هنا حقائق شرعية ينبغي أن نتذكرها في هذا الشأن:
١ - لا يجيز الاسلام أن تبدي المرأة من زينتها ولا من سائر جسمها إلا وجهها وكفيها من غير زينة ولا بهرجة، فلا يجيز كشف الشعر والصدر والنحر والساعدين مما تفعله كثير من نسائنا وبناتنا المتأثرات بالحضارة الغربية.
٢ - لا يجيز الاسلام أن تخلو المرأة برجل أجنبي عنها ولو كانت محتشمة في لباسها ومظهرها. وفي ذلك جاء الحديث الشريف: "ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" وهذا شاهد معلوم مؤيد بالوقائع والحوادث المتعددة.
وعلى هذا فلا يجيز الاسلام أن تستقبل المرأة في بيتها رجلًا أجنبيا عنها أو قريبًا غير محرم لها مهما يكن صديقًا لزوجها أو للأسرة كما يقولون.
٣ - لا يجيز الاسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامة أو المنتديات ولو كانت محتشمة، وإنما الذي يجيزه الاسلام أن تجتمع المرأة مع الرجال في ثلاث مواطن:
أ- مواطن العبادة. فيجوز أن تحضر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة على أن يكون مكانها منفصلًا عن الرجال.
ب- في أماكن العلم. فيجوز أن تحضر المرأة مجالس العلم مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم أيضًا، وأن تكون مرتدية اللباس الشرعي الذي لا يبدي غير وجهها وكفيها.
جـ- في ميدان الجهاد حين يعلن النفير العام، فتخرج للجهاد مع الرجال على أن تكون منفصلة عنهم، لها مكانها الخاص وتجمعاتها الخاصة.
وفلسفة الاسلام في هذه الأحكام متمشية مع فلسفته الخاصة بالمرأة فهو يرى أن إكرامها يكون بالاعتراف بحقوقها التي تقتضيها اهليتها، وبابعادها عن
[ ١٤٨ ]
مواطن الشباب ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الاقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن اخلاصها لزوجها واستقامتها، وكأم تعرف كيف تغرس في نفوس أبنائها وبناتها معاني الشرف والفضيلة، والكرامة والرجولة الكاملة أو الأنوثة الفاضلة.
فكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الاسلام عنها، ولو كانت في ذاتها من أفضل النساء وأعفهن، فإن ألسنة السوء تتناول الصالحة والطالحة حين التعرض للشبهات، والنفس أمارة بالسوء، وطبيعة الرجل اذا التقت مع طبيعة المرأة كان منهما ما يكون بين كل رجل وامرأة من الميل والأنس والاستراحة الى الحديث والكلام، وبعض الشيء يجر الى بعض الشيء، وإغلاق باب الفتنة أو الشبهة احزم وأحكم وأبعد عن الندامة في المستقبل.
لهذا كله يتشدد الاسلام في منع اختلاط النساء بالرجال، وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في انسانيتها ونبلها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ.
واليوم وقد امتدت الينا عدوى عادات الغربيين في كل شيء، بدأت مجتمعاتنا تفتح صدرها للاختلاط في الحفلات العامة، وفي دور السينما وغيرها، ثم امتدت الى الحفلات الرسمية، فبدأت الدعوات توجه الى الرجل وعقيلته، ومن المؤسف أن هذه العدوى امتدت أخيرًا الى سفارات عربية اسلامية تمثل دولًا عرفت في العالم كله بأنها دول اسلامية، فكان على سفاراتها أن تراعي تمثيلها لأخلاق دولها وآداب دينها، ولكنه التقليد الأعمى لما يشكو منه عقلاء الغربيين أنفسهم.
ومن الواجب أن نذكر هنا تأثير اختلاط المرأة كما نعرفه في أوروبا على حضارة الأمة ونهضتها، وأثر ذلك في سقوط الحضارتين اليونانية والرومانية، وفي سقوط الحضارة الغربية الحديثة.
فمن المعلوم تاريخيًا أن من أكبر أسباب انهيار الحضارة اليونانية تبرج المرأة ومخالطتها للرجال ومبالغتها في الزينة والاختلاط.
ومثل ذلك حصل تماما للرومانيين، فقد كانت المرأة في أول حضارتهم مصونة، محتشمة فاستطاعوا أن يفتحوا الفتوح ويوطدوا أركان امبراطوريتهم
[ ١٤٩ ]
العظيمة، فلما تبرجت المرأة وأصبحت ترتاد المنتديات والمجالس العامة وهي في أتم زينة وأبهى حلة فسدت أخلاق الرجال، وضعفت ملكتهم الحربية وانهارت حضارتهم انهيارًا مريعًا.
