دليل النهي:
عن حذيفة -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «لا تَلْبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ (^١)، ولا تَشربوا في آنِيةِ الذَّهَبِ والفضَّةِ، ولا تأكلوا في صِحافِها (^٢)؛ فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرةِ» (^٣).
حكم المسألة:
أجمع العلماء (^٤) على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، وتحريم الأكل والشرب فيهما.
قال النووي -﵀-: «أجمعت الأمة على تحريم الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمال في إناء ذهب أو فضة» (^٥).
وقال ابن تيمية -﵀-: «… كما في آنية الذهب والفضة؛ فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى» (^٦).
الأدلة:
الدليل الأول: حديث حذيفة بن اليمان -﵄- المتقدم.
_________________
(١) الدِّيباج: دبج: الدَّبْج: النقش والتزيين، والديباج: هو الثياب المتخَذة من الإبريسم، وهو فارسي مُعرَّب. يُنظر: لسان العرب (٢/ ٢٦٢)، عمدة القاري (٢١/ ٢٠٢).
(٢) صَحْفَة: الصحفة إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، والجمع: صِحاف. يُنظر: الصحاح (٤/ ١٣٨٤)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ١٣).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (٧/ ٧٧)، برقم: (٥٤٢٦)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة … (٣/ ١٦٣٨) برقم: (٢٠٦٧).
(٤) نقل الإجماع جمع من العلماء، منهم: ابن عبد البر في (الاستذكار) (٨/ ٣٥٠)، وابن قدامة في (المغني) (١/ ٥٥)، والنووي في (المجموع) (١/ ٢٥٠)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢١/ ٨٤) ..
(٥) المجموع (١/ ٢٥٠).
(٦) مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٤).
[ ٨٣ ]
وجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي يقتضي التحريم، وغير الأكل والشرب في معناهما، فيكون حكمها التحريم، وإنما خُصا بالذكر؛ لأنهما أظهر وجوه الاستعمال وأغلبها، وفيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة (^١).
الدليل الثاني: عن أم سلمة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ (^٢) فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» (^٣).
وجه الاستدلال: أن الحديث نَصَّ على الوعيد الشديد لِمن فعل ذلك، والوعيد بالعقاب يقتضي التحريم، وإذا حرم الأكل والشرب فغيرهما من الاستعمالات أولى؛ لاشتراك سائر الاستعمالات معهما في علة التحريم، وإنما ذكر الأكل والشرب للتغليب (^٤).
وذكر العلماء في العلة التي لأجلها حرم استعمال آنية الذهب والفضة، وجوهًا، منها: الأول: أن علة التحريم السَّرَف والخُيلاء وأذى الصالحين والفقراء، وقد حرم الشرع الإسراف في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (^٥).
الثاني: أن في استعمالها تشبهًا بالجبابرة وملوك الأعاجم (^٦)، وذلك محرم أيضًا؛ لقوله -ﷺ-: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (^٧).
_________________
(١) يُنظر: المغني (١/ ٥٦)، المجموع (١/ ٢٥٠)، فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٩٥)، مغني المحتاج (١/ ١٣٦).
(٢) يُجَرْجِرُ: مادته (ج ر ر)، والجَرْجَرَةُ: هو الصوت الذي يردده البعير في حنجرته، (يجرجر): أي: يحدر فيها نار جهنم، جعل صوت تجرع الإنسان للماء في هذه الأواني المخصوصة لوقوع النهي عنها واستحقاق العقاب على استعمالها، كجرجرة نار جهنم في بطنه بطريق المجاز. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٤١٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٥٥)، عمدة القاري (٢١/ ٢٠٣).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة (٧/ ١١٣) برقم: (٥٦٣٤)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء (٣/ ١٦٣٥) برقم: (٢٠٦٥) واللفظ له.
(٤) يُنظر: التمهيد (١٦/ ١٠٥)، المغني (١/ ٥٦)، كفاية النبيه (١/ ٢١٠)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١١٤).
(٥) سورة الأنعام: جزء من الآية (١٤١).
(٦) يُنظر: التمهيد (١٦/ ١٠٥)، البحر الرائق (٨/ ٢١٠).
