دليل النهي:
عن جابر -﵁- قال: «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ (^١) يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ (^٢) بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (^٣)، وفي رواية: «غَيِّرُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا» (^٤).
صورة المسألة:
لو أراد شخص تغيير الشَّيْب في رأسه أو لحيته بصبغه بالسواد، هل يجوز له ذلك أو لا؟
تحرير محل النزاع:
أولًا: محل الاتفاق:
اتفق الفقهاء (^٥) على إباحة تغيير الشَّيْب بالسواد في جهاد العدو؛ لأن الغازي مع سواد شعره أهيب وأرهب في عين العدو (^٦).
_________________
(١) هو: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، أبو قحافة القرشي التيمي، والد أبي بكر الصديق -﵄-، أسلم يوم فتح مكة، وعاش أبو قحافة إلى خلافة عمر، ومات سنة ٢٤ هـ وهو ابن سبع وتسعين سنة. يُنظر: الاستيعاب (٣/ ١٠٣٦)، أسد الغابة (٣/ ٥٧٥).
(٢) الثَّغَامُ: نبت أبيض الثَّمر أو الزَّهر، وقيل: هي شجرة تَبْيض كأنها الثلج، فشبَّه بياض الشَّيب به. يُنظر: غريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ١٣٩)، الصحاح (٥/ ١٨٨٠)، النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢١٤).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خِضاب الشيب بصُفرة أو حُمرة وتحريمه بالسواد (٣/ ١٦٦٣) برقم: (٢١٠٢).
(٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٢٧٣) برقم: (٥٠٦٨).
(٥) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٩٩)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦)، المجموع (١/ ٢٩٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥)، الفروع (١/ ١٥٤)، كشاف القناع (١/ ٧٧).
(٦) يُنظر: المبسوط، للسرخسي (١٠/ ١٩٩)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧).
[ ١٥٨ ]
قال ابن حجر -﵀-: «… ويُستثنى من ذلك المجاهد اتفاقًا» (^١).
واتفق الفقهاء (^٢) على تحريم تغيير الشَّيْب بالسواد في بيع أو نكاح؛ لما فيه من التدليس (^٣) والخداع، وذلك حرام (^٤)؛ لقوله -ﷺ-: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (^٥).
قال ابن القيم -﵀-: «أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس» (^٦).
ثانيًا: محل النزاع:
اختلف الفقهاء في حكم التغيير بالسواد في غير الجهاد أو البيع والنكاح، على قولين:
القول الأول: يُكره.
وهو مذهب الجمهور: الحنفية (^٧)، والمالكية (^٨)، والحنابلة (^٩).
القول الثاني: يحرم.
وهو مذهب الشافعية (^١٠).
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: عن جابر -﵁- قال: «أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ» (^١١).
الدليل الثاني: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «غَيِّرُوا الشَّيْب، وَلَا تُقَرِّبُوهُ
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).
(٢) يُنظر: بدائع الصنائع (٥/ ٢٧٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، أسنى المطالب (١/ ١٧٣)، كشاف القناع (١/ ٧٧).
(٣) التَّدْلِيسُ: كتمان عيب السلعة عن المشتري وإخفاؤه. يُنظر: الصحاح (٣/ ٩٣٠)، التوقيف على مهمات التعاريف (ص: ٩٣).
(٤) يُنظر: كشاف القناع (١/ ٧٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦)، موسوعة القواعد الفقهية (٢/ ٢٦٥).
(٥) أخرجه مسلم، باب قول النبي -ﷺ-: «مَنْ غشنا فليس منا» (١/ ٩٩) برقم: (١٠١).
(٦) زاد المعاد (٤/ ٣٣٧).
(٧) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦)، اللباب (ص: ٢٦٢).
(٨) يُنظر: الفواكه الدواني (٢/ ٣٠٧)، حاشية العدوي (٢/ ٤٤٦).
(٩) يُنظر: المغني (١/ ٦٩)، الإنصاف (١/ ٢٥٧).
(١٠) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤)، تحفة المحتاج (٩/ ٣٧٥).
(١١) سبق تخريجه ص: (١٥٥).
[ ١٥٩ ]
السَّوَادَ» (^١).
وجه الاستدلال: أن الأحاديث تدل على مشروعية تغيير الشَّيْب، وعلى النهي عن الخِضاب بالسواد، ويُحمل على الكراهة للتنزيه (^٢)، ولقرينة خضاب بعض الصحابة -﵃- بالسواد ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أنهم فهموا أن النهي ليس للتحريم.
الدليل الثالث: عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة» (^٣).
وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على أن من صفة أهل النار أنهم يخضِبون بالسواد، فيُكره ذلك؛ لكراهة التشبه بأهل النار (^٤).
نُوقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الكريم بن أَبِي المُخَارِق (^٥) (^٦).
وأُجيب عنه: أن الصواب أنه عبد الكريم بن مالك الجزري (^٧)، وهو ثقة.
