دليل النهي:
عن جابر -﵁-: عن رسول الله -ﷺ- أنَّه «نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (^٢).
صورة المسألة:
إذا أراد إنسان أن يبول في الماء الواقف الذي لا يجري، فهل يجوز له ذلك أو لا؟
تحرير محل النزاع:
أولًا: محل الإجماع:
أجمع العلماء على أن الماء المستبحر (^٣) الكثير جدًا لا يدخل في النهي؛ فهو مُخصَّص من النهي بالإجماع (^٤).
قال ابن تيمية -﵀-: «لا تنازع بين المسلمين أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يعم جميع المياه، بل ماء البحر مستثنى بالنص والإجماع» (^٥).
وقال ابن دقيق العيد -﵀- (^٦): «اعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه عن ظاهره
_________________
(١) الماء الراكد: رَكَدَ الماء رُكودًا: سَكَنَ، فالماء الراكد هو الدائم الساكن الذي لا يجري، وقد فُسِّر بذلك في الحديث الآخر، فالماء الدائم: الواقف؛ لأنه قد دام في مكانه واستقر وسكن: كالخزانات، والغدران في البرية، والبرك في البساتين. يُنظر: الصحاح (٢/ ٤٧٧)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥٨)، لسان العرب (٣/ ١٨٤)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٢٠٥).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (١/ ١٦٢) برقم: (٢٨١).
(٣) التبحر والاستبحار: الانبساط والسعة. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٢٠١)، تاج العروس (١٠/ ١٢٥)، والماء المستبحر: هو الماء الكثير جدًا الذي لا تضره النجاسة التي لم تُغيِّر أحد أوصافه كماء البحر. يُنظر: بداية المجتهد (١/ ٣٠)، إحكام الأحكام (١/ ٧١).
(٤) نقل الإجماع: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٣٥)، وابن رشد في (بداية المجتهد) (١/ ٣٠)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢٠/ ٣٣٨).
(٥) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٣٨).
(٦) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح، تقي الدين الْقُشَيْرِيُّ، المعروف كأبيه وجده بابن دقيق العيد، وُلد سنة ٦٢٥ هـ، من فقهاء الشافعية وأكابر العلماء بالأصول، ولي قضاء الديار المصرية سنة ٦٩٥ هـ، من مصنفاته: «إحكام الأحكام»، «الإلمام بأحاديث الأحكام»، «تحفة اللبيب في شرح التقريب» وغيرها، استمر في القضاء إلى أن تُوفي بالقاهرة سنة ٧٠٢ هـ. يُنظر: طبقات الشافعيين (ص: ٩٥٢)، شذرات الذهب (٨/ ١١).
[ ٥٠ ]
بالتخصيص أو التقييد؛ لأن الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدًا لا تؤثر فيه النجاسة» (^١).
دليل الإجماع: حديث أبي هريرة -﵁- قال: سأل رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (^٢).
ثانيا: محل النزاع:
اختلف الفقهاء في حكم البول في الماء الراكد، على قولين:
القول الأول: يحرم.
وهو مذهب الحنفية (^٣)، وقول عند المالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).
القول الثاني: يُكره.
وهو المذهب عند المالكية (^٧)، والشافعية (^٨)، والحنابلة (^٩).
_________________
(١) إحكام الأحكام (١/ ٧١).
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (١/ ٦٢) برقم: (٨٣)، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (١/ ١٠٠) برقم: (٦٩) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الطهارة، باب ماء البحر (١/ ٥٠) برقم: (٥٩)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر (١/ ٢٥٠) برقم: (٣٨٦)، وأحمد (١٢/ ١٧١) برقم: (٧٢٣٣)، صححه ابن خزيمة (١/ ٩٧) برقم: (١١١)، وابن حبان (٤/ ٤٩) برقم: (١٢٤٣)، قال ابن الملقن في (البدر المنير) (١/ ٣٤٨): «رواه الأئمة الأعلام، أهل الحل والعقد».
