دليل النهي:
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ -﵁- (^٢) قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ (^٣) بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» (^٤).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في استقبال بيت المقدس عند التخلِّي، على قولين:
القول الأول: لا يُكره.
وهو مذهب المالكية (^٥)، والحنابلة (^٦).
_________________
(١) بيت المقدس: هي مدينة القدس في فلسطين، والمراد الصخرة في بيت المقدس، كانت قبلة المسلمين ثم نسخ استقبالها بالأمر باستقبال الكعبة المشرفة، وكانت الصخرة مكشوفة ثم بُني عليها قُبة عظيمة. يُنظر: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع (٣/ ١٢٩٦)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٩). قال ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) (٢/ ٣٤٨): «لا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة، ولا يتحرون الصلاة عندها، حتى ابن عمر -﵄- مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة؛ وذلك أنها كانت قبلة، ثم نسخت. وهي قبلة اليهود، فلم يبق في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم».
(٢) هو: مَعْقِلُ بْنِ أَبِي مَعْقِل، ويُقال: معقل بن أبي الهيثم الأسدي، صحابيٌّ، مدنيٌّ، له من المصطفى -ﷺ- حديثان، روى عنه: أبو سلمة، وأبو زيد مولاه، وأم معقل، وتُوفي في عهد معاوية. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٤٣٢)، أسد الغابة (٥/ ٢٢٣).
(٣) قال الخطابي في (معالم السنن) (١/ ١٧): «أراد بالقبلتين: الكعبة وبيت المقدس».
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٩) برقم: (١٠) وقال: «أبو زيد: هو مولى بني ثعلبة»، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول (١/ ٢١٢) برقم: (٣١٩)، وأحمد (٢٩/ ٣٨٢) برقم: (١٧٨٣٨)، قال الزيلعي في (نصب الراية) (٢/ ١٠٣): «قال شيخنا الذهبي: وأبو زيد هذا لا يُدرى من هو»، وضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٥)، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٢٤٦): «حديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال».
(٥) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٢٨١).
(٦) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، الإقناع (١/ ١٦)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٣٥).
[ ١٢٠ ]
القول الثاني: يُكره.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٣).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن عمر -﵄- قال: «لَقَدْ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، لِحَاجَتِهِ» (^٤).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث ناسخ للنهي عن استقبال بيت المقدس عند التخلِّي؛ فحكاية فِعل النبي -ﷺ- دليل على الجواز (^٥).
«قال أحمد بن حنبل: حديث ابن عمر ناسخ للنهى عن استقبال بيت المقدس واستدباره بالغائط والبول» (^٦).
الدليل الثاني: أن النهي عنه كان قبل نسخ القِبلة، وأما بعد النسخ: فإن بيت المقدس لا يُسمى قِبلة؛ فلا يتوجه إليه النهي (^٧).
قال القرافي -﵀-: «لا يُكره استقبال بيت المقدس؛ لأنه ليس قِبلة» (^٨).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ -﵁- قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ» (^٩).
وجه الاستدلال: أن النهي في الحديث بالنسبة لبيت المقدس جاء للتنزيه، فيُحمل
_________________
(١) يُنظر: العناية شرح الهداية (١/ ٤٢٠).
(٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠)، نهاية المحتاج (١/ ١٣٦).
(٣) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، كشاف القناع (١/ ٦٥).
(٤) سبق تخريجه: ص (١١٠).
(٥) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١/ ٢٣٧).
(٦) نقله ابن بطال في (شرح صحيح البخاري) (١/ ٢٣٧)، ويُنظر: الاستذكار (٢/ ٤٤٤)، عمدة القاري (٢/ ٢٨٢).
(٧) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠٢)، مواهب الجليل (١/ ٢٨١)، كشاف القناع (١/ ٦٥).
(٨) الذخيرة (١/ ٢٠٥).
(٩) سبق تخريجه ص: (١١٧).
[ ١٢١ ]
على الكراهة (^١).
نُوقش من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال، والضعيف لا تقوم به حجة (^٢). وعلى فرض الصحة، فإنه نُهي عن استقبال بيت المقدس حين كان قبلة ثم نهي عن استقبال الكعبة حين صارت قبلة فجمعهما الراوي (^٣).
الثاني: على فرض الصحة، فإنه يحتمل أن المراد بالنهي أهل المدينة ومَن على سمتها فقط؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبار الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس (^٤).
وأجاب عنهما النووي -﵀- بقوله: «هذان تأويلان مشهوران للأصحاب، ولكن في كل واحد منهما ضعف.
والظاهر المختار: أن النهي وقع في وقت واحد وأنه عام لكلتيهما في كل مكان ولكنه في الكعبة نهي تحريم في بعض الأحوال على ما سبق وفي بيت المقدس نهي تنزيه ولا يمتنع جمعهما في النهي وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة» (^٥).
الدليل الثاني: الإجماع على عدم التحريم (^٦).
اُعترض عليه: بأن دعوى الإجماع فيها نظر؛ لوقوع المخالفة من بعض الفقهاء بالقول بالتحريم (^٧).
الدليل الثالث: أن حرمة تعظيمه باقية؛ لكونه كان قِبلةً لنا (^٨).
_________________
(١) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠).
(٢) يُنظر: تخريج الحديث، ويُنظر: المفهم (١/ ٥٢٢).
(٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٠)، فيض القدير (٦/ ٣٤٣).
(٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٤٦).
(٥) المجموع (٢/ ٨١).
(٦) نقل الإجماع النووي في (المجموع) (٢/ ٨١)، ولم أجده عند غيره.
(٧) نُسب القول بالتحريم إلى ابن سيرين والحسن وإبراهيم النخعي. يُنظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (١/ ٤٥٢). وردّ ابنُ حجر والعينيُّ دعوى الإجماع بمخالفة من ذُكر، ونسبا نقل الإجماع إلى الخطابي. يُراجع: فتح الباري (١/ ٢٤٦)، عمدة القاري (٢/ ٢٧٩)، ولم أجد عبارة الإجماع عند الخطابي عند ذِكره المسألة في (معالم السنن) (١/ ١٧).
(٨) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٧)، المجموع (٢/ ٨٠)، المبدع (١/ ٦٥).
[ ١٢٢ ]
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم كراهة استقبال بيت المقدس عند التخلِّي.
أسباب الترجيح:
١ - أن النهي متوجه إلى القِبلة، وبيت المقدس ليست قِبلة بعد النسخ.
٢ - ضعف دليل النهي، وورود المناقشة عليه.
٣ - أن دعوى الإجماع منقوض.