الثاني: بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخِضاب بالسواد، بل فيه الإخبار بصفة
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢١/ ٢١٠) برقم: (١٣٥٨٨). صححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ٧٦٧).
(٢) يُنظر: المجموع (١/ ٢٩٤)، المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٠).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب الترجل، باب ما جاء في خِضاب السواد (٦/ ٢٧٢) برقم: (٤٢١٢)، والنسائي في السنن الصغرى، كتاب الزينة، النهي عن الخِضاب بالسواد (٨/ ١٣٨) برقم: (٥٠٧٥)، وأحمد (٤/ ٢٧٦) برقم: (٢٤٧٠)، قال الحافظ المنذري في (الترغيب والترهيب) (٣/ ٨٦): «رووه كلهم من رواية عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الكريم، فذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق وضعف الحديث بسببه، والصواب: أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة، احتج به الشيخان وغيرهما، والله أعلم»، وقوّى إسناده ابن حجر في (فتح الباري) (٦/ ٤٩٩)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ١٣٥٥).
(٤) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩).
(٥) هو: عبد الكريم بنُ أَبِي المُخَارِقِ، واسم أبيه: قيس، كنيته: أبو أمية، تابعي، نزل مكة، روى عن: أنس بن مالك، وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاوس وغيرهم، قال عنه النسائي والدارقطني: متروك، وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٦٤٦)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٦).
(٦) يُنظر: الموضوعات، لابن الجوزي (٣/ ٥٥).
(٧) هو: عبد الكريم بن مالك الجزري، كنيته: أبو سعيد، روى عن عطاء وعكرمة وسعيد بن المسيب، وهو من العلماء الثقات في زمن التابعين، وَثَّقه جمعٌ كثيرٌ من العلماء، منهم: أحمد، ويحي بن معين، وأبو زرعة، تُوفي سنة ١٢٧ هـ. يُنظر: تهذيب الكمال (١٨/ ٢٥٢)، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٣).
[ ١٦٠ ]
هؤلاء القوم (^١).
وأُجيب عنه: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (^٢).
الدليل الرابع: الآثار التي رُويت عن بعض الصحابة -﵃- بأنهم صبغوا بالسواد، منها:
«أن الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسَّوَادِ» (^٣)، وأنه: «كَانَ سَعْدٌ يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ» (^٤).
وجه الاستدلال: أن الصبغ بالسواد فَعَله جماعة من الصحابة، ولم يُنكر عليهم، فدل ذلك على أن الصحابة فهموا أن النهي عنه ليس للتحريم (^٥).
نوقش: أن ما رُوي من آثار عن بعض الصحابة أنهم خضبوا بالسواد، يحتمل أنهم فعلوه للمهابة في الغزو (^٦).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول والثاني: استدلوا بحديثي جابر وأنس -﵄- اللذين استدل بهما أصحاب القول الأول.
وجه الاستدلال: أن قوله: (اجتنبوا) وقوله: (لا تقربوه)، يفيدان النهي عن تغيير الشَّيْب بالسواد، وهو للتحريم (^٧)؛ لأن الأصل في النهي أنه يقتضي التحريم، ولا يُصرف عنه إلا بقرينة صارفة، ولا صارف هنا.
نُوقش: بأن النهي يُحمل على الكراهة للتنزيه، ولقرينة فِعل بعض الصحابة (^٨).
_________________
(١) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥) نقلًا عن أبي عاصم.
(٢) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥)، نيل الأوطار (١/ ١٥٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٨٣) برقم: (٢٥٠١٧).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٣٨) برقم: (٢٩٥)، والحاكم (٣/ ٥٦٧) برقم: (٦٠٩٩).
(٥) يُنظر: المفهم (٥/ ٤١٩).
(٦) يُنظر: حاشية ابن عابدين (٦/ ٧٥٦).
(٧) المنهاج شرح صحيح مسلم (١٤/ ٨٠).
(٨) يُنظر: فتح الباري، لابن حجر (١٠/ ٣٥٥).
[ ١٦١ ]
الدليل الثالث: عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «يكونُ قَوْمٌ يخضِبُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بالسَّواد كحَواصِلِ الحَمَامِ، لا يَرِيحُون رائِحةَ الجنَّة» (^١).
وجه الاستدلال: أن الحديث يدل على تحريم الصبغ بالسواد (^٢)؛ لورود الوعيد الشديد بقوله: (لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)، ولا يكون ذلك إلا على محرم.
نوقش: أنه خلاف ما يتبادر من سياق الحديث، وأن ترتيب الحكم على الوصف مُشعِر بأنه علة الحكم، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضِبون بالسواد (^٣).
سبب الخلاف:
سبب اختلاف الفقهاء هو تعارض ظاهر الأحاديث والآثار.
الترجيح:
بعد عرض الأقوال وأدلتها تبين أن القول بالكراهة فيه قوة، وكذلك أدلة القول بالتحريم قوية؛ لذا أتوقف عن الترجيح، والله تعالى أعلم بالصواب.