لا تزال التقاليد في مجتمعنا - وبخاصة في الريف - تكاد تسلب الفتاة حريتها في اختيار الزوج، والأغلب أن يفرض عليها من يريده الأب، أو ترضاه الأم وهي بواقعها كفتاة عذراء تستحي أن تبدي رأيها، وبواقع المجتمع الذي تعيش فيه لا يحق لها أن تعترض على ارادة أبيها وأوليائها وكثيرًا ما أخفق الزواج في مثل هذه الحالات، وجر وراءه مآسي كثيرة.
وليس لهذا سند صريح من الشريعة، إلا أن بعض المذاهب الاجتهادية ذهبت الى أن الأب يستطيع اجبار فتاته البكر - دون الثيب - على الزواج ويستحب له أن يأخذ رأيها.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ﵀ ومن وافقه، فقالوا: ليس للأب ولا لغيره من الأولياء اجبار البنت البكر البالغة على الزواج، ويجب على الأب أو الأولياء استئمارها في الزواج، فان وافقت عليه صح العقد وإلا فلا.
وقد كان العمل - ولا يزال - في المحاكم الشرعية جاريًا على الأخذ برأي أبي حنيفة، فلم يكن للأب أو الأولياء سبيل إلى اعنات الفتاة واجبارها على الزواج بمن لا تريد.
غير أن أبا حنيفة ومن معه يرون من حق الأولياء الاعتراض على رغبة الفتاة في الزواج بمن تحب عن طريق الادعاء بأمرين:
الأول: عدم كفاءة الزوج، وللكفاءة عند أبي حنيفة وغيره مقاييس من الحسب والمهنة ومكانة الآباء والجدود والغنى وغير ذلك مما يفتح المجال
[ ٥٥ ]
واسعًا أمام الأولياء الجاهلين للتحكم في زواج بناتهم إذا لم يوافقوا على مكانة عائلة الخاطب وثروته وغير ذلك.
الثاني: عدم مهر المثل، فاذا زوجت الفتاة نفسها بأقل من مهر مثلها كان لأبيها أو لأوليائها فسخ العقد لأنه مما تلحقهم فيه المعرة.
ولا شك أن تطور الحياة الاجتماعية يقتضي تغيير النظرة الى هذه المسألة تغييرًا أساسيًا، ولذلك عالجها قانوننا للأحوال الشخصية معالجة موفقة.
فمن حيث الكفاءة أقر القانون اشتراط الكفاءة بين الزوجين، هذا من حيث المبدأ لضمان سعادتها وتفاهمهما، ولكنه ترك تحديد الكفاءة الى عرف البلد الذي يجري فيه العقد، وهذا إجراء حكيم مرن يمكن تطبيقه في كل وقت بما يكفل هناءة الأسرة.
وجعل القانون من حق الأب الذي تزوجت فتاته في سن الزواج القانوني بغير رضاه أن يعترض لدى القاضي بعدم الكفاءة فحسب، فان تحقق القاضي عدم الكفاءة فسخ العقد وإلا أجراه.
وبهذا حال القانون دون تعنت الآباء أو الأولياء في زواج فتياتهم.
وبقي في القانون مشكلة على مذهب أبي حنيفة، وهي ما إذا عقدت فتاة في السادسة عشرة من عمرها زواجًا من كفءٍ ولم يوافق أبوها على ذلك، فان هذا العقد لا يستطيع القاضي إجراءه بحسب نصوص القانون، وهو صحيح على مذهب أبي حنيفة قولًا واحدًا.
أما مهر المثل فقد ألغى القانون اعتباره تمامًا، ولم يجعل للأب حق الاعتراض بسببه، وقد أحسن القانون في ذلك صنعًا، فان المهر في الاسلام رمز لاكرام المرأة والرغبة في الاقتران بها، والتعيير بنقصانه صنيع البيئات الجاهلة التي تغفل الحكمة من مقاصد الزواج وحكمة المهر فيه، ومثل هذا لا يقيم له الاسلام وزنًا، وبذلك قال الأئمة المجتهدون غير أبي حنيفة.