نريد أن نذكر أمرًا واحدًا قبل الدخول في مناقشة هذه المحاولات وهي أنه لا توجد في العالم الاسلامي الآن مشكلة تعرف بمشكلة تعدد الزوجات، فالاحصاءات التي تنشر عن الزواج والطلاق في البلاد العربية الاسلامية تدل على أن نسبة المتزوجين بأكثر من واحدة نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تبلغ الواحد بالألف.
والسبب في ذلك واضح، وهو تطور الحياة الاجتماعية، وارتفاع مستوى المعيشة. وازدياد نفقات الأولاد في معيشتم وتعليمهم والعناية بصحتهم.
يضاف الى ذلك أن الزوج لم يعد متفرغًا - كما كان من قبل - لشؤون الأسرة ومشكلاتها، فهو مع زوجة واحدة وأولاده منها لا يكاد يتفرغ تفرغًا كافيًا للاشراف على شؤونهم والقيام بواجباتهم، فكيف يضيف الى هذا أعباء جديدة ومشاكل جديدة؟
ثم إن التعدد كان يقع غالبًا في الريف، في الأسر الغنية رجاء أن يكون لرب الأسرة أولاد يكفون لزراعة أراضيه والقيام على شؤونها، وقد كان الأولاد يرضون أن يقيموا في الريف مع أبيهم على جهلهم أو على شيء قليل من العلم.
أما الآن فقد انتشر التعليم ولم يعد ابن القرية الذكي الطموح ليرضى أن يظل مزارعًا طيلة حياته مهما غلّت له ارضه عن غلات، بل يريد أن يتعلم ويدخل الجامعة ويتوظف ويقيم في المدينة، ولهذا كثرت هجرة أبناء القرى الى المدن هجرة تقلق بال الباحثين الاجتماعيين.
ويضاف الى هذا قوانين الاصلاح الزراعي التي أخذت تحدد الملكية الزراعية بما لا يترك في أيدي المالكين أراضي شاسعة كما كان الأمر من قبل. كل هذه العوامل وغيرها من انتشار الوعي الاجتماعي والصحي
[ ٩٠ ]
والحضاري أدى الى انخفاض نسبة تعدد الزوجات، وسينخفض كلما ازدادت هذه العوامل رسوخًا في مجتمعنا، فليس التعدد عندنا الآن من الأهمية بالمكان الذي تثار من أجله كل هذه الضجة، اللهم الا من راغبين في الشهرة بأنهم تقدميون .. وانهم متحررون. وهي لا تكلفهم الا بضع كلمات في مقالة، أو سطرا واحدا في قانون يصدرونه حين يكونون في الحكم.
ومن أجل هذا لا نرى فيما فعلته تونس والباكستان وتحاول أن تفعله بضع البلدان الأخرى إلا مجرد استرضاء للغربيين اثباتًا لتحرر هؤلاء المسؤولين من سيطرة عقائدهم وتراثهم عليهم، وهو في الوقت ذاته دليل تهافت الشخصية، واحتقار الذات، وترام على اقدام المتعصبين الغربيين لاستجلاب عطفهم وثنائهم وثناء صحفهم ومبشريهم ومستشرقيهم على حساب امتنا وكرامتنا وديننا.
إنني لست أخشى من انتشار تعدد الزوجات أو بقاء نسبته كما هي، بقدر ما أخشى انعدامه في مجتمعنا الاسلامي. ذلك أن من الملاحظ اعراض الشباب عن الزواج، ورغبة المتزوجين في عدم الاكثار من النسل، وهذا يؤدي في المستقبل الى عدم تكاثرنا بالنسبة للأمم الأخرى، وبخاصة للأمم المجاورة لنا، وفيها أمم تناصينا العداء، وتزيدنا اضعافا مضاعفة في السكان أو دولة - كاسرائيل - تحاول بكل جهدها أن تزيد من عدد سكانها بإغراء اليهود على الهجرة اليها وتخشى كل الخشية من زيادة سكان البلاد العربية لها وبخاصة مصر التي يقدر أنها في نصف قرن سيبلغ تعداد سكانها خمسين مليونا. وهذا ما يرعب اسرائيل والاستعمار.
فعوضًا عن التفكير في تشجيع الزواج وتكثير النسل بأية طريقة مشروعة، نحاول أن نعمل بأيدينا على انقاص عددنا مأخوذين بأكثر النظريات الخاطئة التي يشيعها الغربيون - عن سوء نية أو حسن نية - هي من فوائد تحديد النسل، ومضار التعدد، والخطر الذي سيدهم العالم يوما ما نتيجة تكاثر السكان، وهو خطر المجاعة
ان الغربيين قد يقولون هذا صادقين بالنسبة الى رقعة ارضهم وعدد سكانها، ولكننا نحن العرب، نحن المسلمين، نسكن مساحات شاسعة من الأرض، لم نستثمر من خيراتها حتى الآن إلا الأقل الأقل مما تحتويه. فلو استثمر استثمارًا علميًا فنيًا لاتسعت لأضعاف عدد سكانها الآن .. فالتهديد
[ ٩١ ]
بخطر المجاعة من تكاثر السكان .. لست أدري بماذا أصفه - على قلة خبرتي في هذا الموضوع - ولكني أحس احساسًا عميقًا بأن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يقال لنا، وان جهات استعمارية أو صهيونية تروجه، ولا ينبغي لنا أن نصغي اليه قبل أن نستنفذ كل امكانيات ارضنا الطيبة الخيرة الغنية
إننا في سورية مثلًا نشكو من قلة السكان بالنسبة لأراضينا الواسعة الشاسعة التي لم تستثمر بعد، فهل يجوز التفكير بمنع تعدد الزوجات، والتعدد يمدنا حتما باعداد من الأيدي العاملة لا يمنحنا اياها نظام الزوجة الواحدة!
وأعتقد أن ما يقال عن بلادنا في سورية يقال عن كثير من بلادنا في غيرها فقد أعلن مدير البنك الدولي أن ثروات العراق تكفي لأن يعيش فيها سبعون مليونا في مستوى من العيش لا يقل عن أمريكا هذا مع العلم بأن عدد سكان العراق حاليًا سبعة ملايين فقط
فالتسرع في سن التشريعات التي تؤدي الى اضرار بالغة في مستقبل الأمة عدديا أو عسكريا أو وطنيا أو غير ذلك، تسرع فهو في مصلحة خصومنا الذين لهم مؤسسات علمية خفية منبثة لا يشعر بها كثير من المسؤولين. فليتقوا الله فإن المؤامرات كثيرة، والأعداء ايقاظ، والحيل واسعة، والخداع محكم، والمتنبهين قليلون.