وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٥)، والمالكية (^٦)، والشافعية (^٧)، واشترطوا له شرطين (^٨):
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب كراهة التطهير بالماء المشمس (١/ ٢٠) برقم: (١٤) وقال: «وهذا لا يصح»، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب الماء المسخن (١/ ٥٠) برقم: (٨٦) وقال: «خالد بن إسماعيل: متروك». قال النووي في (المجموع) (١/ ٨٧): «ضعيف باتفاق المحدثين … ومنهم مَنْ يجعله موضوعًا»، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (١/ ٤٢١): «هذا الحديث واهٍ جدًا».
(٢) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).
(٣) يُنظر: المجموع (١/ ٨٧).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، الإنصاف (١/ ٤١)، كشاف القناع (١/ ٢٦).
(٥) يُنظر: فتح القدير، للكمال ابن الهمام (١/ ٣٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠).
(٦) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).
(٧) يُنظر: المجموع (١/ ٨٧)، مغني المحتاج (١/ ١١٩).
(٨) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠)، العزيز شرح الوجيز (١/ ٢١)، التاج والإكليل (١/ ١٠٩)، مغني المحتاج (١/ ١١٩)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٥).
[ ٧٧ ]
الأول: أن يكون تشميس الماء في الأواني المنطبعة (^١)؛ لأن الشمس إذا أثرت فيها استخرجت منها زُهُومَةً (^٢) تعلو الماء، يتولد منها البرص (^٣).
الثاني: أن يكون ذلك في البلاد الحارة: كالحجاز.
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: أن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل، ولا دليل ثابت في المسألة (^٤).
الدليل الثاني: أن الأصل عدم الكراهة، وقد سُخن بطاهر، أشبه ما في البرك والأنهار، وما سُخن بالنار (^٥).
قال النووي -﵀-: «عدم الكراهة في البرك والأنهار متفق عليه لعدم إمكان الصيانة وتأثير الشمس» (^٦).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن عائشة -﵂- قالت: «أَسْخَنْتُ مَاءً فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^٧).
وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث نهي مطلق يُحمل على الكراهة والتنزيه، ونص النبي -ﷺ- على علة النهي أنه يورث البرص (^٨).
_________________
(١) الأواني المنطبعة: هي المطرقة، قيل: جميع ما يطرق، وقيل: كل ما يطرق إلا الذهب والفضة لصفائهما، وقيل: إنها من النحاس خاصة. يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ٢١).
(٢) الزهومة: مادته: (ز هـ م)، والزهم: الريح المنتنة، زهمة أي: دسمة، الزُّهومة والزُّهمة بضمهما: ريح لحم سمين منتن، ووجدتُ منه زهومة أي: تغيرًا. يُنظر: لسان العرب (١٢/ ٢٧٧)، تاج العروس (٣٢/ ٣٤٠).
(٣) بَرَص: البرص: داء معروف -نسأل الله العافية منه ومن كل داء- وهو بياض يقع في الجسد في ظاهر البدن لفساد مزاج. يُنظر: لسان العرب (٧/ ٥)، القاموس المحيط (ص: ٦١٣).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٧٩).
(٥) يُنظر: المغني (١/ ١٥).
(٦) المجموع (١/ ٩٠).
(٧) سبق تخريجه ص: (٧٤).
(٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ٨٩)، حاشية ابن عابدين (١/ ١٨٠).
[ ٧٨ ]
نُوقش: بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، والضعيف لا تقوم به حجة (^١).
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» (^٢).
نُوقش: بأن الأثر ضعيف باتفاق المحدثين (^٣).
أُجيب عنه: بأنه وإن لم يثبت الأثر فقد حصل به ريب (^٤).
الدليل الثالث: أنه مضر طبيًا؛ لأنه يورث البرص، وقد عُلم شرعًا من طلب الكف عما يضر عاجلًا (^٥).
نُوقش: أنه لم يثبت عن الأطباء أن لذلك تأثيرًا في الضرر (^٦).
سبب الاختلاف:
السبب هو تضعيف الحديث والأثر في النهي، والاختلاف في ثبوت الضرر من استعمال الماء المسخن بالشمس.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز استعمال الماء المسخن بالشمس مطلقًا.
(وأما تقييد الكراهة بالأواني المعدنية المطروقة لتأثيرها، فإنه يحتاج إلى بحث وتحقق).
أسباب الترجيح:
١ - عدم الدليل الصحيح الثابت في النهي عنه، فيبقى على الأصل، وهو الإباحة.
_________________
(١) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧).
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب كراهة التطهير بالماء المشمس (١/ ٢٠) برقم: (١٣)، والدارقطني، كتاب الطهارة، باب الماء المسخن (١/ ٥٢) برقم: (٨٨)، قال النووي في (المجموع) (١/ ٨٧): «ضعيف باتفاق المحدثين؛ فإنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه، وجرحوه، وبينوا أسباب الجرح».
(٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ٨٧)، مواهب الجليل (١/ ٧٩).
(٤) يُنظر: مغني المحتاج (١/ ١٢٠).
(٥) يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٧٩).
(٦) يُنظر: المغني (١/ ١٥)، المجموع (١/ ٨٧)، كشاف القناع (١/ ٢٦).
[ ٧٩ ]
٢ - دخول الماء المشمس في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^١).
٣ - أنه الأقرب إلى يسر الشريعة؛ فحاجة الناس إلى تسخين الماء بالشمس قائمة في كثير من البلدان، ولأن الناس ما زالوا يستعملونه ولم يُعلم أن أحدًا برص (^٢).
٤ - ضعف أدلة القول الثاني، وورود المناقشة عليها.