دليل النهي:
عن عمر -﵁- قال: «رَآنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ» (^١).
تحرير محل النزاع:
أولا: محل الاتفاق:
اتفق الفقهاء (^٢) على جواز البول قائمًا إن كان لعذر.
ثانيا: محل النزاع:
اختلف الفقهاء في حكم البول قائمًا لغير عذر، على قولين:
القول الأول: جواز البول قائمًا إن أَمِن تطاير البول، وألا يرى عورته أحد.
وهو مذهب المالكية (^٣)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٤).
القول الثاني: الكراهة.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٦) برقم: (٣٠٨)، وأورده الترمذي، باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا (١/ ١٧) بعد الحديث رقم (١٢) وقال: «وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي الْمُخَارِق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وتكلم فيه»، وقال ابن المنذر في (الأوسط) (١/ ٣٣٧): «هذا لا يثبت؛ لأن الذي رواه عبد الكريم أبو أمية»، وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٤٥): «هذا إسناد ضعيف: عبد الكريم متفق على تضعيفه، … ولا يُغتر بتصحيح ابن حبان هذا الخبر من طريق هشام بن يوسف عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر؛ فإنه قال بعده: (أخاف أن يكون ابن جريج لم يسمعه من نافع) وقد صح ظنه».
(٢) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٧)، المهذب (١/ ٥٦)، أسنى المطالب (١/ ٤٩)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٦).
(٣) يُنظر: الذخيرة (١/ ٢٠٣)، مواهب الجليل (١/ ٢٦٨).
(٤) يُنظر: الإنصاف (١/ ٢٠١)، كشاف القناع (١/ ٦٥).
[ ٩٤ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد -﵀- (^٣).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن حذيفة -﵁- قال: «أَتَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- سُبَاطَةَ (^٤) قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا» (^٥).
وجه الاستدلال: أن ثبوت فعله -ﷺ- دليل على جواز البول قائمًا وقد أمن الرشاش؛ لأن السباطة لا ترُد البول عليه، وأمن الانكشاف؛ لأن حذيفة كان من خلفه يستره (^٦).
نُوقش: بأن النبي -ﷺ- إنما بال قائمًا لعذر، وحملوا ذلك على أوجه، أشهرها (^٧):
أ - قيل: أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله.
ب - وقيل: السبب أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به.
ت - وقيل: إنما بال قائمًا؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك؛ لكونه قريبًا من الديار.
وقيل: إنه فعل ذلك لجرح كان في مأبضه (^٨) لا يتمكن معه من القعود، واستدلوا
_________________
(١) يُنظر: البحر الرائق (١/ ٢٥٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤).
(٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٥)، أسنى المطالب (١/ ٤٩).
(٣) يُنظر: الفروع (١/ ١٣٥)، الإنصاف (١/ ٢٠١).
(٤) السُّبَاطَةُ: السباطة والكُنَاسَةُ: الموضع الذي يُرمى فيه التراب والأوساخ وما يُكنس من المنازل، تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وقيل: هي الكناسة نفسها. وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك؛ لأنها كانت مواتا مباحة. يُنظر: الصحاح (٣/ ١١٣٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٣٣٥)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٦).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب البول عند سباطة قوم (١/ ٥٥) برقم: (٢٢٦)، ومسلم، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (١/ ١٧٥) برقم: (٢٧٣).
(٦) يُنظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال (١/ ٣٣٤)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠)، شرح أبي داود، للعيني (١/ ٩٥).
(٧) يُنظر: المفهم (١/ ٥٢٦)، المنهاج شرح صحيح مسلم (٣/ ١٦٦)، شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).
(٨) المَأْبِضُ: هو باطن الركبة. يُنظر: مقاييس اللغة (١/ ٣٧)، المجموع (٢/ ٨٥).
[ ٩٥ ]
له بحديث أبي هريرة -﵁-: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ» (^١).
أُجيب عن حديث أبي هريرة: بأنه ضعيف: قال ابن حجر: «لو صح هذا الحديث لكان فيه غِنى عن جميع ما تقدم» (^٢).
وأُجيب عن هذه الأوجه:
بـ «أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة، لكن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، والله أعلم» (^٣).
الدليل الثاني: مجموعة من الآثار التي رُويت عن جمع من الصحابة -﵃- فيها الترخص في البول قائمًا، منها:
أنه شُوهد: «ابْنَ عُمَرَ، يَبُولُ قَائِمًا» (^٤)، و«زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، يَبُولُ قَائِمًا» (^٥)، وأن «عَلِيًّا بَالَ قَائِمًا» (^٦).
وجه الاستدلال: أن فِعلهم دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش (^٧).
الدليل الثالث: أن الأصل الإباحة فمَن ادّعى الكراهة فعليه الدليل، ولم يثبت عن النبي -ﷺ- في النهي عنه شيء (^٨).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: عن عمر -﵁- قال: «رَآنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، جماع أبواب الاستطابة، باب البول قائمًا (١/ ٣٠٨) برقم: (٤٩٤) وقال: «لا يثبت مثله»، ضعفه النووي في (المنهاج) (٣/ ١٦٥)، وقال ابن حجر في (فتح الباري) (١/ ٣٣٠): «ضعفه الدارقطني والبيهقي».
