دليل النهي:
عن سلمان -﵁- قال: «قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ (^١) أَوْ بِعَظْمٍ» (^٢).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بالرَّوْث والعَظم، على قولين:
القول الأول: يحرم.
وهو قول عند المالكية (^٣)، ومذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).
القول الثاني: يُكره.
وهو مذهب الحنفية (^٦)، والمذهب عند المالكية (^٧).
_________________
(١) الرَّجِيعُ: العذرة والروث، سُمي رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٠٣).
(٢) سبق تخريجه: ص (١١٤).
(٣) يُنظر: عيون المسائل، للقاضي/ عبد الوهاب المالكي (ص: ٧٣)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٦٠).
(٤) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٧٤)، المجموع (٢/ ١١٦).
(٥) يُنظر: المغني (١/ ١١٦)، المبدع (١/ ٧١).
(٦) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ١٨)، البناية (١/ ٧٥٩).
(٧) يُنظر: البيان والتحصيل (١/ ٥٥)، حاشية العدوي (١/ ١٧٦).
[ ١٣٤ ]
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَيَنْهَى عَنِ الرَّوْثِ (^١) وَالرِّمَّةِ (^٢) (^٣).
الدليل الثاني: حديث سلمان -﵁- المتقدم.
الدليل الثالث: حديث جابر -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ -ﷺ- أَنْ يُتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بِبَعْرٍ (^٤) (^٥).
وجه الاستدلال: أن ظاهر النهي عن الاستنجاء بالرَّوْث والعَظم في الأحاديث يدل على أنه لا يجوز الاستنجاء بها (^٦)؛ لأن الأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأنهما لا يطهران كما نص عليه -ﷺ- بقوله: «إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَانِ» (^٧).
الدليل الرابع: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» (^٨).
الدليل الخامس: حديث ابن مسعود الآخر: قال: «أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ، فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً،
_________________
(١) الرَّوْثُ: رجيع ذوات الحافر. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧١).
(٢) الرِّمَّةُ: العظام البالية، ويُقال: إنها سميت رمة؛ لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها. يُنظر: معالم السنن (١/ ١٥)، مقاييس اللغة (٢/ ٣٧٩).
(٣) سبق تخريجه: ص (١٢٦).
(٤) والبَعْرُ: هو الرجيع من كل ذي ظِلف وخف. يُنظر: المصباح المنير (١/ ٥٣)، القاموس المحيط (ص: ٣٥٢).
(٥) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب الاستطابة (١/ ٢٢٤) برقم: (٢٦٣).
(٦) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٢٥٦)، عمدة القاري (٢/ ٣٠١).
(٧) أخرجه الدارقطني، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء (١/ ٨٨) برقم: (١٥٢)، وقال: «إسناده صحيح»، وحسّن إسناده ابن حجر في (الدراية في تخريج أحاديث الهداية) (١/ ٩٧).
(٨) أخرجه مسلم مطولًا في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة فِي الصبح والقراءة على الجن (١/ ٣٣٢) برقم: (٤٥٠)، واللفظ للترمذي، أبواب الطهارة، باب كراهية ما يستنجى به (١/ ٢٩) برقم: (١٨).
[ ١٣٥ ]
فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» (^١).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن الاستنجاء بالروْث والعَظم، والنهي يقتضي التحريم، وبيّن في الحديث الآخر أن علة التحريم كونها طعام الجن وعلفًا لدوابهم، فلا يجوز إفساده عليهم، وللروْث علة أخرى وهي النجاسة، والنجاسة لا تُزال بمثلها (^٢).
الدليل السادس: عن رُوَيْفِع بن ثابت (^٣) -﵁- قال: قال لي رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ (^٤)، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا (^٥)، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ -فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ» (^٦).
وجه الاستدلال: أن الإعلام ببراءته -ﷺ- ممن يفعل هذه الأمور، فيه وعيد شديد ومبالغة في الزجر والنهي عنها، وذلك يفيد التحريم.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بالكراهة بأدلة القائلين بالتحريم: كحديث سلمان وأبي هريرة وابن مسعود -﵃-. والاستدلال بها من وجهين:
الوجه الأول: أن القصد من الاستجمار الإنقاء، والروْث والعَظم يجففان
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (١٢٧).
(٢) يُنظر: معالم السنن (١/ ٢٧)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٥٧)، نيل الأوطار (١/ ١٢٦).
(٣) هو: رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي سكن مصر، أمّره معاوية على طرابلس مدينة بالمغرب، فغزا منها إفريقية سنة ٤٧ هـ، روى عن النبي -ﷺ-، وعنه: بسر بن عبيد الله الحضرمي، وشِيَيْم ابن بَيْتَانَ، وحَنش الصنعاني، وأبو الخير مرفد وغيرهم، تُوفي ببرقة وهو أمير عليها سنة ٥٦ هـ. يُنظر: أسد الغابة (٢/ ٢٩٨)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٩٩).
(٤) عقد اللحية: قيل: هو ما كانوا يفعلونه في الحروب في الجاهلية يعقدون لحاهم، وذلك من زي الأعاجم، يفتلونها ويعقدونها، وقيل: معناه: معالجة الشعر؛ ليتعقد ويتجعد، وذلك من فِعل أهل التوضيع والتأنيث. معالم السنن (١/ ٢٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٢٧٠).
(٥) تقلد وترًا: قيل: هي العوذ التي يعلقونها عليه والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار، وقيل: الأجراس التي يعلقونها بها. معالم السنن (١/ ٢٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٤٩).
(٦) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب ما ينهى عنه أن يستنجى به (١/ ٢٨) برقم: (٣٦)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، عقد اللحية (/ ١٣٥) برقم: (٥٠٦٧)، وأحمد (٢٨/ ٢١٠) برقم: (١٧٠٠٠)، جوَّد إسناده النووي في (المجموع) (٢/ ١١٦) وابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٥٢)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٣١٠).
[ ١٣٦ ]
النجاسة وينقيان المحل كالحجر، فأجزأه؛ ولذا يُحمل النهي على الكراهة (^١).
نُوقش: بأن الروْثة تزيد في نجاسة المكان والعظم لا يُنقى لملوسته، ومَن استجمر بشيء نجس أَوْرَث المحل نجاسة، فكيف يكون منقيًا؟ (^٢).
الوجه الثاني: أن العلة الواردة في الحديث تفيد الكراهة، فيُكره بالروْث؛ لما فيه من: استعمال النجس، وإفساد علف دواب الجن، ويُكره بالعظم لما فيه من إفساد زادهم، فكان النهي عن الاستنجاء به لمعنى في غيره لا في عينه، فلا يُمنع الاعتداد به (^٣).
نُوقش: أنه يُرد بقوله: (لَا تُطَهِّرَانِ)، فلكونهما لا يطهران لا يُعتد بهما، وأحاديث النهي المستفيضة تفيد التحريم (^٤).
سبب الخلاف: اختلافهم في علة النهي: هل هو لمعنى في المنهي عنه أو لأجل غيرهما؟ (^٥) فمن ذهب إلى الأول مع الثاني قال بالتحريم، ومن ذهب إلى الثاني قال بالكراهة.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستنجاء بالروْث والعَظم.
أسباب الترجيح:
١ - تضافر الأدلة وقوتها وصراحتها في الدلالة على التحريم، وتأييدها بالوعيد بالبراءة من الفاعل.
٢ - أن الشريعة جاءت بمنع الإيذاء والإفساد، والاستجمار بالروْث والعَظم فيه إيذاء للجن وإفساد طعامهم وعلف دوابهم.
٣ - عدم القرينة الصارفة المعتبرة.