دليل النهي:
عَنْ سَلْمَانَ -﵁- قال: «قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^٢).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، على قولين:
القول الأول: يحرم الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار، وإن أنقى (^٣).
وهو مذهب الشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).
القول الثاني: يستحب الاستجمار بثلاثة أحجار، ويجوز بأقل من ذلك إن أنقى.
وهو مذهب الحنفية (^٦)، والمالكية (^٧).
_________________
(١) الاسْتِجْمَارُ: أي التمسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار؛ فالاستجمار: هو استعمال الحجارة الصغار في إزالة ما على المحل من الأذى. يُنظر: الصحاح (٢/ ٦١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٩٢)، حاشية العدوي (١/ ١٧٢).
(٢) سبق تخريجه: ص (١١٤).
(٣) الإنْقَاءُ: إزالة عين النجاسة وبلتها، بحيث يخرج الحجر نقيًا وليس عليه أثر إلا شيئًا يسيرًا، والنَقاءُ ممدودٌ: النظافةُ. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢٥١٤)، المغني (١/ ١١٣).
(٤) يُنظر: الأم (١/ ٣٧)، الحاوي الكبير (١/ ١٦١)، المجموع (٢/ ١٠٣).
(٥) يُنظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (١/ ١٠٠)، المغني (١/ ١١٣)، شرح الزركشي (١/ ٢١٧).
(٦) يُنظر: النهر الفائق (١/ ١٥٢)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).
(٧) يُنظر: التاج والإكليل (١/ ٣٨٩)، مواهب الجليل (١/ ٢٩٠).
[ ١٢٨ ]
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عَنْ سَلْمَانَ -﵁- قال: «قيل له: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^١).
وجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا صريحًا عن الاقتصار على أقل من ثلاثة، والنهي يقتضي التحريم، والنص على العدد دليل الاشتراط (^٢).
نُوقش: بأن المقصود هو الإنقاء، وذكر العدد للاحتياط وخرج مخرج العادة؛ لأن الغالب حصول الإنقاء بها (^٣).
وأُجيب: بأنه لو كان القصد الإنقاء فحسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى، ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة؛ إذ كان معلومًا أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين، فلمّا اشترط العدد لفظًا وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمنًا، دل على أنه إيجاب للأمرين معًا (^٤).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَطِبْ (^٥) بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، … الحديث» (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (١١٤).
(٢) يُنظر: المغني (١/ ١١٢)، المجموع (٢/ ١٠٤).
(٣) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٣).
(٤) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٢).
(٥) لا يَسْتَطِبُّ: أي: لا يستنجي، وسُمى الاستنجاء استطابة؛ لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن، يُقال: استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطيب، والاستطابة والاستنجاء والاستجمار أسماء لمعنى واحد. يُنظر: معالم السنن (١/ ١٤)، الصحاح (١/ ١٧٣)، الاستذكار (١/ ١٨٢). وتقدم حكم الاستنجاء باليمين في المبحث السابق.
(٦) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة (١/ ٨) برقم: (٨)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، النهي عن الاستطابة بالروث (١/ ٣٨) برقم: (٤٠)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة (١/ ٢٠٨) برقم: (٣١٣)، وأحمد (١٢/ ٣٧٢) برقم: (٧٤٠٩)، صححه ابن حبان (٤/ ٢٨٨) برقم: (١٤٤٠)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٢٩٨) بعد ذكر أسانيد الحديث: «أسانيده كلها صحيحة، وأصله في صحيح مسلم … قال الشافعي في القديم: هذا حديث ثابت».
[ ١٢٩ ]
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب (^١).
نُوقش: بأن الأمر يُحمل على الندب لا الايجاب؛ بدلالة نفي الحرج كما سيأتي عند ذكر أدلة القول الثاني.
الدليل الثالث: عن عائشة -﵂- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «إذا ذهبَ أحدُكُم إلى الغائِطِ فليَذهَبْ معه بثلاثةِ أحجارٍ يَستَطيبُ بهنَّ، فإنَّها تُجزئُ عنه» (^٢).
وجه الاستدلال: أن في الحديث أمرًا بثلاثة أحجار، والأمر يقتضي الوجوب، ودل على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، ولا يجزي بأقل من ذلك، والإجزاء إنما يُستعمل في الواجب (^٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً (^٤) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (^٥) (^٦).
وجه الاستدلال: أن إلقاء النبي -ﷺ- للروثة وأخْذه الحجرين، دل على أن الاستجمار بهما يجزئ؛ لأنه لو كان لا يجزئ الاستجمار بما دون الثلاث لما اكتفى
_________________
(١) يُنظر: المغني (١/ ١١٢).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة (١/ ٣٠) برقم: (٤٠)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، أبواب الفطرة، الاجتزاء في الاستطابة بثلاثة أحجار دون غيرها (١/ ٤١) برقم: (٤٤)، وأحمد (٤١/ ٢٨٨) برقم: (٢٤٧٧١)، قال الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢١٥): «قال الدارقطني: إسناده صحيح»، وحسّنه ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٤٧).
(٣) يُنظر: المغني (١/ ١١٢)، الأوسط (١/ ٣٤٩).
(٤) الرَوْثَةُ: واحدة الرَوْثِ والأَرواثِ، والروث: رجيع ذوات الحافر. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢١٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٧١).
