إذا ورد النهي في حديث ضعيف فإن بعض أهل العلم يقيم ضعف الحديث مقام الصارف للنهي عن التحريم.
قال ابن مفلح -﵀- (^٤): «وكأن الأخبار لضعفها لا تنهض للتحريم وإن كانت تقتضيه، فيُستدل بها على الكراهة كما يُستدل بخبر ضعيف ظاهره يقتضي وجوب أمر على ندبية ذلك الأمر، ولا يُقال: (لعل هناك صارفًا عن مقتضى الدليل ولم يُذكر)؛ لأنه خلاف
_________________
(١) (٤/ ١٦٢٣).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الرهن، باب ذِكر الخبر الذي ورد في خل الخمر (١١/ ٤٤١) برقم: (١١٣١٣)، وضعَّفه؛ لأن في إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف. ويُنظر تضعيفه في: البدر المنير (٦/ ٦٣١)، مجمع الزوائد (١/ ٢١٨).
(٣) يُنظر: بداية المجتهد (٣/ ٢٨).
(٤) هو: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي، وُلد سنة ٧١٠ هـ، نشأ في بيت المقدس، واشتغل في الفقه وبرع فيه إلى الغاية، فكان أعلم أهل عصره بمذهب الإمام أحمد ابن حنبل، وصاهر القاضي جمال الدين المرداوي، وناب عنه في الحكم، من تصانيفه: «كتاب الفروع»، «النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر»، «أصول الفقه»، «الآداب الشرعية الكبرى» وغيرها، وتُوفى بصالحية دمشق سنة ٧٦٣ هـ. يُنظر: الدرر الكامنة (٦/ ١٤)، المقصد الأرشد (٢/ ٥١٧)، شذرات الذهب (٨/ ٣٤٠).
[ ٤٥ ]
الظاهر» (^١).
الثاني عشر: ورود النهي في حال دون حال:
قال الإمام الشافعي -﵀-: «أصل النهي من رسول الله -ﷺ- أن كل ما نهى عنه فهو محرم، حتى تأتي عنه دلالة تدل على أنه إنما نهى عنه لمعنى غير التحريم: إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض …» (^٢).
جاء في فتاوى الشيخ/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -﵀- الإشارة إلى هذا الصارف في مسألة تخصيص يوم الجمعة بصيام: فحُمل به النهي على الكراهة لا التحريم، حيث سُئل: «إذا كان الأصل في النهي التحريم، فلِم صار في الجمعة للكراهة؟ فأجاب: لعله لكونه رُخص في الشرع في صيامه وصيام يومٍ معه، فلو كان حرامًا لما ساغ صومه بالكلية» (^٣).
الثالث عشر: ورود النهي في باب الأدب والإرشاد:
إذا ورد نهي في نص شرعي وكان النهي في باب الأدب والإرشاد إلى المصلحة، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى صرف النهي عن التحريم؛ لكونه في باب الآداب، وأن النهي فيه راجع إلى الكراهة (^٤).
قال الشافعي -﵀-: «… وإما أراد به النهي للتنزيه عن المنهي والأدب والاختيار» (^٥).
مثاله: قال القرطبي -﵀- (^٦) عند الكلام في باب الانتعال وآدابه: «لا خلاف في أن أوامر هذا الباب ونواهيه إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر
_________________
(١) النكت والفوائد السنية (١/ ١١٠).
(٢) الأم (٧/ ٣٠٥).
(٣) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (٤/ ٢٠٦).
(٤) يُنظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٢٨١)، الأساليب الشرعية الدالة على الأحكام التكليفية (ص: ٣٢٣).
(٥) الأم (٧/ ٣٠٥).
(٦) هو: ضياء الدين أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الأندلسي القرطبي المالكي، يُعرف بابن المزيِّن، وُلد بقرطبة سنة ٥٧٨ هـ، كان محدثًا فقيهًا من كبار الأئمة، رحل إلى مكة والقدس والإسكندرية ومصر وغيرها، وحصل له شأن عظيم، صنف كتاب «المفهم في شرح مختصر مسلم» وغيره، تُوفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦ هـ. يُنظر: الديباج المذهب (١/ ٢٤٠)، شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣)، شجرة النور الزكية (١/ ٢٧٨).
[ ٤٦ ]
عند مُعتبَر بقوله من العلماء، والله تعالى أعلم» (^١).
ملحوظات:
- يقسم العلماء القرائن إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات، إلا أنها تتداخل فيما بينها كثيرًا، ولا تكاد تجد اعتبارًا يفصِلها دون أن تتجاذبها الاعتبارات الأخرى، ولذا ذكرتها سردًا دون تقسيم.
- الحكم على القرائن قوةً واعتبارًا يختلف بحسب أصل القرينة إن كانت قرينة نصية أو غير نصية، وبحسب القرائن الأخرى المصاحبة لها أو المعارضة، وبحسب دلالتها إن كانت عامة أو خاصة في موضوع المسألة الفقهية التي وردت فيها، وغير ذلك من الأمور المؤثرة.
_________________
(١) المفهم (٥/ ٤١٦).
[ ٤٧ ]