دليل النهي:
حديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ -﵁- (^١) قال: قلت: «يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ (^٢)، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ» (^٣).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم استعمال آنية أهل الكتاب، على قولين:
القول الأول: يُباح استعمال آنية أهل الكتاب، ما لم يتحقق نجاستها.
وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٤)، والمالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والمشهور من مذهب الحنابلة (^٧).
_________________
(١) هو: جُرْثُومُ بْنُ لَاشِرَ بن النضر، كنيته: أبو ثعلبة الْخُشَنِيّ، صحابي مشهور، معروف بكنيته واختُلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، وكذا في اسم أبيه، كان ممن بايع تحت الشجرة وضُرب له بسهمه يوم خيبر، روى عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، روى عنه: أبو إدريس الخولانيّ، وأبو أمية الشعبانيّ، وأبو أسماء الرحبيّ، وسعيد بن المسيب، وجبير بن نفير، وأبو قلابة، ومكحول، وآخرون، نزل الشام، ومات سنة ٧٥ هـ. يُنظر: الاستيعاب (١/ ٢٦٩)، الإصابة (٧/ ٥٠).
(٢) الكلب المعلَّم: هو الذي ينزجر بالزجر، ويسترسل بالإرسال، ولا يأكل منه مرارًا. يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١٢/ ٢٠)، الكواكب الدراري (٢٠/ ٧٩).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب صيد القوس (٧/ ٨٦) برقم: (٥٤٧٨)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤُكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلَّمة (٣/ ١٥٣٢) برقم: (١٩٣٠).
(٤) يُنظر: البحر الرائق (٨/ ٢٣٢)، شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (١/ ٤١١).
(٥) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٣٩)، الفروق، للقرافي (٤/ ١٠٥).
(٦) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٨٠)، المجموع (١/ ٢٦٤)، مغني المحتاج (١/ ١٣٩).
(٧) يُنظر: المغني (١/ ٦١)، المحرر في الفقه (١/ ٧)، الإنصاف (١/ ١٥٥).
[ ٨٨ ]
القول الثاني: يُكره استعمال آنية أهل الكتاب.
وهو وجه عند الشافعية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).
أدلة الأقوال: أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٣).
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه قد أباح لنا طعام أهل الكتاب، ومعلوم أن طعامهم مصنوع بأيديهم ومياههم وفي أوانيهم، وذلك دليل على طهارة آنيتهم وجواز استعمالها (^٤).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن مُغَفَّل -﵁- (^٥) قال: «أَصَبْتُ جِرَابًا (^٦) مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ الله -ﷺ- مُتَبَسِّمًا» (^٧).
وجه الاستدلال: أن هذا الجراب من آنية اليهود، ولو كان نجسًا لأمره النبي -ﷺ- بغسله وغسل الشحم الذي بداخله، فلما لم يكن دل ذلك على طهارته وجواز استعماله.
الدليل الثالث: عن أنس -﵁-: «أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللهِ -ﷺ- وَسَلَّمَ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ (^٨)
_________________
(١) يُنظر: التعليقة، للقاضي حسين (١/ ٢٣٦)، المجموع (١/ ٢٦١).
(٢) يُنظر: المغني (١/ ٦١)، الإنصاف (١/ ١٥٥).
(٣) سورة المائدة: جزء من الآية (٥).
(٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ٨٠).
(٥) هو: عبد الله بن مُغَفَّلٍ بن عَبْدِ نَهْمِ بن عَفِيفِ الْمُزَنِيُّ، أبو سعيد ويُقال: أبو عبد الرحمن، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وهو من أصحاب الشجرة، قال الحسن البصري: كان أحد العشرة الذين بعثهم إلينا عمر يفقِّهون الناس، وكان من نقباء أصحابه، تُوفي بالبصرة سنة ٦٠ هـ. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ٩٩٦)، تهذيب التهذيب (٦/ ٤٢).
(٦) الجِرَابُ -بكسر الجيم وفتحها- لغتان: الكسر أفصح وأشهر، والجمع أجربة وجرب، وهو وعاء من جلد للزاد. يُنظر: الصحاح (١/ ٩٨)، مختار الصحاح (ص: ٥٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٢/ ١٠٢).
(٧) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب (٣/ ١٣٩٣) برقم: (١٧٧٢).
(٨) إِهَالة: الإهالةُ: الوَدَكُ، وهو كل شيء من الأدهان مما يُؤتدم به، وقيل: هو ما أُذيب من الألية والشحم. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٦٢٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٤١).
[ ٨٩ ]
سَنِخَةٍ (^١)، فَأَجَابَهُ» (^٢).
وجه الاستدلال: إجابة النبي -ﷺ- لدعوة اليهودي، وأكْله مما قُدم له في آنيتهم، دليل على جواز استعمال آنيتهم والأكل فيها (^٣).
دليل القول الثاني:
حديث أبي ثعلبة الْخُشَنِيِّ -﵁- قال: قلت: «يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْ» (^٤).
وجه الاستدلال: أن قوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها) صريح في المنع من استعمالها عند توفُّر غيرها، أو قبل غسلها بالماء، وأقل أحوال النهي الكراهة؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسة، ولا تسلم آنيتهم من أطعمتهم (^٥).
نُوقش: بأن الأصل في الآنية الطهارة والإباحة، والحكم للأصل حتى تتحقق النجاسة (^٦).
وأن الحديث يُحمل على أمرين (^٧):
أحدهما: أنه نُهي عن الأكل فيها للاستقذار -إن كانت مُعدَّة للنجاسة- كما يُكره
_________________
(١) سَنِخَة: سنخ الدهن: إذا فسدَ وتغيّرتْ ريحُه، سنخة: أي: المتغيرة الريح. يُنظر: الصحاح (١/ ٤٢٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٨٤)، فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٤١).
(٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٤٢٤) برقم: (١٣٢٠١)، صححه ابن حبان (١٢/ ١٠٣) برقم: (٥٢٩٣)، وقال البوصيري في (إتحاف الخيرة) (٤/ ٢٩٩): «هذا إسناد رجاله ثقات».
(٣) يُنظر: فتح القدير، للكمال بن الهمام (١/ ٧٤).
(٤) سبق تخريجه ص: (٨٥).
(٥) يُنظر: المغني (١/ ٦٢)، المجموع (١/ ٢٦١)، عمدة القاري (٢١/ ٩٦).
(٦) يُنظر: عمدة القاري (٢١/ ٩٦).
(٧) يُنظر: المجموع (١/ ٢٦٥)، عمدة القاري (٢١/ ٩٦).
[ ٩٠ ]
الأكل في المحجمة (^١) المغسولة.
والثاني: أن المراد بالحديث حالة تحقق نجاستها؛ لأن النهي عن الأكل في أوانيهم التي كانوا يطبخون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخمر، كما صرح به في رواية أبي داود لحديث أبي ثعلبة الخشني: «إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ» (^٢).
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول بإباحة استعمال آنية أهل الكتاب ما لم تتحقق نجاستها.
أسباب الترجيح:
١ - قوة الأدلة، وسلامتها من المناقشة والمعارضة.
٢ - موافقة هذا القول للأصل؛ فالأصل في الآنية الطهارة والإباحة.
٣ - موافقة القول بالإباحة لما جاءت به الشريعة من التيسير والتخفيف على الناس.
٤ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.