(٣) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٩٢)، حاشية الطحطاوي (ص: ٥٣)، وفرّق بعضهم فقال: يحرم في القليل، ويكره في الكثير. يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٢).
(٤) يُنظر: الكافي في فقه أهل المدينة (٢/ ١١٤١)، حاشية الدسوقي (١/ ١٠٧)، وفرق بعضهم بين القليل والكثير. يُنظر: مواهب الجليل (١/ ٢٧٦)
(٥) يُنظر: المجموع (٢/ ٩٣)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨).
(٦) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٢)، الإنصاف (١/ ٢٠٠).
(٧) يُنظر: النوادر والزيادات (١/ ٢٢)، الجامع لمسائل المدونة (١/ ١٩٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).
(٨) يُنظر: العزيز شرح الوجيز (١/ ١٣٨)، المجموع (٢/ ٩٣).
(٩) يُنظر: الإنصاف (١/ ٩٨)، كشاف القناع (١/ ٦٢)، مطالب أولي النهى (١/ ٦٨).
[ ٥١ ]
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن جابر -﵁-: عن رسول الله -ﷺ- أنَّه «نهى أن يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (^١).
الدليل الثاني: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا يَبُولَنَّ أحَدُكُمْ في المَاءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٢).
وجه الاستدلال: أن ظاهر الأحاديث نهي صريح عن البول في الماء الراكد، والنهي المجرد يقتضي التحريم، ولا صارف للنهي عن التحريم، وقوله: (الماء الدائم) يعم القليل والكثير (^٣) (^٤).
الدليل الثالث: حديث معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ (^٥) الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ (^٦) فِي الْمَوَارد (^٧)، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (^٨)، وفي رواية:
_________________
(١) سبق تخريجه: ص (٤٨).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم (١/ ٥٧) برقم: (٢٣٩)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد (١/ ٢٣٥) برقم: (٢٨٢).
(٣) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٢٠٨).
(٤) اختلف الفقهاء في حد القليل والكثير على أقوال: فمذهب الحنفية: أن الماء إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإن كان لا يخلص فهو كثير، والمعتبر في الخلوص التحريك، فإن كان بحال لو حُرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص، وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص، ومذهب المالكية: إن تغير بالنجاسة فهو قليل، ومذهب الشافعية والحنابلة: أن الماء إذا بلغ قلتين فهو كثير، وإلا فهو قليل. يُنظر في تفصيل الأقوال وأدلتها: بدائع الصنائع (١/ ٧١)، شرح مختصر خليل، للخرشي (١/ ٦٦)، المجموع (١/ ١١٢)، المغني (١/ ٢١).
(٥) المَلَاعِنُ: اللَعْنُ: الطردُ والإبعادُ من الخير. والملاعن: جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يُلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحل له، وأصل اللعن: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء. يُنظر: الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).
(٦) البَرَازُ -بالفتح-: الفَضاء الواسع، والبِرازُ: كنايةٌ عن ثُفْلِ الغِذاء، وهو الغائِط. فكنوا به عن قضاء الغائط كما كنوا عنه بالخلاء؛ لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس. يُنظر: الصحاح (٣/ ٨٦٤)، معالم السنن (١/ ٩)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١١٨).
(٧) الموارد: طريق الماء ومشارعه، وقيل: أنّ المورد يطلق على منهل الماء أيضًا، يُنظر: مقاييس اللغة (٦/ ١٠٥)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٧٣)، مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود (١/ ٥٥).
(٨) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المواضع التي نهى النبي عن البول فيها (١/ ٢١) برقم: (٢٦)، وابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب النهي عن الخلاء على قارعة الطريق (١/ ٢١٨) برقم: (٣٢٨)، قال الحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٧٣): «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وحسّنه الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ١٠٠)، وله شاهد عند مسلم من حديث أبي هريرة (١/ ٢٢٦) برقم: (٢٦٩).
