لا ينازع أحد يفقه أحكام الإسلام في أن عقود المرأة وتصرفاتها التجاربية صحيحة منعقدة لا تتوقف على إجازة أحد من ولي أو زوج، وقد قدمنا ذلك في أول هذه الأبحاث.
ولا ينازع أحد في أن المرأة إذا لم تجد من يعولها من زوج أو أقرباء، ولم يقم بيت المال بواجبه نحوها أنه يجوز لها أن تعمل لتكسب قوتها.
حتى إن الأب الذي يكلف بالانفاق على ابنته حتى تتزوج، لو رضي بأن تعمل بنته عملًا تكتسب منه كالخياطة مثلًا سقطت نفقتها عنه، وأصبحت هي مسؤولة عن نفسها.
قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار (٢/ ٦٧١).
قال الخير الرملي: لو استغنت الانثى بنحو خياطة وغزل يجب أن تكون نفقتها في كسبها كما هو ظاهر، ولا نقول: تجب (أي النفقة) على الأب مع ذلك إلا إذا كان لا يكفيها فتجب على الأب كفايتها بدفع القدر المعجوز عنه، ولم أره لأصحابنا، ولا ينافيه قولهم بخلاف الأنثى لأن الممنوع إيجارها، ولا يلزم منه عدم الزامها بحرفة تعلمها اهـ. أي أن الممنوع إيجارها للخدمة ونحوهما مما فيه تسليمها للمستأجر، بدليل قولهم لأن المستأجر يخلو بها، وذا لا يجوز في الشرع، وعليه فله دفعها لامرأة تعلمها حرفة كتطريز وخياطة مثلًا.
فنحن لا نتكلم الآن فيمن تضطرها حالتها المادية للعمل خارج بيتها، فذلك جائز قطعًا بشرط المحافظة على آداب الاسلام في ذلك كأن لا تخلو بالرجل، وأن لا تبدي زينتها لهم وأن لا تطمعهم في نفسها بمعسول القول أو مشبوه التصرف.
وإنما نتكلم في اشتغال المرأة بوجه عام وتركها بيتها وأولادها إن كانت أمًا، أو تركها البيت ان كانت فتاة، مع وجود من يتكفل بالانفاق عليها، وصيانتها عن ذل الحاجة في العمل وإرهاقه ومشقاته.
[ ١٣٧ ]
هناك فلسفتان في هذا الموضوع ولكل منها آثارهما الواضحة في المجتمع:
١ - فلسفة الاسلام، في أن البنت والمرأة بوجه عام لا يصح أن تكلف بالعمل لتنفق على نفسها، بل على أبيها أو زوجها أو أخيها مثلًا أن يقوم بالانفاق عليها، لتتفرغ لحياة الزوجية والأمومة، وآثار ذلك جلية واضحة في انتظام شؤون البيت، والاشراف على تربية الأولاد، وصيانة المرأة من عبث الرجال وإغرائهم وكيدهم، لتظل لها سمعتها الكريمة النظيفة في المجتمع.
٢ - فلسفة الغربيين، في أن البنت متى بلغت سنًا معينة - وهو في الغالب سبعة عشر عامًا - لا يجب على أبيها أو أقربائها الانفاق عليها، بل يجب عليها أن تفتش عن عمل لها تعيش منه وتدخر ما تقدمه بائنة (دوطة) لزوجها المرتقب. فاذا تزوجت كان عليها أن تسهم مع زوجها في نفقات البيت والأولاد، فاذا شاخت - وكانت لا تزال قادرة على الكسب - وجب عليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها ولو كان ابنها من أغنى الناس.
وآثار هذه الفلسفة واضحة كما شاهدناه بأعيننا في ديار الغرب، وكما قرأنا عنها في كتابات المفكرين الغربيين، وفي صرخات المرأة الغربية أخيرًا. كما ترى في "الملاحق".
إن أهم آثار هذه الفلسفة المادية أنها خالية من كل تقدير لرسالة المرأة الخطيرة في الحياة، وأنها تلقى بها في أتون شهوات الرجال وشرهم الجنسي لقاء لقمة العيش، وأنها ترهق المرأة من أمرها عسرًا فوق ارهاقها الطبيعي بالحمل والولادة، وأنها تؤدي الى تفكك الأسرة وتشتت شملها، ونشوء الأولاد بعيدين عن مراقبة آبائهم وأمهاتهم.
إن كثيرين عندنا - رغبة في مسايرة الحضارة الغربية في كل شيء - ينادون بوجوب فتح باب العمل للمرأة كالرجل سواء بسواء، وهم يغالطون أنفسهم حين يزعمون أن مساواة المرأة بالرجل لا تتم إلا بهذا، وأن سر قوة الغربيين في أن المرأة عندهم تكافح في سبيل الحياة بجانب الرجل، وتتحمل من المسؤوليات مثل ما يتحمل.
