دليل النهي:
عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^١).
صورة المسألة:
قضاء الحاجة إما أن يكون في البنيان أو في الفضاء، فما حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند التخلي فيهما؟
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء دون البنيان.
وهو مذهب الجمهور: المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
القول الثاني: يحرم الاستقبال والاستدبار فيهما مطلقًا.
وهو مذهب الحنفية (^٥)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٦).
القول الثالث: يُكره الاستقبال والاستدبار فيهما.
وهو قول عند الحنفية (^٧) (^٨).
القول الرابع: أنه يحرم فيهما الاستقبال فقط دون الاستدبار:
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٥).
(٢) يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٩٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٩).
(٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥١)، المجموع (٢/ ٧٨).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، الإنصاف (١/ ٢٠٣).
(٥) يُنظر: البناية (٢/ ٤٦٧)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤١).
(٦) يُنظر: المحرر (١/ ٨)، الفروع (١/ ١٢٥).
(٧) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٧).
(٨) ونسبه الشوكاني إلى الإمام أحمد في رواية عنه، ولم أقف عليه. يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٣).
[ ١١١ ]
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة -﵀- (^١)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٢).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^٣).
وجه الاستدلال: نهى النبي -ﷺ- في الحديث عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة، والنهي المجرد عن القرينة يفيد التحريم، وخُص البنيان من العموم بما يأتي من حديث ابن عمر وعائشة جمعًا بين الأحاديث (^٤).
الدليل الثاني: عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ (^٥) فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا (^٦)، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى» (^٧).
وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث يدل على تحريمه في الفضاء دون البنيان؛ لقوله (إذا أتيتم الغائط) والغائط هو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون إلا في الفضاء (^٨).
جاء في (المدونة): «قال مالك: إنما يعني بذلك فيافي الأرض، ولم يعنِ بذلك القرى
_________________
(١) يُنظر: الاختيار لتعليل المختار (١/ ٣٧)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٨).
(٢) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، الفروع (١/ ١٢٦).
(٣) سبق تخريجه ص: (١٠٨).
(٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٥) الغَائِطُ: الغَوْطُ: عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمطمئن من الأرض: غائط، ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة: الغائط؛ لأن العادة أن الحاجة تُقضى في المنخفض من الأرض؛ حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يُطلق على النجو نفسه. يُنظر: مقاييس اللغة (٤/ ٤٠٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٩٥).
(٦) (شرِّقوا أو غرِّبوا): محمول على محل يكون التشريق والتغريب فيه مخالفًا لاستقبال القبلة واستدبارها: كالمدينة وما في معناها من البلاد، ولا يدخل فيه ما كانت القبلة فيه إلى المشرق أو المغرب. يُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٦٥)، نيل الأوطار (١/ ١٠٦).
(٧) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشأم (١/ ٨٨) برقم: (٣٩٤)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٤).
(٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).
[ ١١٢ ]
والمدائن» (^١).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر -﵄- قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ» (^٢)، وفي رواية: «لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ» (^٣).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث نَصَّ على الجواز في البنيان، وهو خاص يُقدم على العام (^٤).
نُوقش: بأن حديث ابن عمر -﵄- حكاية فِعل يحتمل الخصوصية والعذر، فيضعفه، فلا يقوى على رد العموم، ولأن القول أَوْلى (^٥).
أُجيب: أن احتمال الخصوصية والعذر لا بد له من دليل، ولا دليل هنا، ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يُصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها، وقد أمكن الجمع على ما ذُكر، فوجب المصير إليه (^٦).
الدليل الرابع: عن جابر -﵁- قال: «نَهَى نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ، فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا» (^٧).
وجه الاستدلال: أن فِعل الرسول -ﷺ- محمول على أنه كان في المنازل والبنيان؛ لما
_________________
(١) (١/ ١١٧).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت (١/ ٤١) برقم: (١٤٨)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٥) برقم: (٢٦٦).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين (١/ ٤١) برقم: (١٤٥)، ومسلم كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٥) برقم: (٢٦٦).
(٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، التمهيد في أصول الفقه (٢/ ١٥٠)، المغني (١/ ١٢٠).
(٥) يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢).
(٦) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٥).
(٧) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (١/ ١١) برقم: (١٣)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك (١/ ١٥) برقم: (٩) وقال: «حديث حسن غريب»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري (١/ ٢١٦) برقم: (٣٢٥)، حسّن إسناده النووي في (المنهاج) (٣/ ١٥٥)، وقال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٠٨): «الحديث صحيح معمول به».
