يحتم الاسلام أن تكون رئاسة الدولة العليا للرجل، وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ: "ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا النص يقتصر المراد من الولاية فيه على الولاية العامة العليا، لأنه ورد حين أبلغ الرسول ﷺ أن الفرس ولوا للرئاسة عليهم احدى بنات كسرى بعد موته، ولأن الولاية باطلاقها ليست ممنوعة عن المرأة بالاجماع، بدليل اتفاق الفقهاء قاطبة على جواز أن تكون المرأة وصية على الصغار وناقصي الأهلية، وأن تكون وكيلة لأية جماعة من
[ ٣٣ ]
الناس في تصريف أموالهم وإدارة مزارعهم وأن تكون شاهدة، والشهادة ولاية كما نص الفقهاء على ذلك، ولأن أبا حنيفة يجيز أن تتولى القضاء في بعض الحالات، والقضاء ولاية.
فنص الحديث كما نفهمه صريح في منع المرأة من رئاسة الدولة العليا، ويلحق بها ما كان بمعناها في خطورة المسؤولية.
أما توليها غير ذلك من الوظائف فهذا ما سنعرض له في آخر هذه الأبحاث.
وهذا أيضًا مما لا علاقة له بموقف الاسلام من انسانية المرأة وكرامتها وأهليتها، وإنما هو وثيق الصلة بمصلحة الأمة، وبحالة المرأة النفسية، ورسالتها الاجتماعية.
إن رئيس الدولة في الاسلام ليس صورة رمزية للزينة والتوقيع، وإنما هو قائد المجتمع ورأسه المفكر، ووجهه البارز، ولسانه الناطق، وله صلاحيات واسعة خطيرة الآثار والنتائج.
فهو الذي يعلن الحرب على الاعداء، ويقود جيش الأمة في ميادين الكفاح، ويقرر السلم والمهادنة، إن كانت المصلحة فيهما، أو الحرب والاستمرار فيها إن كانت المصلحة تقتضيها، وطبيعي أن يكون ذلك كله بعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة، عملا بقوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ولكنه هو الذي يعلن قرارهم، ويرجح ما اختلفوا فيه، عملًا بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾.
ورئيس الدولة في الاسلام يتولى خطابة الجمعة في المسجد الجامع، وإمامة الناس في الصلوات، والقضاء بين الناس في الخصومات، اذا اتسع وقته لذلك.
ومما لا ينكر أن هذه الوظائف الخطيرة لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي، وبخاصة ما يتعلق بالحروب وقيادة الجيوش، فان ذلك يقتضي من قوة الاعصاب، وتغليب العقل على العاطفة، والشجاعة في خوض المعارك، ورؤية الدماء، ما نحمد الله على أن المرأة ليست كذلك وإلا فقدت الحياة أجمل ما فيها من رحمة ووداعة وحنان.
وكل ما يقال غير هذا لا يخلو من مكابرة بالأمر المحسوس، واذا
[ ٣٤ ]
وجدت في التاريخ نساء قدن الجيوش، وخضن المعارك، فانهن من الندرة والقلة بجانب الرجال مالا يصح أن يتناسى معه طبيعة الجمهرة الغالبة من النساء في جميع عصور التاريخ وفي جميع الشعوب، ونحن حتى الآن لم نر في أكثر الدول تطرفًا في دفع المرأة الى كل ميادين الحياة من رضيت أن تتولى امرأة من نسائها وزارة الدفاع، أو رئاسة الأركان العامة لجيوشها، أو قيادة فيلق من فيالقها، أو قطع حربية من قطعاتها.
وليس ذلك مما يضر المرأة في شيء، فالحياة لا تقوم كلها على نمط واحد من العبوس والقوة والقسوة والغلظة، ولو كانت كذلك لكانت جحيما لا يطاق، ومن رحمة الله أن الله مزج قوة الرجل بحنان المرأة، وقسوته برحمتها، وشدته بلينها، وفي حنانها ورحمتها وانوثتها سر بقائها وسر سعادتها وسعادتنا.
أما خطبة الجمعة والامامة في الصلاة فلا ينكر أن العبادة في الديانات - وبخاصة في الاسلام - تقوم على الخشوع وخلو الذهن من كل ما يشغله، وليس مما يتفق مع ذلك أن تعظ الرجال امرأة أو تؤمهم في الصلاة.
على أن السبب الحقيقي في رأينا ليس هو الخطبة والامامة ولا حل المشكلات، وإنما هو ما تقتضيه رئاسة الدولة من رباطة الجأس، وتغليب المصلحة على العاطفة، والتفرغ التام لمعالجة قضايا الدولة، وهذا مما تنأى طبيعة المرأة ورسالتها عنه.