(٥) رِكْس: الركس -بالكسر- هو النجس والرجس وكل مستقذر. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٣٦)، المصباح المنير (١/ ٢٣٧)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٦٧٤).
(٦) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة (١/ ٤٣) برقم: (١٥٦).
[ ١٣٠ ]
بالحجرين، ولطلب ثالثًا، ففي تركه ذلك دليل على اكتفائه بالحجرين، وهذا دليل على أن الثلاث للاستحباب (^١).
نُوقش: أنه مع الاحتمال لا يتم الاستدلال؛ فإن قوله (فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ) ليس فيه دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون أخذ ثالثًا مكان الروثة، فيكون قد استوفاها عددًا أو اكتفى بطلبه الأول، ويدل عليه حديث سلمان، وهو نص في عدم الاقتصار على دون الثلاثة (^٢).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ … الحديث» (^٣).
وجه الاستدلال: أن اسم الوتر يقع على المرة، فإذا أنقى بحجر واحد أجزأه، وقوله: (لا حرج) قرينة تدل على نفي الوجوب والعدد، فدل أن الأمر للندب (^٤).
نُوقش: أن الوتر في الحديث يُخصَّص عمومه بأحاديث الأمر بثلاثة أحجار، فيكون المراد بالوتر ما زاد على الثلاثة جمعًا بين الأحاديث (^٥)، كما في قوله -ﷺ-: «إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلَاثًا» (^٦)، والأحاديث تفسر بعضها بعضًا.
الدليل الثالث: القياس على الماء؛ لأن الماء إذا أنقى كفى، ولا يُشترط فيه
_________________
(١) يُنظر: شرح معاني الآثار (١/ ١٢٢).
(٢) يُنظر: أعلام الحديث (١/ ٢٤٩)، نصب الراية (١/ ٢١٧).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الاستتار في الخلاء (١/ ٢٦) برقم: (٣٥) مطولًا، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب الأمر بالاستنثار (١/ ٦٦) برقم: (٨٨) مختصرًا، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الارتياد للغائط والبول (١/ ٢٢٢) برقم: (٣٣٧)، وأحمد (١٤/ ٤٣٢) برقم: (٨٨٣٨)، صححه ابن حبان (٤/ ٢٥٧) برقم: (١٤١٠)، وصححه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٢٦)، وذكر ابن الملقن في (البدر المنير) (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢) اختلاف الحفاظ في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه من رواية أبي داود، بحسب توثيق بعض الأئمة لأبي سعد الخير وجهالة بعضهم إياه، وأورد أقوال مَنْ ضعفه، ثم قال: «والحق أنه حديث صحيح لا سيما على قول أبي داود أن أبا سعيد صحابي»، وقال العيني في (عمدة القاري) (٢/ ٣٠٠): «الحديث صحيح، ورجاله ثقات».
(٤) العناية شرح الهداية (١/ ٢١٣)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٣٧).
(٥) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٦١)، المجموع (٢/ ١٠٥).
(٦) أخرجه أحمد (٢٣/ ٤٣١) برقم: (١٥٢٩٦)، صححه ابن خزيمة (١/ ٨٢) برقم: (٧٦)، قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢١١): «رجاله ثقات».
[ ١٣١ ]
العدد (^١).
نُوقش: بأنه ليس كالماء؛ لأن الماء لما اعتُبرت فيه إزالة الأثر لم يفتقر إلى العدد، والأحجار لما لم يُعتبر فيها إزالة الأثر افتقرت إلى العدد (^٢).
سبب الخلاف:
«سبب اختلاف العلماء هو تعارض مفهوم إزالة النجاسة مع ظاهر اللفظ في الأحاديث التي ذُكر فيها العدد، وذلك أن مَنْ كان المفهوم عنده من الأمر بإزالة النجاسة إزالة عينها -أي: الإنقاء- لم يشترط العدد أصلًا، وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الأمر ألا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب؛ حتى يجمع بين المفهوم من الشرع والمسموع من هذه الأحاديث.
وأما مَنْ صار إلى ظواهر هذه الآثار واستثناها من المفهوم: فاقتصر بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها» (^٣).
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم الاستجمار بما دون ثلاثة أحجار، وإن أنقى.
قال ابن المنذر -﵀-: «دلت الأخبار الثابتة عن النبي -ﷺ- على أن ثلاثة أحجار تجزي من الاستنجاء، وبذلك قال كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم، إذا أنقى ودل حديث رسول الله -ﷺ- على أن الاستنجاء لا يجزي بأقل من ثلاثة أحجار» (^٤).
أسباب الترجيح:
١ - قوة الأدلة وصراحتها في الدلالة على المنع من الاقتصار على دون الثلاث.
٢ - أن التعيين بالعدد ثبت قولًا وفعلًا عن رسول الله -ﷺ-.
٣ - عدم المعارِض القوي الدلالة.
_________________
(١) يُنظر: معالم السنن (١/ ١٢)، الحاوي الكبير (١/ ١٦٢).
(٢) يُنظر: الحاوي الكبير (١/ ١٦٢).
(٣) بداية المجتهد (١/ ٩٣) بتصرف يسير.
(٤) الأوسط (١/ ٣٤٩)
[ ١٣٢ ]