[ ١١٣ ]
فيهما من المشاهدة له، وهو خاص يُقدم على العام (^١).
نُوقش حديث ابن عمر وحديث جابر: بأن النبي -ﷺ- إنما قصد بفعله الاستتار، ولا يمكن أن يكون تشريعًا للأمة وهو بهذا الخفاء (^٢).
أُجيب عنه بجوابين (^٣): الأول: أن الذي يستتر به -ﷺ- يكون شرعًا لنا كالذي يُظهره؛ لأنه -﵇- لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فَعل النبي -ﷺ- على وجه الاستتار به أم الإظهار فهو شرعٌ لنا إذا وقفنا عليه.
الثاني: أنه -ﷺ- قد فعل ذلك مستترًا به، وقد فعله ظاهرًا منتشرًا، وذلك في حديث عائشة أنه -﵇- أمر بأن تُستقبل بمقعدته القبلة.
الدليل الخامس: عن عائشة -﵂- قالت: «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَوْمٌ يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا بِفُرُوجِهِمُ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: أُرَاهُمْ قَدْ فَعَلُوهَا؟! اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي (^٤) الْقِبْلَةَ» (^٥).
وجه الاستدلال: أن الحديث نص في محل الخلاف؛ لأنَّه في البنيان؛ بدلالة قوله (مقعدتي)، والمقعدة تكون في البنيان (^٦)، فكان ذلك منه ردًا لما تُوهم، وبيانًا لكون النهي عنه في الصحراء دون البيوت.
نُوقشت أحاديث ابن عمر وجابر وعائشة: بأنها دليل على نسخ النهي، فيجب تقديمه (^٧).
أُجيب عنه: بأن قولهم أنه ناسخ خطأ؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر
_________________
(١) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المغني (١/ ١٢٠).
(٢) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٦)، نيل الأوطار (١/ ١١٠).
(٣) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٦).
(٤) المَقْعَدَةُ -بفتح الميم-: وهى موضع القعود، ويطلق على موضع قضاء حاجة الإنسان. يُنظر: المجموع (٢/ ٧٨)، لسان العرب (٣/ ٣٥٧).
(٥) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري (١/ ٢١٥) برقم: (٣٢٤)، وأحمد (٤١/ ٥١٠) برقم: (٢٥٠٦٣)، حسَّن إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ٧٨)، ونقل ابن قدامة في (المغني) (١/ ١٢٠) عن الإمام أحمد قوله: «أحسن ما رُوي في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسلًا فإن مخرجه حسن».
(٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٤٣)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٧) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠).
[ ١١٤ ]
الجمع، ولم يتعذر هنا (^١).
الدليل السادس: حديث مروان الأصفر (^٢) قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ -﵄- أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ، فَلَا بَأْسَ» (^٣).
وجه الاستدلال: أن هذا تفسير الصحابي لنهي رسول الله -ﷺ- العام، وفيه جمع بين الأحاديث، فيتعين المصير إليه (^٤).
نُوقش: أن هذا فهم من ابن عمر -﵄-؛ لاختصاص النهي بالبنيان، وليس بحكاية لفظ النهي، فلا يكون هذا الفهم حجة، ولا يصلح هذا القول للاستدلال به، وهو مُعارَض بفهم أبي أيوب -﵁- للعموم، والنهي تكريم لجهة القبلة، وذلك لا يختلف بفضاء ولا بنيان (^٥).
الدليل السابع وهو جواب المناقشة السابقة: أن الصحاري لا تخلو غالبًا من مصلٍّ فيها، فيتأذى بكشف عورته إليها إن استقبل القبلة أو استدبرها، وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن الإنسان فيها مستتر بالجدار (^٦)، وأن تَجنُّب ذلك في البنيان فيه مشقة على الناس (^٧).
أدلة القول الثاني:
_________________
(١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٣).
(٢) هو: مروان الأصفر، أبو خلف البصري، قيل: اسم أبيه خَاقان وقيل: سالم، ثقة من الطبقة الرابعة، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي. يُنظر: تقريب التهذيب (ص: ٥٢٦)، إكمال تهذيب الكمال (١١/ ١٣٨).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٩) برقم: (١١)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ١٥٤): «هذا حديث صحيح على شرط البخاري؛ فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجاه». وقال الزَّيْلَعِيُّ في (نصب الراية) (٢/ ١٠٨): «قال الحازمي: هو حديث حسن»، صححه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٥٥).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٥).
(٥) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١١٠).
(٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٥٢)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).
(٧) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٣).