(٧) أخرجه أبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة (٦/ ١٤٤) برقم: (٤٠٣١)، وأحمد (٩/ ١٢٣) برقم: (٥١١٤)، قال ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) (١/ ٢٦٩): «إسناد جيد»، وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١٠/ ٢٧١): «فيه علي بن غراب، وقد وثقه غير واحد، وضعَّفه بعضهم، وبقية رجاله ثقات»، وقال البوصيري في (إتحاف الخيرة) (٤/ ٤٨٤): «رواه أبو داود، وسكت عليه، فهو عنده حديث صالح للعمل به والاحتجاج به»، وحسَّن إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (١٠/ ٢٧١)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ٥٤٦).
[ ٨٤ ]
الثالث: أن الله تعالى جعل الذهب والفضة قوامًا للناس وأثمانًا لمعايشهم وقِيمًا للأشياء (^١)، فاستعمالها في غير ذلك يُفقِدها القيمة.
سبب إيراد المسألة في البحث أنه ورد فيها قولٌ للإمام الشافعي -﵀- في القديم بالكراهة.
وقد أورد النووي -﵀- الردود على بطلان ذلك، ورجوع الشافعي عنه، قال: «وأما قول الشافعي القديم: فقال صاحب التقريب (^٢): (إن سياق كلام الشافعي في القديم يدل على أنه أراد أن نفس الذهب والفضة الذي اتُخذ منه الإناء ليست حرامًا، ولهذا لم يحرم الحُلي على المرأة) هذا كلام صاحب التقريب، وهو من متقدمي أصحابنا، وهو أتقنهم لنقل نصوص الشافعي، ولأن الشافعي رجع عن هذا القديم.
والصحيح عند أصحابنا وغيرهم من الأصوليين أن المجتهد إذا قال قولًا ثم رجع عنه، لا يبقي قولًا له، ولا يُنسب إليه، قالوا: وإنما يُذكر القديم وينسب إلى الشافعي مجازًا، وباسم ما كان عليه لا أنه قول له الآن، فحصل مما ذكرناه أن الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب وإناء الفضة» (^٣).
وقال ابن حجر -﵀-: «عن الشافعي في القديم … أن النهي فيه للتنزيه؛ لأن علته: ما فيه من التشبه بالأعاجم، ونص في الجديد على التحريم، ومن أصحابه مَنْ قطع به عنه، وهذا اللائق به؛ لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه، وإذا ثبت ما نُقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور» (^٤).
ولدراسة القرينة الصارفة التي قيل بها في هذه المسألة ندرس قول الإمام
_________________
(١) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (٦/ ٨١).
(٢) هو أبو شجاع، شهاب الدين الأصفهاني (٥٩٣ هـ).
(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٢٩).
(٤) فتح الباري (١٠/ ٩٤).
[ ٨٥ ]
الشافعي في القديم:
قال الإمام الشافعي -﵀-: «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، كراهةً وتنزيهًا لا تحريمًا» (^١).
ودليل هذا القول:
حديث حذيفة -﵁- السابق، وحُمل النهي على الكراهة؛ لأنه إنما نُهى عنه؛ لما فيه من السَّرَف والخُيلاء والتشبه بالأعاجم، وهذا لا يوجب التحريم (^٢).
نُوقش:
١ - بأن هذا القول ضعيف، ويكفي في ضعفه منابذته للأحاديث الصحيحة الصريحة في التحريم والمؤيَّدة بذِكر الوعيد (^٣).
٢ - «قولهم في تعليله: (إنما نُهي عنه للسَّرَف والخُيلاء، وهذا لا يوجب التحريم) ليس بصحيح، بل هو موجِب للتحريم، وكم من دليل على تحريم الخيلاء!» (^٤)، وتحريم الاسراف، وتحريم التشبه بالكفار؛ وبذلك يتبين أن الاستعمال محرم (^٥).
يتبين بذلك ضعفُ هذا القول، وعدم اعتباره قولًا؛ لأن الإمام الشافعي رجع عنه.
قال النووي -﵀-: «واعلم أن هذا القديم لا تفريع عليه» (^٦).
_________________
(١) الأم (١/ ٢٣).
(٢) يُنظر: بحر المذهب (١/ ٦٤).
(٣) يُنظر: بحر المذهب (١/ ٦٤)، المجموع (١/ ٢٤٩).
(٤) المجموع (١/ ٢٤٩).
(٥) يُنظر: البحر الرائق (٨/ ٢١٠)،
(٦) المجموع (١/ ٢٤٩).
[ ٨٦ ]