(٢) فتح الباري (١/ ٣٣٠).
(٣) المفهم (١/ ٥٢٦).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٥) برقم: (١٣١٣)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٧).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١١٥) برقم: (١٣١٢)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٣).
(٦) أخرجه الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٤/ ٢٦٨) برقم: (٦٨١٣).
(٧) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).
(٨) يُنظر: شرح العمدة، لابن تيمية -كتاب الطهارة (ص: ١٤٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠).
[ ٩٦ ]
عُمَرُ، لَا تَبُلْ قَائِمًا قَالَ: فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ» (^١).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- نهى عن البول قائمًا، ويُحمل على الكراهة لا التحريم؛ لعلة خوف التَّرَشُش والتنجس (^٢).
نُوقش: أن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت (^٣)، وتبين ذلك في تخريج الحديث.
الدليل الثاني: استدلوا بحديث عائشة -﵂- قالت: «مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا» (^٤).
وجه الاستدلال: هذا الإنكار منها يقتضي أن المعلوم من عادته -ﷺ- البول من قعود، فيُحمل الخبر على الكراهة لا التحريم (^٥)، ولأن الأغلب عندها: أن مَنْ بال قائمًا لا يكاد يسلم من إصابة البول ثيابَه وبدنَه (^٦).
نُوقش من وجهين:
الأول: بأنه ليس في الحديث ما يدل على كراهية البول قائمًا، وقد ورد عنها أيضًا: «فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَبُولُ جَالِسًا» (^٧)، فليس فيه دليل على المنع؛ لأنه قد يجوز أن يبول جالسًا في وقت، ويبول قائمًا في وقت آخر، فلم تحكِ عن النبي -ﷺ- ما يدل على كراهية البول قائمًا (^٨).
الثاني: أن ما أخبرتْ به مستند إلى علمها، فيُحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٩١).
(٢) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤).
(٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤)، عمدة القاري (٣/ ١٣٦).
(٤) أخرجه الترمذي، أبواب الطهارة عن رسول الله -ﷺ-، باب النهي عن البول قائمًا (١/ ٦٠) برقم: (١٢)، وقال: «وفي الباب عن عمر، وبريدة، حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح»، وأخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٥) برقم: (٣٠٧)، جوّد إسناده النووي في (المنهاج) (٣/ ١٦٦)، وقال الألباني في (إرواء الغليل) (١/ ٩٥): «سنده صحيح على شرط مسلم».
(٥) المجموع (٢/ ٨٥)، حاشية ابن عابدين (١/ ٣٤٤).
(٦) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٧).
(٧) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدًا (١/ ٢٠٥) برقم: (٣٠٧)، صححه الألباني في (صحيح وضعيف سنن ابن ماجه) (١/ ٣٧٩).
(٨) يُنظر: شرح معاني الآثار (٤/ ٢٦٧).
[ ٩٧ ]
في غير البيوت: فلم تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة (^١).
الدليل الثالث: حديث جابر بن عبد الله -﵁- قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَبُولَ قَائِمًا» (^٢).
وجه الاستدلال: أن في الحديث نهيًا عن البول قائمًا، ويُحمل على الكراهة؛ لوروده في باب التنزيه والإرشاد (^٣).
نُوقش: بأن الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة (^٤).
سبب الخلاف:
تعارض ظاهر الأحاديث المثبتة لبول النبي -ﷺ- قائمًا مع الأحاديث النافية له، والأحاديث الناهية عنه.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بجواز البول قائمًا وإن كان لغير عذر، إن أمن تلوثًا وناظرًا، غير أن البول قعودًا أفضل؛ لأنه غالب فِعل النبي -ﷺ-.
قال ابن المنذر في (الأوسط): «يبول جالسًا أحب إليَّ؛ للثابت عن نبي الله -ﷺ- أنه بال جالسًا، ولأن أهل العلم لا يختلفون فيه، ولا أنهي عن البول قائمًا لثبوت حديث حذيفة» (^٥).
أسباب الترجيح:
١ - أن الأصل الإباحة، ولم يصح شيء عن النبي -ﷺ- في النهي عن البول قائمًا.
٢ - أن حكاية الأخبار عن بوله -ﷺ- قاعدًا لا ينافي جواز البول قائمًا، وقد ثبت عنه -ﷺ-
_________________
(١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٣٠)، عمدة القاري (٣/ ١٣٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب في البول قاعدا (١/ ٢٠٦) برقم: (٣٠٩)، قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ٤٥): «إسناد حديث جابر ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عدي بن الفضل».
(٣) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٥).
(٤) يُنظر: المجموع (٢/ ٨٤)، ويُنظر تخريج الحديث.
(٥) (١/ ٣٣٨).
[ ٩٨ ]
البول قائمًا: نقلت عائشة البول قاعدًا، ونقل حذيفة البول قائمًا، فكلٌّ نقل ما علم، ولا تنافيَ بينهما.
٣ - أن ثبوت ترخُّص جمع من الصحابة -﵃- فيه، يؤيد الجواز.
٤ - ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني، وورود المناقشة عليه.