دليل النهي:
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ (^٢)، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» (^٣).
صورة المسألة:
لو أراد شخص الاغتسال في الماء الواقف الذي لا يجري، هل يجوز له ذلك أو لا؟
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم اغتسال الجُنب في الماء الراكد (^٤)، على قولين:
القول الأول: يُكره.
وهو مذهب الجمهور: المالكية (^٥)، والشافعية (^٦)، والحنابلة (^٧).
القول الثاني: يحرم في القليل.
وهو مذهب الحنفية (^٨).
_________________
(١) سبق في المبحث السابق بيان المقصود بالماء الراكد، وأن الكثير المستبحر مخصوص من النهي بالنص والإجماع.
(٢) الجُنُبُ: الجنابة في الأصل: البعد، ورجل جُنُبٌ من الجَنابَة، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث، وربّما قالوا في جمعه أجنابٌ وجُنُبون. والجنب: الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني، والتقاء الختانين، أو ما يترتب على ذلك، وسُميت الجنابة بذلك؛ لكونها سببًا لتجنب الصلاة في حكم الشرع. يُنظر: الصحاح (١/ ١٠٣)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٣٠٢).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب النهي عن الاغتسال في الماء الراكد (١/ ٢٣٥) برقم: (٢٨٢).
(٤) ورد النص في الغسل من الجنابة في الماء الراكد، وألحق به الفقهاء الاغتسال من الحيض والنفاس، وكذلك يُلحق به اغتسال الجمعة. يُنظر: المغني (١/ ١٧)، عمدة القاري (٣/ ١٦٩).
(٥) يُنظر: الذخيرة (١/ ٣٠٥)، مواهب الجليل (١/ ٧٥).
(٦) يُنظر: المجموع (٢/ ١٩٦)، أسنى المطالب (١/ ٧١).
(٧) يُنظر: الإنصاف (١/ ٧٨)، شرح منتهى الإرادات (١/ ١٨).
(٨) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٦٧)، البحر الرائق (١/ ٩٩).
[ ٥٧ ]
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا» (^١).
وجه الاستدلال: يدل الحديث على النهي عن الاغتسال في الماء الراكد قليلًا كان أو كثيرًا، وهو محمول على الكراهة؛ لأن المنع من الانغماس فيه؛ لئلا يصير مستعملًا (^٢)، وذلك مفسد له فيمتنع على الغير الانتفاع به (^٣).
نُوقش: بأن التعليل بمصير الماء مستعملًا تعليل ضعيف، بل العلة: مصيره مستخبثًا بتوارد الاغتسال فيه، فيفسد ويبطل نفعه، ويوضح ذلك قول أبي هريرة: (يتناوله تناولًا)، فإنه يدل على أن النهي إنما هو من الانغماس لا عن الاستعمال، وإلا لما كان بين الانغماس والتناول فرق (^٤).
الدليل الثاني: أن الغسل فيه يقذره على مَنْ يستعمله بعده؛ إذ لا يخلو من وسخ وعرق في جسمه غالبًا، فيغيره؛ فتعافه النفس (^٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٦).
وجه الاستدلال: أن الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم مما تستخبثه الطباع السليمة، والخبيث محرم، والتحريم دليل النجاسة؛ فيكون الاغتسال محرمًا (^٧).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة -﵁- الذي استدل به أصحاب القول الأول.
وجه الاستدلال: أن الرسول -ﷺ- نهى عن الاغتسال في الماء الراكد، ويحمل على
_________________
(١) سبق تخريجه ص: (٥٤).
(٢) اختلف الفقهاء في طهورية الماء المستعمل على عدة أقوال. يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٢٠٢)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٢)، المجموع (١/ ١٣٧)، كشاف القناع (١/ ٣٢).
(٣) يُنظر: أسنى المطالب (١/ ٧١)، شرح مختصر خليل (١/ ٧٧)، فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٤٧).
(٤) يُنظر: نيل الأوطار (١/ ٣٧)، عون المعبود (١/ ٩٣).
(٥) يُنظر: إكمال المعلم (٢/ ١٠٦)، المجموع (١/ ١٥٢)، شرح الإلمام (١/ ٢٦٥).
(٦) سورة الأعراف: جزء من الآية (١٥٧).
(٧) يُنظر: أحكام القرآن، للجصاص (٥/ ٢٠٥)، بدائع الصنائع (١/ ٦٨).
[ ٥٨ ]
القليل، والأصل في النهي المجرد عن القرينة التحريم، ولأن فيه تنجيسًا للماء الطاهر، فلولا أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى، لأن إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، إذ بدن الجنب به نجاسة تقديرية، وذا يقتضي التنجيس به، فيفسده ويحرم استعماله على غيره (^١).
يمكن أن يُناقش: بأن النهي عام في القليل والكثير، وأن الماء لا يتنجس بمجرد ذلك؛ للإجماع على أن بدن الجنب طاهر (^٢).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة -﵁- أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» (^٣).
وجه الاستدلال: أن اقتران النهيين في الحديث يقتضي التسوية، فيدل على أن الغُسل فيه كالبول فيه، والنهي عنهما للتحريم (^٤).
نوقش: أن دلالة الاقتران ضعيفة، وعلى تقدير تسليمها: فلا يلزم التسوية، فيكون النهي عن البول؛ لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه؛ لئلا يسلبه الطهورية، ويزيد ذلك وضوحا قوله (يتناوله تناولا) فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا فيمتنع على الغير الانتفاع به، والصحابي أعلم بموارد الخطاب من غيره (^٥).
سبب الاختلاف:
هو اختلاف الفقهاء في علة النهي عن الاغتسال في الماء الدائم: فالقائلون بالتحريم قالوا: العلة هي الاستخباث وتنجيس الماء بالملاقاة، والقائلون بالكراهة منهم مَنْ قال: العلة هي صيرورة الماء مستعملًا، ومنهم مَنْ قال: العلة هي الاستقذار، وعيافة النفس.
_________________
(١) يُنظر: بدائع الصنائع (١/ ٦٨)، البحر الرائق (١/ ٩٩).
(٢) نقل الإجماع النووي في (المجموع) (٢/ ١٥٠)، وابن تيمية في (الفتاوى الكبرى) (١/ ٢٢٦).
(٣) سبق تخريجه: ص (٥٠).
(٤) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١/ ٤٦)، البحر الرائق (١/ ٩٩).
(٥) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١/ ٣٤٧).
[ ٥٩ ]
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها ومناقشتها يتبين أن الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بكراهة الغسل في الماء الراكد.
أسباب الترجيح:
١ - أن هذا القول موافق لما جاءت به الشريعة من الأمر بالنظافة والبعد عن الأقذار.
٢ - أنه موافق للطبائع؛ فالنفس تنفر مما يستقذر.
٣ - ضعف استدلال القول الآخر، وورود المناقشة عليها.