل يتطلع الى امرأة أخرى، فبماذا تحول زوجته دون انصراف عواطفه الى تلك المرأة؟ إنه يستطيع أن يخونها، وأن يواصل تلك المرأة سراَ ويعاشرها سرًا، وقد تعلم ذلك ولكنها لا تستطيع أن تفعل معه شيئًا، كما هو الواقع في حياة الغربيين، وفي حياة كثير من المنحرفين في بلادنا أليس الأكرم لها ولزوجها وللمرأة الأخرى أن يكون هذا اللقاء بعلمها ورضاها، وأن يكون مشروعًا على سنة الله ورسوله كما يقولون؟
والرجل الذي يقتصر على امرأة واحدة ولا يحب زوجته، ألا يؤلمها ذلك؟ ألا ينغص عيشها؟ ألا يفقدها السعادة والهناء في حياتها الزوجية؟ ولكنها ماذا تستطيع أن تفعل معه؟ أتجبره على حبها؟ هذا مستحيل! أتحبسه في بيتها؟ أتتوسل اليه بالرقى والتعاويذ؟ ان الحب كما لا يقبل المزاحمة لا يقبل الاكراه فاذا ابتليت الزوجة بمن لا يحبها كان ذلك في الكتاب مقدورًا، ولا سبيل الى دفع عذابها النفسي وألمها بسبب ذلك، فاما ان تخسر الزوج كلها بالطلاق، واما أن تخسر نصفه بالتعدد، فأيهما أكثر خسارة لها وأشد إيلامًا؟