تقول دائرة معارف القرن التاسع عشر:
"كان النساء عند الرومانيين محبات للعمل مثل محبة الرجال له، وكن يشتغلن في بيوتهن، أما الأزواج والآباء فكانوا يقتحمون غمرات الحروب، وكان أهم أعمال النساء بعد تدبير المنزل الغزل وشغل الصوف".
ثم دعاهم بعد ذلك داعي اللهو والترف الى إخراج النساء من خدورهن ليحضرن معهم مجالس الأنس والطرب، فخرجن كخروج الفؤاد من بين الأضالع، فتمكن الرجل لمحض نفسه من اتلاف أخلاقهن وتدنيس طهارتهن وهتك هيائهن حتى صرن يحضرن المراقص ويغنين في المنتديات، وساد سلطانهن حتى صار لهن الصوت الأول في تعيين رجال السياسة وخلعهم، فلم تلبث دولة الرومان على هذه الحالة حتى جاءها الخراب من حيث تدري ولا تدري.
وقد قام في اليونان حكماء نبهوا أمتهم إلى أخطار التهاون في تبرج المرأة واختلاطها بالرجال.
قالت دائرة معارف القرن التاسع عشر (١):
لما حصلت لدى الرومان ثورة يقصد بها نسخ القانون الذي كان يحدد بذخ النساء وتبرجهن. قام (كاتون) وهو ذلك الروماني المشهور بالفلسفة والحكمة بين جمهور الرومانيين في القرن الثاني قبل الميلاد وقال:
"أتتوهمون معشر الرومانيين أنه يسهل عليكم احتمال النساء والرضاء بهن إذا مكنتموهن من فصم الروابط التي تقيد استقلالهن وتخضعهن لأزواجهن؟ ألم يصعب علينا حتى مع وجود هذه القيود إلجاؤهن إلى أداء واجباتهن؟ أما ترون أنهن سيصرن مساويات لنا وسيوقعننا تحت نيرهن؟ أي حجة مقبولة يمكنكم بسطها لتبرئة اجتماعهن الثوري؟ لقد أجابتني واحدة منهن قائلة إننا نريد أن نكون متلألئات في الذهب والأقمشة القرمزية، وأن نتمشى في طرق المدينة في
_________________
(١) دائرة معارف فريد وجوي: ٨/ ٦١٨.
[ ١٥٠ ]
أيام الأعياد وسائر الأيام الأخرى، ونركب في المركبات الفخمة لأجل أن نظهر انتصارنا (على ذلك القانون الممسوخ الذي يجبرهن علىعدم الابتذال) وأن نتمتع بحرية انتخابكم، ونريد أيضًا أن لا تضعوا حدًا لنفقاتنا وبذخنا".
"فيا أيها الرومان لقد سمعتموني كثيرًا ما أشكوا من إسراف الرجال والنساء والعامة والمشترعين أيضًا، ولقد سمعتموني كثيرًا ما أقول: إن الجمهورية مصابة بدائين متناقضين: الشح والبذخ، وهما الداءان اللذان قلبا الممالك العظيمة رأسًا على عقب".
ثم أردفت دائرة معارف القرن التاسع عشر تقول: إن (كاتون) لم ينجح في دفاعه عن ذلك القانون، ولكن تحققت انذاراته كاملة، وفي حياتنا الاجتماعية الحاضرة التي يتمتع فيها النساء بحرية مفرطة نرى دناءة ذوقهن (كذا! ) وميلهن الشديد الذي يحملهن دائمًا على الاشتغال بجمالهن وبكل ما يزيد حسنهن ورُواءهن، كل ذلك أكثر حظًا مما كانت عليه الحالة في روما.
ثم قالت دائرة المعارف:
إنا لسنا أول من لاحظ هذا الأثر السيء الذي يحدثه حب النساء للزينة يومًا فيومًا على أخلاقنا، فان أشهر كتابنا لم يهملوا الاشتغال بهذا الموضوع الخطير. فكيف النجاة من هذا الداء الذي يقرض مدنيتنا الحالية ويهددنا بسقوط سريع جدًا، وإن شئت فقل بانحطاط لا دواء له (١).