[ ١١٥ ]
الدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا» (^١).
وجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن استقبال القبلة واستدبارها، وهو عام فيتناول الفضاء والبنيان (^٢)، والأصل في النهي المجرد عن القرينة: التحريم.
نُوقش: بأنه قد ورد ما يخصصه بالجواز في البنيان (^٣)، وهو حديثي ابن عمر وعائشة -﵄-، والخاص يُقدم على العام (^٤).
الدليل الثاني: حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأْمَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى» (^٥).
وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث للتحريم، وقد فهم الصحابي راوي الحديث من النهي العموم بالنسبة للفضاء والبنيان؛ فكان ينحرف عن القبلة في المرحاض ويستغفر الله أيضًا (^٦).
نُوقش: بأن هذا فهم الصحابي واجتهاده، ولم ينقله عن النبي -ﷺ- صريحًا، وقد خالفه غيره من الصحابة، فلا يلزم (^٧).
الدليل الثالث: أن النهي لمعنى حرمة جهة القبلة وتعظيمها؛ فهي من أشرف الجهات، وهذا المعنى موجود في البنيان كوجوده في الصحاري، فوجب أن يستوي المنع فيهما، ولأنه لو كان الحائل كافيًا لجاز في الصحراء لوجود الحائل من الجبال وغيرها (^٨).
أدلة القول الثالث:
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (١٠٨).
(٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٧).
(٣) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المغني (١/ ١٢٠).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٠).
(٥) سبق تخريجه: ص (١٠٩).
(٦) يُنظر: عيون الأدلة في مسائل الخلاف (١/ ٣٣٩)، الحاوي الكبير (١/ ١٥٤).
(٧) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٤)، المجموع (٢/ ٨٢).
(٨) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٢)، بدائع الصنائع (٥/ ١٢٦)، كشاف القناع (١/ ٦٤).
[ ١١٦ ]
استدلوا بأحاديث النهي (حديث أبي أيوب، وأبي هريرة -﵄- وبأحاديث الجواز (حديث ابن عمر، وجابر، وعائشة -﵃-.
وجه الاستدلال: قالوا: يُحمل النهي على الكراهة؛ بدلالة فعله -ﷺ- الوارد في حديث ابن عمر وجابر وعائشة -﵃-، لأنها جاءت لبيان الجواز؛ فهي صارفة للنهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم إلى الكراهة (^١).
أدلة القول الرابع: استدل القائلون بتحريم الاستقبال فيهما دون الاستدبار، بما يلي:
الدليل الأول: عن سلمان -﵁- قال: «قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ (^٢)، قال: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، … الحديث» (^٣).
وجه الاستدلال: أنه لما نص الحديث على الاستقبال عُلم إباحة الاستدبار (^٤).
نُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا النهي عن الاستقبال فقط، والاستدلال به على إباحة الاستدبار باطل؛ لأن النهي عن الاستدبار ورد في الأحاديث الصحيحة، وهو زيادة يتعين الأخذ بها (^٥).
الدليل الثاني: حديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: «ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ، مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ» (^٦).
وجه الاستدلال: أن في الحديث دليلًا على جواز استدبار القبلة؛ لفعله -ﷺ-.
نُوقش: بأنه ليس في الحديث إلا الاستدبار في العمران فقط، فلا يصح
_________________
(١) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٥ - ١١٠).
(٢) الخِرَاءَةُ: بالكسر والمد: التخلي والقعود للحاجة.، ويراد به: أدب التخلي والقعود عند الحاجة. يُنظر: معالم السنن (١/ ١١)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ١٧)، لسان العرب (١/ ٦٤).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٣) برقم: (٢٦٢).
(٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٥٣).
(٥) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ١٠٤).
(٦) سبق تخريجه: ص (١١٠).
[ ١١٧ ]
الاستدلال به على جوازه في الفضاء أيضًا (^١).
الدليل الثالث: أن قضاء الحاجة في حالة الاستدبار لا يوازي فرجه القِبلة، وإنما يوازي الأرض بخلاف حالة الاستقبال (^٢).
نُوقش: بأنه يُردُّ بالأحاديث الصحيحة المصرِّحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار جميعًا (^٣).
سبب الخلاف:
اختلافهم في الأخبار الواردة بشأنها، وبناء بعضها على بعض (^٤).
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الفضاء دون البنيان.
سبب الترجيح:
أن هذا القول فيه الجمع بين الأحاديث المتعارضة، وإن أمكن الجمع فالمصير إليه واجب؛ وإعمال جميع الأدلة أولى من إهمال بعضها (^٥).