ولقد ناقشتني فتاة جامعية مرة في هذا الموضوع، وكانت تشتغل ضاربة على الآلة الكاتبة في محل تجاري الى جانب دراستها الجامعية، وهي غير
[ ١٣٨ ]
محتاجة الى العمل، ولكنها قالت: أنا إنما أعمل لأشعر بانسانيتي! فأجبتها بأن العمل وعدمه لا علاقة له بشعور الانسان بانسانيته، فكثير من الذين يشتغلون لا يشعرون أبدًا بانسانيتهم، وكثير من الذين لا يعملون بأيديهم، ولكنهم يعملون بجهودهم الفكرية وغيرها هم أكثر الناس شعورًا بانسانيتهم وتقديرًا لها.
وضربت لها مثلًا بالجندي والموظف، فكل منهما ممنوع بحسب القوانين المرعية في أكثر بلاد العالم من التجارة والكسب بأيديهم، وذلك ليتفرغوا لأداء رسالة اجتماعية هي أكثر فائدة للمجتمع من اشتغالهم بأيديهم، فهل يعتبر منعهم من التجارة والعمل امتهانا لانسانيتهم؟ وهل يشعر الموظف من رئيس الجمهورية حتى أصغر موظف في الدولة أنه فاقد لانسانيته حين يكون في غرفته مكبًا على أوراق بين يديه يدرسها ويوقع عليها؟
قالت: أنا لا أريد أن أكون عالة على أبي، بل أريد أن آكل من كد يميني وعرق جبيني.
قلت لها: ليس الموظف ولا الجندي اللذان يقبضان رواتبهما من خزينة الدولة أول كل شهر، يشعران بأنهما عالة على الدولة، بل يقبضان رواتبهما بكل كرامة وإعتزاز، لأنهما يؤديان واجبًا اجتماعيًا نبيلًا، وأنت حين تكونين في بيت أهلك قبل الزواج، تتمرسين على شؤون البيت وأعماله وإدارته بعد الزواج، فأنت في عمل اجتماعي نبيل، أنت في مدرسة تتعلمين فيها الحياة البيتية عمليًا من اساتذة مخلصين "وهم أبوك وأمك" ومتى كانت البنت التي تتفرغ للدراسة تخجل من أن تأكل من بيت أبيها؟ ثم اذا تزوجت بعد ذلك تبدأين بالعمل فورًا، وهو عمل يستغرق وقتك كله، فهل أنت حينئذ تكونين عالة على زوجك؟ أم إنك ستقومين بأعمال مرهقة قد تكون أكثر ارهاقًا من عمل زوجك خارج البيت؟ هل ستتركين العمل في البيت لتعملي خارجه؟ أم تقومين بالعملين معًا؟ ان التي أوكلها الله اليك، وفي قيامك بالعملين معًا ارهاق لجسمك لا تتحملينه ولا تقدرين عليه، وهو ظلم منك لنفسك ما بعده ظلم، فالاسلام حين أراد منك أن تتفرغي للأمومة وأعبائها، وألزم زوجك أو وليك بالانفاق عليك إنما صانك عن الابتذال. وكفاك مشقة العمل فوق عملك المرهق فهل انقلبت العناية بك في نظرك الى احتقار وازدراء؟
إن الرغبة المتفشية الآن عندنا في اشتغال المرأة خارج البيت، هو تقليد
[ ١٣٩ ]
غربي بحت، وعلى المرأة أن تتحمل كل ما تحملته المرأة الغربية في هذا السبيل، وعليها أن تقبل بكل نتائج الفلسفة الغربية في هذا الموضوع، فعليها أن تتكفل بنفقات حياتها ودراستها منذ تجاوز الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وعليها أن تعمل كثيرًا لتدخر ما تقدمه لمن ترغب في الاقتران به من مال يرضيه، وعليها أن تشارك الزوج بعد ذلك في نفقاتها ونفقات بيتها وأولادها، وعليها أن تستمر في العمل لكسب قوتها حتى تبلغ الستين من عمرها إذا كانت هنالك أنظمة للتكافل الاجتماعي تكفل معونة الانسان بعد بلوغه سن الستين، وإلا فعليها أن تستمر في العمل حتى تلقى ربها، ولا يحق لها أينما كان، وكيفما كان: في دوائر الحكومة، في الشركات، في المكاتب التجارية، في المخازن الكبرى بائعة أو محاسبة، في بيع الجرائد، في تنظيف الشوارع، في مسح الأحذية، في جمع القمامة (الزبالة) في قطع تذاكر الركاب في السكك الحديدية أو سيارات النقل الكبرى، في تنظيف المحطات، في تنظيف المراحيض العامة، في حراسة الأبنية الكبيرة في أخريات الليل، في قيادة سيارات التكسي (السيارات العمومية) في حمل الاثقال في صناعة الصلب والحديد في حمل الصناديق الثقيلة في المعامل، في كل ما يشتغل فيه الرجل ويقوم به من أعمال.
وهذه أعمال رأينا المرأة الغربية تقوم بها في جميع بلاد أوروبا وفي بلاد الاتحاد السوفياتي.
فاذا كانت المرأة عندنا الآن ترغب في العمل خارج بيتها، ولا تتعرض إلا لأعمال سهلة لا مشقة فيها، فإنها يجب أن تنتظر الأعمال الشاقة المرهقة كالمرأة الغربية، فالأمر يجر بعضه الى بعض، ومساواة المرأة بالرجل من شأنها أن تجعلها تقوم بكل ما يقوم به.