[ ٥٢ ]
«… أو في نقع ماء (^١) (^٢).
وجه الاستدلال: يدل الحديث على أنه يحرم قضاء الحاجة في المواضع التي يَرِدها الناس للاستسقاء منها؛ لأنه ضرر عظيم بالمسلمين؛ إذ يعرضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء، ولأن مَنْ فعلها شُتم ولُعن (^٣).
الدليل الرابع: أن الماء إن كان قليلًا نجسه البول فيه، وإن كان كثيرا: فإن توارد البول عليه من البائلين يؤدي إلى تغيُّره وتقذيره، ويظن المار أنه تغير من قراره (^٤).
نوقش: أن النهي عن البول في الماء الدائم لا يدل على أنه ينجس بمجرد البول؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل على ذلك (^٥).
أجيب عنه: أنه مع كثرة البائلين فيه قد يؤول إلى أن يتغير بالنجاسة فيصير نجسًا بالإجماع (^٦)، وذلك إيذاء للناس بإفساد مياههم، إذ يمنعهم من الانتفاع به فيما يحتاجون إليه من شرب أو وضوء؛ فيُمنع سدًا للذريعة ومراعاة لمصالح العباد (^٧).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأبي هريرة اللذين استدل بهما القائلون بالتحريم.
_________________
(١) النَّقْعُ: محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه، والماء الناقع، هو المجتمع كمستنقع الماء، وهي الموارد المذكورة في حديث معاذ. يُنظر: الصحاح (٣/ ١٢٩٢)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٨)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٥)، فيض القدير (١/ ١٣٦).
(٢) أخرجه أحمد عن ابن عباس (٤/ ٤٤٨) برقم: (٢٧١٥). قال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٠٤): «فيه ابن لهيعة ورجل لم يُسمَّ»، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ١٠١): «سنده حسن لولا الرجل الذى لم يسم»، وحديث معاذ السابق شاهد له.
(٣) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٤)، فيض القدير (١/ ١٣٦).
(٤) يُنظر: المغني (١/ ١٢٢)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، مواهب الجليل (١/ ٢٧٦).
(٥) يُنظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ٣٤).
(٦) نقل الإجماع جمع من العلماء، منهم: ابن المنذر في (الإجماع) (ص: ٤٣)، وابن حزم في (مراتب الإجماع) (ص: ١٩)، وابن عبد البر في (التمهيد) (١٩/ ١٦)، وابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (٢١/ ٣٠).
(٧) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨)، عون المعبود وحاشية ابن القيم (١/ ٨١).
[ ٥٣ ]
وجه الاستدلال: أن النهي في الأحاديث للكراهة؛ لوروده على طريق التنزيه والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة (^١).
نُوقش: أن النهي يقتضي التحريم عند المحققين وأكثر أهل الأصول، فلا يصح حمله على غير التحريم إلا بدليل (^٢)، ولا دليل على ذلك.
الدليل الثالث: أنه يكره؛ لأن فتح هذا الباب يفضي إلى كثرة البول فيه فيغيره (^٣).
يمكن أن يناقش: أن تغيره بكثرة البول دليل تنجسه؛ فلذا يحرم البول في الماء الراكد، ولأنه إفساد للماء وإيذاء لمستعمله.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بتحريم البول في الماء الراكد.
أسباب الترجيح:
١ - أن النهي فيه صريح صحيح سالم من المعارِض الراجح.
٢ - أن الناس شركاء في الماء، فلا يجوز إفساده عليهم بتنجيسه؛ لأن الشريعة جاءت بتحريم الإيذاء.
٣ - ضعف ما علل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.
_________________
(١) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ١٠٥).
(٢) يُنظر: المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٨٨).
(٣) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية - كتاب الطهارة (ص: ١٤٥).
[ ٥٤ ]