ومن الملاحظ أن عقلاء الأوروبيين بدؤوا يحذرون قومهم من المصير الذي انتهى اليه الرومان نتيجة الافراط في تبرج المرأة واختلاطها، فنجد العلامة (لويز برول) يقول في مجلة المجلات (المجلد ١١) تحت عنوان السياسي ما يأتي:
"إن فساد الأسس السياسية وجد في كل زمان، ومن الغريب المدهش أن عوامله في الزمن الغابر هي ذات عوامله في الزمن الحاضر، يعني أن المرأة كانت العامل الأقوى في هدم الأخلاق الفاضلة (٢) ".
ثم أخذ هذا العالم يقارن بين العلامات المنذرة اليوم وبين ما كان في عهد جمهورية الرومان حتى قال:
"لقد كان الرجال السياسيون في آخر عهد الجمهورية الرومانية يعيشون
_________________
(١) أيضًا: ٨/ ٦١٩، ٦٢٤.
(٢) المصدر السابق: ٨/ ٦٢١.
[ ١٥١ ]
صحبة النساء ذوات الطبائع الخفيفة اللاتي كان عددهن بالغًا في الكثرة، فصار الحال اليوم كما كان في ذلك العهد ترى النساء اندفعن في تيار الحب البالغ حد الجنون وراء البذخ واللذات".
وقالت الكاتبة الانجليزية (اللادي كوك) في جريدة (الايكو):
"إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وههنا البلاء العظيم على المرأة".
ثم قالت: "أما آن لنا أن نبحث عما يخفف - إذا لم نقل عما يزيل - هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقًا تمنع قتل ألوف الآلاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على رقة القلب".
"يا أيها الوالدان! لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الاحصاء على أن البلاء الناتج عن حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر إختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للاسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال الى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان وهذا غاية الهبوط بالمدنية (١) ".
وقال شوبنهور الفيلسوف الألماني في كتابه "كلمة عن النساء":
"قل هو الخلل العظيم في ترتيب أحوالنا الذي دعا المرأة لمشاركة الرجل في علو مجده وباذخ رفعته، وسهل عليها التعالي في مطامعها الدنيئة (كذا ..) حتى أفسدت المدنية الحديثة بقوي سلطانها ودنيء آرائها (كذا ).
" ويجدر بي أن أذكر هنا ما قاله اللورد (بيرون) في كتابه "الرسائل والجرائد" جزء ٢ ص ٣٩٩ قال: لو تفكرت أيها المطالع فيما كانت عليه المرأة في عهد قدماء اليونان لوجدتها في حالة يقبلها العقل، ولعلمت أن الحالة
_________________
(١) مجلة المنار للسيد رشيد رضا: / ٤٨٦.
[ ١٥٢ ]
الحاضرة (حالة المرأة) لم تكن غير بقية من همجية القرون الوسطى (عند الغربيين): حالة مصطنعة مخالفة للطبيعة، ولرأيت معي وجوب اشغال المرأة بالأعمال المنزلية مع تحسين غذائها وملبسها فيه، وضرورة حجبها عن الاختلاط بالغير، وتعليمها الدين، وابعادها عن الشعر والسياسة، وعن قراءة كل كتاب يبحث في غير الدين والطباخة (١) ".
أقول: إن ديننا لا يسمح بوصف النساء بما وصفهن شوبنهور، ولكن ذكرته للعظة والاعتبار.
وكتب الأستاذ (جيوم فريرو) في المجلد الأول من مجلة المجلات ما يلي:
إن العلامات المنذرة بقرب حلول الأزمة النهائية لهذا الشكل من المدنية الذي تعيش فيه كثيرة جدًا "بحيث لا يمر يوم حتى يقف الباحث على إنذارات جديدة فيه، فلنعط نحن أيضًا أنفسنا وظيفة الطبيب، ولنجتهد في مساعدة ما شخصه الأطباء من هذا المرض الاجتماعي في زماننا هذا بدرس الشكل الجديد من الرهبنة التي مع عدم استنادها الى دين تهددنا بأنها ستصل الى الحد الذي وصلت إليه الرهبنة الدينية في زمن من أزمنة القرون الوسطى".
إلى أن يقول:
"إن الشروط الاجتماعية الحالية تستدعي عفة المرأة في عزوبتها، والعفاف يقتضي حذف وظيفة الأمومة وهي الوظيفة التي خلقت المرأة لأجلها جسما وروحًا، لا شك إذًا أن في هذه الحالة يجب أن تفسد شخصيتها فسادا ذريعًا، ولا شك أيضًا في أن عددًا كبيرًا من هذه النسوة يحدثن آثارًا هائلة على الهيئة الاجتماعية (٢) ".